لم تستفق قوى اليسار البحريني - صاحبة التاريخ السياسي العريق - بعدُ من وقع خسارة جميع مرشحيها للمجالس البلدية أو المجلس النيابي، ولم ينجح عناق «الرفاق» مع «الوفاق» في إيصال أي من مرشحي الجمعيات اليسارية في جميع دوائر البحرين عدا المترشح المستقل والمدعوم من «الوفاق» عبدالعزيز أبل الذي حقق اختراقاً في الدائرة السابعة من محافظة العاصمة بعد فوزه على رجل الأعمال عبدالحكيم الشمري في جولة الإعادة.
اليسار البحريني كان فعلاً الخاسر الأكبر في انتخابات 2006، بعد فشل جميع مرشحيه في الوصول إلى قبة البرلمان الذي يسيطر عليه الإسلاميون السنة والشيعة، إذ لم تستطع جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)، التي تعد معقل اليساريين والقوميين في البحرين، الفوز بأي من المقاعد، فقد خسر مرشحو «القائمة الوطنية للتغيير» وفي مقدمتهم الزعيم الروحي لليساريين عبدالرحمن النعيمي أمام النائب عيسى أبوالفتح في الجولة الثانية، وكان نصيب رئيس جمعية «وعد» إبراهيم شريف مماثلاً أمام المترشح المستقل عبدالرحمن بومجيد، فيما لم تتمكن عضو الجمعية منيرة فخرو من الفوز على رئيس المنبر الوطني الإسلامي النائب صلاح علي في «رابعة الوسطى»، وكذلك سامي سيادي أمام مرشح «المنبر الإسلامي» ناصر الفضالة، وسبقهم بأسبوع إبراهيم كمال الدين في «ثالثة العاصمة» لصالح مرشح قائمة «الوفاق» الشيخ جاسم المؤمن، وخرج الصحافي علي صالح مبكراً من «ثالثة الوسطى».
وجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) التي يرأسها حالياً إبراهيم شريف، تمثل اتجاه «الجبهة الشعبية في البحرين» التي كانت قد تفرعت عن حركة القوميين العرب بعد هزيمة 1967 واتبعت التوجه الاشتراكي / الثوري / العربي، وتشكلت لاحقاً باسم «الجبهة الشعبية في البحرين» في منتصف السبعينات. وكانت قاطعت انتخابات المجلس التأسيسي العام 1972 والمجلس الوطني العام 1973 وأيضاً انتخابات المجلس النيابي العام 2002.
لم يشفع لـ «وعد» التي كسرت حاجز المقاطعة في 2006، نشاطها المؤثر في الساحة السياسية البحرينية منذ تأسيسها، حتى تحالفها مع جمعية «الوفاق» التي تمثل الشارع الشيعي في إيصال القائمة الوطنية للتغيير إلى قبة المجلس، ويعزو قادة «وعد» خسارتهم إلى المراكز العامة العشرة التي رجحت أصوات منافسيهم في كل الجولات، ويرون أن «الأمر لا يخلو من شبهة أو لغز» فيما يرجع آخرون خسارة رموز اليسار إلى مخاوف قوى الإسلام السني من تحالفاتهم مع المعارضة.
ولم تكن الحال أفضل عند جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي التي يرأسها حسن مدن (عينته الدولة عضواً في مجلس أمناء معهد البحرين للتنمية السياسية)، فالجمعية التي تمثل اتجاه «جبهة التحرير الوطني البحرانية» التي تأسست في العام 1954 على أساس ماركسي - لينيني، لم تتمكن من إيصال أي من أعضاء «كتلة الوحدة الوطنية» التي تشكلت قبيل الانتخابات، وترأسها النائب الأول لرئيس مجلس النواب السابق عبدالهادي مرهون (سقط بفارق أصوات كبير في رابعة العاصمة أمام مرشح «الوفاق» النائب عبدالجليل خليل)، عبدالنبي سلمان (حصد أصواتاً كثيرةً في «ثانية الوسطى» لكنه لم يتجاوز مرشح «الوفاق» النائب سيدعبدالله العالي)، جاسم عاشور (حل ثانياً في «ثامنة العاصمة» بعد مرشح «الوفاق» النائب جميل كاظم)، شهزلان خميس(خسرت أمام منافسها الوفاقي النائب محمد المزعل في «خامسة العاصمة»)، علي حسين (سقط في «سابعة الوسطى» أمام مرشح «الأصالة» النائب عبدالحليم مراد)، علي الأيوبي (سقط في «ثالثة الشمالية» أمام مرشح «الوفاق» النائب عبدالحسين المتغوي)، عباس عياد (سقط أمام مرشح «المنبر الإسلامي» النائب محمد خالد في «سادسة الشمالية»)، سمير الحداد (خسر أمام مرشح «الوفاق» في «ثانية العاصمة» النائب خليل المرزوق) وفهد المضحكي (خسر في «خامسة المحرق» لصالح مرشح «المنبر الإسلامي» النائب سامي قمبر).
يذكر أن جمعية «التقدمي» أعلنت موافقتها على المشاركة في الانتخابات النيابية في 2002 على رغم اعتراضها على كيفية إصدار دستور 2002، واقتنصت «التقدمي» فرصة المقاطعة، وأوصلت 3 نواب إلى نيابي 2002 هم: عبدالهادي مرهون، عبدالنبي سلمان ويوسف زينل (لم ينضم إلى قائمة الوحدة وفضّل خوض الانتخابات مستقلاً، لكنه خسر مقعد «سابعة الشمالية» أمام مرشح «الوفاق» النائب جاسم حسين)، ويرجع كثيرون سبب خسارة «المنبر» إلى أسباب رئيسية ثلاثة: منافستهم معاقل «الوفاق»، عدم تحالفهم مع «وعد» والسبب الأبرز أن الوقت لم يسعفهم للملمة جروحهم بعد خلافات داخلية محتدمة استقرت بعد عودة مدن إلى زعامة «التقدمي» مرة أخرى.
وفي الضلع الثالث من أضلاع اليسار تبدو جمعية الوسط العربي الإسلامي - تجمع بين أعضائها القوميين والناصريين الذين يؤمنون بدور متكامل بين الإسلام والعروبة - والتي يرأسها الاستشاري الطبي جاسم المهزع، مترددةً في حسم خياراتها السياسية، وتحفظت الجمعية عن طريقة إصدار دستور 2002 إلا أنها دخلت الانتخابات العام 2002 لكنها لم تنجح في الفوز بأي مقعد، وتكرر الأمر في انتخابات 2006، اذ خسر مرشحها أحمد البنعلي. وكان لافتاً أيضاً وقوفها على الحياد من جولة حاسمة في «رابعة المحرق» أدت إلى هزيمة عبدالرحمن النعيمي أمام عيسى أبوالفتح، وقد يسبب ذلك توتراً في العلاقات بين «وعد» و»الوسط العربي» اللتين تشتركان في التحالف السداسي.
ولم تنجُ جمعية التجمع القومي الديمقراطي التي يرأسها رسول الجشي (تمثل المحسوبين على اتجاه حزب البعث العربي الاشتراكي وبعض الناصريين) من إسقاطات اليسار الحزين، إذ خسرت الانتخابات بمرشح يتيم في «خامسة المحرق» محمد حسين شويطر لصالح المنبري النائب سامي قمبر.
الصدمة كانت كبيرة جدّاً عند حركة العدالة الوطنية (عدالة) التي سقط رئيسها عبدالله هاشم في «سابعة المحرق» من الجولة الأولى، وعيسى سيار في «اولى المحرق» امام زعيم السلفيين الشيخ عادل المعاودة. وربما وقع الصدمة جعل (عدالة) تفقد صوابها - بحسب رؤى يسارية - لتدعم جميع منافسي غريمتها «وعد»، فقد قررت حركة العدالة الوطنية مساندة ناصر الفضالة وإبراهيم بوصندل وعيسى أبوالفتح، وساندت عبدالرحمن راشد بومجيد وإبراهيم الحادي تحت ذريعة الحفاظ على التوازنات داخل المجلس المنتخب التي لم تفلح الحركة في إيصال أي من أعضائها أو مناصريها إليه، في حين أن التجمع الوطني الديمقراطي (فصيل سياسي صغير شهد حرباً طاحنةً بين قياداته، وخرج منه مؤسسه عبدالله هاشم وحل محله فاضل عباس) لم ينزل الانتخابات رسمياً، لكنه أعلن مناصرته بعض مرشحي المعارضة.
وفي جبهة اليساريين المستقلين، لم يفلح النائب السابق فريد غازي في تجاوز «لعبة الكبار» في «ثالثة الوسطى» ليجبر على ترك الانتخابات مترجلاً قبل دورة ثانية جمعت مرشح «الوفاق» مهدي أبوديب ومرشح «المنبر الإسلامي» الشيخ إبراهيم الحادي الذي نال كرسي الدائرة، كما تذوق النائب السابق يوسف الهرمي هو الآخر طعم الخسارة المريرة في «سابعة العاصمة» التي خطفها عبدالعزيز أبل في الدور الثاني، ولم يسعف الحظ كذلك عضو الأمانة العامة للتجمع القومي عبدعلي الغسرة (الذي خاض الانتخابات مستقلاً) للفوز على مرشح «الوفاق» في «أولى الوسطى» جلال فيروز.
وخرجت المرشحتان: هدى المطاوعة «ثانية المحرق» وضوية العلوي «سابعة العاصمة» من السباق في جولته الأولى.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح الآن، وأكثر من أي وقت مضى: هل يتجاوز اليسار البحريني «حرب الدفاتر القديمة» التي قضت على حظوظه في أحد أهم الاستحقاقات الانتخابية التي شهدتها البحرين؟ وهل سيكتب لـ «اليسار» نجاح قادم ولو بعد حين؟ لا أحد يدري
العدد 1551 - الإثنين 04 ديسمبر 2006م الموافق 13 ذي القعدة 1427هـ