يرى البعض أن السبب الحقيقي للأزمات الحالية في الاتحاد الأوروبي يعود إلى أن فكرة الاتحاد كانت أصلاً فكرة ذات عيوب. ففي حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية حلم قادة أوروبا بتشكيل تحالف يمنح قارتهم قوة اقتصادية تضاهي قوة أميركا، وقام واضعو معاهدة ماستريخت العام 1992 بطرح فكرة إقامة اتحاد سياسي ومالي، لكن كان من الصعب جداً تطبيق تلك الفكرة في حينها.
وانطلاقاً من إدراك حقيقة أن تثبيت سعر الصرف بين دول تتمتع بمستويات مختلفة من القوة الاقتصادية قد يسبب مشكلات في المستقبل، قال نقاد من أمثال ميلتون فريدمان ومارتن فلدشتاين بأنهم يعتقدون أن المشروع كان محكوماً عليه بالفشل منذ بدايته، لكن الاتحاد الأوروبي مضى قدماً إلى أن وقع فريسة للأزمة المالية العام 2008، والتي أبرزت نقاط الضعف فيه.
راقبت مجموعة محللي الائتمان المصرفي BCA مؤخراً أداء الاتحاد الأوروبي في تحقيق أهدافه منذ نشأته، لتخلص إلى أن التدفق التجاري بين دول الاتحاد لم يتحسن كما هو متوقع، بينما ازداد كثيراً حجم التبادل التجاري بين كل دولة من الدول الأعضاء وأسواق الدول الناشئة، وهو أمر كان متوقعاً. كما درست المجموعة الإنفاق الاستثماري للدول، ليظهر أن فرنسا هي الدولة الوحيدة التي شهدت ارتفاعاً في الإنفاق غير المرتبط بالإسكان، بينما ارتفع الإنفاق الإسكاني بشكل كبير في ايرلندا وإسبانيا بعد البدء بتطبيق العملة الموحدة، لكن قطاع الإسكان إنهار في كلا البلدين. وقد تمكن البنك المركزي الأوروبي من تخفيف حدة التضخم، إلا أن الأهداف الاقتصادية المماثلة في الدول الأعضاء لم تتحقق، ويعود ذلك إلى أن الإصلاحات طبقت فقط في ألمانيا، ما أدى إلى ارتفاع في تكاليف العمالة وتخفيض مستوى التنافسية وتفاقم مشكلة ميزان المدفوعات.
وقبل العام 2007 كانت الفوارق في الحصيلة النقدية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي صغيرة، فاعتبر ذلك علامة على التقارب الاقتصادي بين الدول، لكن بحسب ماريو دراغي الرئيس الحالي للبنك المركزي الأوروبي، فإن الأمر لم يكن مؤشراً على التكامل الاقتصادي، بل إشارة إلى مخاطرة ائتمانية هيكلية تتمثل بالتسعير المنخفض. ولم ينشط الإقراض بين المؤسسات المالية في دول الاتحاد. وفيما يمكن أن نستنتج من ذلك التحليل عدم تحقق العديد من الأهداف المرجوة، فقد أجبر الاتحاد الأوروبي الأعضاء على دراسة إمكانية التكامل المالي ومواجهة مخاطر الإدارة المالية الداخلية غير الحكيمة.
بايرون واين
نائب رئيس مجلس الإدارة، مجموعة بلاك ستون للاستشارات
العدد 3590 - الخميس 05 يوليو 2012م الموافق 15 شعبان 1433هـ