العدد 3906 - الجمعة 17 مايو 2013م الموافق 07 رجب 1434هـ

مساحة الحرة-لا تهجروه

محمد ميرزا الريس
محمد ميرزا الريس

قال تعالى: «إِنّ هذا القرآنَ يهدي للتي هيَ أقومُ» (الإسراء: 9)، أمّا أمير البلاغة فيقول: «واعلموا أن هذا القرآنَ هو الناصحُ الذي لا يغُش، والهادي الذي لا يُضِل، والمحدِّثُ الذي لا يكذب، وما جالسَ هذا القرآنَ أحدٌ إلا قامَ عنه بزيادةٍ أو نقصانٍ: زيادةٍ في هدىً أو نقصانٍ في عمى».

نعم؛ فهو حبل الله المتين وسببه الأمين، وهو المعجزة الخالدة التي تحدى اللهُ بها الإنسَ والجنَّ قائلاً: «قل لئنِ اجتمعتِ الإنسُ والجنُّ على أن يأتوا بمثلِ هذا القرآنِ لا يأتونَ بمثلهِ ولو كانَ بعضهمْ لبعضٍ ظهيرا» (الإسراء: 88). هو الكتاب المعجز في بلاغته حتى عجز فطاحل اللغة وجهابذتها عن أن يأتوا بسورة من مثله، هو المعجز في إشاراته وبيانه للحقائق العلمية الدقيقة المرتبطة بالآفاق والأنفس، وقد سبق في ذلك كل منجزات الحضارة وتراثها العلمي بما يربو على ألفٍ وأربعمئة عام، هو المعجز في بيانه للماضي، وإخباره بالغيب، وفي مواكبة الحاضر له، فتجاوز بذلك حواجز الزمان والمكان، هو المعجز في صونه عن التحريف؛ ليكون بذلك دستور الحياة بكل نُظمها وأبعادها المختلفة، فهل رعيناه حق رعايته؟!، وهل تشبثنا بنوره، وتمسكنا برشده؛ ليخرجنا من الظلمات إلى النور؟!

كلا وألف لا، فالجواب يأتي من القرآن ذاته شاكياً على لسان الرسول (ص): «وقالَ الرسولُ يا ربِ إنَّ قومي اتخذوا هذا القرآنَ مهجورا» (الفرقان: 30)، نعم لقد هجرنا كتاب الله، فلم يعد عند البعض منا سوى أنغامٍ يرددها وأحرفٍ يتكلَّف تجويدها، ولم يعد عند البعض الآخر إلا كتاباً يسفي عليه غبار الزمن، فلا يُخرجه إلا في شهر رمضان، بل لم يعد عند أحد منا أدنى احترام له؛ فالقرآن يُتلى في مجالسنا ونحن لاهون، بل حُرق القرآن في بلاد المسلمين، فواحرّ قلباهُ كيف نستنكر ذلك على الغرب؟!

نحتاج إلى مراجعةِ ذواتنا، أن نمزِّق عتمة الهجران، وأن نصوغ لأنفسنا علاقة وطيدة بالقرآن، أن نذوب في القرآن، وأن نعشق القرآن، ولعلًّك تسألني: كيف؟ إنَّ بناء العلاقة السليمة بالقرآن الكريم يحتاج إلى لبنة الإخلاص؛ فهو الذي يعطي للعلاقة مضمونها الروحي الكبير وقيمتها الأخروية، ثم فلنبدأ بخلق تواصل دائم مع كتاب الله ولو في أبعاده الظاهرية بدايةً، وأن نتواصل معه تلاوةً وحفظاً وتجويداً، فإن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد وجلاؤها تلاوة القرآن، ثم لنضفي على تواصلنا نوعاً من الانصهار الوجداني بأن تنشَّدَ قلوبنا وتهيم عند تلاوته أو سماعه، فنذوب فيه كل الذوبان وننصهر معه كل الانصهار، فلا تمرُّ بنا آيات النَّعيم إلا وتهافتت أرواحنا إلى الجنة، ولا تمرُّ بنا آيات العذاب إلا وندبنا أنفسنا وبكينا عليها بكاء البائس الفقير، ولا يتأتى لنا ذلك إلا بأن نفتح نوافذ قلوبنا ومدارك عقولنا على تأمل آيات الكتاب وتفكّرها والتدبّر في معانيها وغاياتها، وما كل هذه سوى مقدمات لا تسمن ولا تغني من جوع ما لم نقرنها بالعمل بالقرآن، بتطبيقه وتجسيده في أقوالنا وأفعالنا وفي كل أبعاد الحياة ومساحاتها فكراً وعاطفةً وسلوكاً، فهذه هي القيمة الكبرى للتعاطي مع القرآن، ثم فلنحكم ما بنيناه من علاقة مع القرآن بختامٍ مسكٍ، بأن نخرج به من دائرة الفرد إلى دائرة المجتمع، أن نُنشئ جيلاً قرآنياً لا يتحَّرك إلا في أُطر القرآن وهديه، فهذه دعوة رسول الله (ص) حيث يقول: «فإذا التبست عليكمُ الفتنُ كقطعِ الليلِ المظلمِ فعليكم بالقرآنِ» .

العدد 3906 - الجمعة 17 مايو 2013م الموافق 07 رجب 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 2:30 م

      مع تحيات أبو قاسم

      قال الإمام الصادق (ع): (من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه وجعله الله عز وجل مع السفرة الكرام البررة وكان حجيزا عنه يوم القيامة)
      عزيزي يابن الريّس بارك الله فيك و أسأل الله لنا و لك التوفيق لخدمة كتابه العزيز و اتّباع هديه.

    • زائر 2 | 10:10 ص

      جميل

      جميل هذا الطرح
      لكن لمذا ( هذا القرأن عنا يبعد بل وحتى يجمد )
      والجهال للدستور كتاب
      آه لك يازمن ( يأتي زمان يرفع فية القرآن ) فلا يبقى من القرأن الا إسمة ورسمة

    • زائر 1 | 1:35 ص

      موفق

      موفق استاذ محمد و الى الامام دائما با مجتهد

اقرأ ايضاً