كان عبدالله الشمري يعمل في وظيفة مستقرة وبراتب جيد مهندسا للأمن الصناعي في إحدى شركات النفط في أبوظبي. لكن عندما أتاحت له الحكومة الفرصة لإطلاق عمل خاص به لم يفوتها. وأنشأت حكومة أبوظبي صندوق خليفة لتطوير المشاريع في 2007 لإقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وبعد قليل من تدشينه عرض الشمري على مسئولي الصندوق مقترحا لصنع صناديق كهرباء لإنارة الشوارع توضع تحت الأرض. وعادة ما تعج شوارع مدن الخليج التي يتم بناؤها سريعا بصناديق تحتوي على شبكات الأسلاك والمعدات الأخرى اللازمة لإنارة الشوارع. لكن الشمري اراد وضع تلك الصناديق تحت الأرض مع إمكانية الوصول إليها من خلال فتحات بحجم جسم الانسان.
وعلاوة على كونها لن تشغل حيزا فوق الأرض فسوف تكون أكثر أمنا وغير معرضة لعوامل الطقس. وقال الشمري (45 عاما) «فوجئوا لأننا كنا أول من ابتكر هذه التقنية... لكنهم وافقوا على الخطة بعدما أدركوا إمكانات وجدوى المشروع». وبعد حصوله على قرض بقيمة 1.8 مليون درهم (490 ألف دولار) من الصندوق استغرق بدء النشاط نحو عامين وفترة مماثلة لتسويق المنتج. والآن تمكنت شركة «سيرتا للصيانة الالكتروميكانيكية» التي أسسها من تركيب 200 صندوق للإنارة في أنحاء أبوظبي وقد يزيد الانتاج هذا العام إلى أربعة أمثاله مع زيادة الايرادات إلى ثلاثة امثالها أي 40 مليون درهم مع توسع الشركة في قطر. ويعمل بالشركة 80 موظفا بينهم اثنان آخران من الإمارات.
وقصة الشمري واحدة من مئات القصص المماثلة التي تنبئ بتغير اقتصادي مهم في الامارات حيث تنجح الحكومة أخيرا في إقناع عدد كبير من مواطنيها بإطلاق شركات خاصة بهم. ولايزال هذا التوجه في مراحله الأولى لكنه قد يساعد إذا استمر في حل مشكلة اقتصادية تزعج حكومات الإمارات وغيرها من دول الخليج العربية وهي تقاعس معظم مواطنيها عن البحث عن وظائف في القطاع الخاص.
وقال رئيس مؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وهي مؤسسة مدعومة من الدولة تساعد في ترتيب القروض لتلك المشاريع في دبي، عبدالباسط الجناحي «نرى جيلا جديدا من الإماراتيين... سواء من خريجي الجامعات أو الموظفين الذين لديهم بعض الخبرات في الأعمال... يفكرون في بدء مشروعات تجارية أو يغامرون بتأسيس أعمالهم الخاصة».
والغالبية العظمى من المواطنين الاماراتيين الذين يشكلون أكثر بقليل من عشر السكان البالغ عددهم 8.3 ملايين نسمة يعملون في شركات حكومية مفضلين إياها على القطاع الخاص بسبب الرواتب العالية التي تعرضها الحكومة الغنية بالموارد النفطية.
وبفضل برامج الرعاية الاجتماعية من المهد إلى اللحد يفضل آخرون البطالة وتشير الاحصاءات الرسمية إلى أن نسبة العاطلين عن العمل بين المواطنين تبلغ 14 في المئة.
والحكومة قادرة في الوقت الحالي على تحمل تلك الأعباء المالية بفضل أسعار النفط المرتفعة لكنها تدرك أنها ستواجه مشكلات إذا انخفضت أسعار الخام كثيرا. ولذا تكثف جهودها لاغراء المواطنين على العمل في القطاع الخاص مستعينة في ذلك بتشجيع حس المغامرة لديهم لريادة المشروعات.
وقال رئيس مجلس إدارة صندوق خليفة، حسين النويس «هدفنا هو تهيئة اجواء لرواد الأعمال الشبان وتشجيع المواطنين على تشغيل أنفسهم وخفض الاعتماد على الوظائف الحكومية».
ويعرض صندوق خليفة ومؤسسة محمد بن راشد وغيرهما من الهيئات المدعومة من الدولة التي تشجع المواطنين الاماراتيين على ريادة الأعمال خدمات استشارية. لكنها تركز على توفير التمويل لأن كثيرا من البنوك المحلية تشعر بأن إقراض الشركات الجديدة ينطوي على مخاطر كبيرة. وتعرض مؤسسة محمد بن راشد ضمانات ائتمانية للشركات المملوكة لإماراتيين. وتكتسب مثل تلك البرامج قوة دافعة تدريجيا.
ومول صندوق خليفة منذ تأسيسه 375 مشروعا لإماراتيين بقيمة إجمالية 700 مليون درهم. والصندوق ملتزم حاليا بتمويل لا يقل عن 150 - 200 مليون درهم سنويا.
ويعتزم صندوق خليفة حاليا إطلاق صندوق رأس مال مخاطر لتوفير تمويل لرواد الأعمال الإماراتيين الذين يؤسسون مشروعات مشتركة مع أجانب. وسيعرض برنامج آخر تمويلا يصل إلى عشرة ملايين درهم للمشروع الواحد في قطاع الصناعات الخفيفة.
ولم تتوافر إحصاءات وطنية بشأن ريادة الأعمال بين الاماراتيين لكن هناك دلائل غير مباشرة على أن جهود الحكومة لتنويع الاقتصاد بعيدا عن قطاع النفط الذي تسيطر عليه الدولة تؤتي ثمارها بوجه عام. وفي مطلع العقد الماضي كانت القطاعات غير النفطية تشكل أقل من 60 في المئة من الاقتصاد لكنها تشكل حاليا نحو 70 في المئة.
غير أن جهود الامارات لتشجيع مواطنيها على ريادة الأعمال تواجه معوقات كبيرة. ففي الوقت الذي تتمتع فيه الدولة بالثراء الشديد حيث تجني أموالا من النفط ومن تدفق الملايين من مديري الأعمال والعمال الأجانب من غير المرجح أن يشعر كثير من المواطنين أبدا بضرورة الالتحاق بالقطاع الخاص ناهيك عن تأسيس شركاتهم الخاصة.
وتوجد ايضا عراقيل اجتماعية، إذ يشعر بعض الشبان بضغوط لا للعمل بالشركات الحكومية وإنما للانضمام إلى الشركات العائلية الراسخة وهو ما قد يكون مقيدا بالدرجة نفسها.
وقال عبدالله الزعبي (26 عاما) وهو حاصل على درجة جامعية في العلوم الإنسانية لكنه أطلق مشروعه الخاص في نهاية الأمر في أبوظبي من خلال الحصول على قرض مصرفي «دخلت في صراع مع أسرتي قبل أن أتمكن من فتح مطعم». واضاف «الجميع كانوا يريدون أن أنضم إلى الأعمال التجارية الخاصة بالأسرة إلا أنا».
لكن سيكون من الخطأ التهوين من شأن تأثير المبالغ الكبيرة والخبرات التي تبذلها السلطات الإماراتية في سبيل هذه القضية. فالتمويل الحكومي السخي يخلق فرصا جديدة بالنسبة لقطاع عريض من الناس. وأحد الأمثلة على ذلك هو أحمد حسن الظنحاني (37 عاما) وهو ابن لمزارع في إمارة الفجيرة. أحمد لحقت به إصابة في العمود الفقري أجبرته على ملازمة مقعد متحرك. وبعدما جرب حظه أول مرة بالعمل في توزيع الشيكولاتة البلجيكية استعان بتمويل من صندوق خليفة لبدء مشروع نقل لخدمة النساء والأطفال في الفجيرة.
وقال إن الطلب على الخدمة في تزايد وإنه يعتزم شراء عربتين أخريين هذا العام بمساعدة من الصندوق. وكثير من المستفيدين الآخرين من التمويل الحكومي من النساء في بلد يمكن أن يجعل المجتمع المحافظ فيه من الصعب على المرأة العمل. وتشير الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها برنامج لتلفزيون الواقع أطلق في دبي العام الماضي إلى أن ريادة الأعمال ربما أصبحت توجها شائعا. وتنافس آلاف المتسابقين في برنامج «المبادر» الذي ترعاه شركة الامارات للاتصالات المتكاملة (دو) للفوز بمليون درهم لتطوير أفكارهم التجارية. وقال الزعبي الذي يدير شقيقاه الأكبر أعمال الأسرة «الحياة اليوم مختلفة عن الأجيال السابقة. الشبان الاماراتيون يريدون أن يتحدوا أنفسهم ويفعلوا شيئا مختلفا عما فعله آباؤهم ونحن نتمتع بدعم حكومتنا».
العدد 3842 - الخميس 14 مارس 2013م الموافق 02 جمادى الأولى 1434هـ