تتواصل الندوات التي تعقد في المعاهد والأكاديميات العربية والأوروبية بمناسبة مرور 600 سنة على رحيل الفيلسوف والمؤرخ عبدالرحمن بن خلدون. فهذا المفكر كان له الفضل في تأسيس علم العمران (الاجتماع) وتركت نصوصه تأثيرها على الكثير من العلماء ورجال السياسة وفلاسفة العلوم السياسية.
وفي هذه المناسبة نشرت وتنشر «الوسط» بعض مقالات «المقدمة» وخصوصاً تلك التي تلقي الضوء على جوانب تحليلية اعتبرت آنذاك جديدة في توضيح آليات تطور الدولة وشروط نهوضها وانحطاطها.
في الأسبوع الماضي تحدث الفصل السابع عشر من «المقدمة» عن أطوار الدولة الخمسة، وهي: الاستيلاء على الحكم، الانفراد بالحكم، تحصيل ثمرات الحكم، القنوع والمسالمة، وأخيراً طور الإسراف والتبذير والبدء في الهرم والانحطاط.
واليوم ننشر الفصل الرابع عشر من «المقدمة» ويتحدث فيه ابن خلدون عن إعمار الدولة. فالدولة برأيه كالبشر لها محطات زمنية تنقسم إلى أربعة أجيال. وكل جيل يتألف من 30 سنة. ومجموع عمر الدولة من صعودها إلى هبوطها لا يتجاوز 120 سنة تنتهي في الجيل الرابع.
وبرأي ابن خلدون أن الجيل الأول يتصف بالبداوة (الخشونة والتوحش)، ويتصف الجيل الثاني بالترف والكسل (الحضارة)، وينسى الجيل الثالث عهد البداوة والخشونة و«يصيرون عيالاً على الدولة»، وتهرم الدولة وتتخلف في الجيل الرابع حين ينقرض الحسب.
عبدالرحمن بن خلدون
اعلم أن العمر الطبيعي للأشخاص على ما زعم الأطباء والمنجمون مئة وعشرون سنة وهي سنو القمر الكبرى عند المنجمين. ويختلف العمر في كل جيل بحسب القرانات فيزيد على هذا وينقص منه. فتكون أعمار بعض أهل القرانات مئة تامة وبعضهم خمسين أو ثمانين أو سبعين على ما تقتضيه أدلة القرانات عند الناظرين فيها. وأعمار هذه الملّة ما بين الستين إلى السبعين كما في الحديث. ولا يزيد على العمر الطبيعي الذي هو مئة وعشرون إلا في الصورة النادرة وعلى الأوضاع الغريبة من الفلك كما وقع في شأن نوح عليه السلام وقليل من قوم عاد وثمود.
وأما أعمار الدول أيضاً وإن كانت تختلف بحسب القرانات إلا أن الدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال. والجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط فيكون أربعين الذي هو انتهاء النمو والنشوء إلى غايته. قال تعالى: «حتى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة» (الأحقاق: 15). ولهذا قلنا إن عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل. ويؤيده ما ذكرناه في حكمة التيه الذي وقع في بني إسرائيل. وان المقصود بالأربعين فيه فناء الجيل الأحياء ونشأة جيل آخر لم يعهدوا الذل ولا عرفوه فدل على اعتبار الأربعين في عمر الجيل الذي هو عمر الشخص الواحد وإنما قلنا إن عمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال.
لأن الجيل الأول لايزالون على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش والبسالة والافتراس والاشتراك في المجد، فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظة فيهم فحدهم مرهف وجانبهم مرهوب والناس لهم مغلوبون.
والجيل الثاني تحول حاله بالملك والترفه من البداوة إلى الحضارة ومن الشظف إلى الترف والخصب ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به وكسل الباقين عن السعي فيه ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة فتنكسر سورة العصبية بعض الشيء وتؤنس منهم المهانة والخضوع ويبقى لهم الكثير من ذلك بما أدركوا الجيل الأول وباشروا أحوالهم وشاهدوا اعتزازهم وسعيهم إلى المجد ومراميهم في المدافعة والحماية فلا يسعهم ترك ذلك بالكلية وإن ذهب منه ما ذهب ويكونون على رجاء من مراجعة الأحوال التي كانت للجيل الأول أو على ظن من وجودها فيهم.
وأما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر ويبلغ فيهم الترف غايته بما تبنقوه (تبنق بالمكان أقام به، وتبنقوه: نعموا به) من النعيم وغضارة العيش فيصيرون عيالاً على الدولة ومن جملة النساء والولدان المحتاجين للمدافعة عنهم وتسقط العصبية بالجملة وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة ويلبسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل وحسن الثقافة يموّهون بها وهم في الأكثر أجبن من النسوان على ظهورها فإذا جاء المطالب لهم لم يقاوموا مدافعته فيحتاج صاحب الدولة حيئنذ إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة ويستكثر بالموالي ويصطنع من يغني عن الدولة بعض الغناء حتى يتأذن الله بانقراضها فتذهب الدولة بما حملت.
فهذه كما تراه ثلاثة أجيال فيها يكون هرم الدولة وتخلفها ولهذا كان انقراض الحسب في الجيل الرابع كما مر في أن المجد والحسب إنما هو أربعة آباء. وقد أتيناك فيه ببرهان طبيعي كافٍ ظاهر مبني على ما مهدناه قبل من المقدمات. فتأمله فلن تعدو وجه الحق إن كنت من أهل الإنصاف.
وهذه الأجيال الثلاثة عمرها مئة وعشرون سنة على ما مر ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر بتقريب قبله أو بعده إلا أن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب فيكون الهرم حاصلاً مستولياً والطالب لم يحضرها. ولو قد جاء الطالب لما وجد مدافعاً «فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» (الأعراف: 34). فهذا العمر للدولة بمثابة عمر الشخص من التزيد إلى سن الوقوف ثم إلى سن الرجوع. ولهذا يجري على ألسنة الناس في المشهور أن عمر الدولة مئة سنة. وهذا معناه فاعتبره واتخذ منه قانوناً يصحح لك عدد الآباء في عمود النسب الذي تريده من قبل معرفة السنين الماضية. إذا كنت قد استربت في عددهم وكانت السنون الماضية منذ أولهم محصلة لديك فعدّ لكل مئة من السنين ثلاثة من الآباء فإن نفدت على هذا القياس مع نفود عددهم فهو صحيح وإن نقصت عنه بجيل فقد غلط عددهم بزيادة واحد في عمود النسب وإن زادت بمثله فقد سقط واحد. وكذلك تأخذ عدد السنين من عددهم إذا كان محصلاً لديك فتأمله تجده في الغالب صحيحاً والله يقدر الليل والنهار.
المقال مأخوذ من الفصل الرابع عشر من «المقدمة
العدد 1414 - الخميس 20 يوليو 2006م الموافق 23 جمادى الآخرة 1427هـ