العدد: 21 | الخميس 26 سبتمبر 2002م الموافق 19 رجب 1423هـ
عبدالوهاب الأفندي
«الإسلام والدولة الحديثة»: نحو رؤية جديدة
يشير الدكتور الأفندي في مقدمة كتابه إلى ما يلي:
يواجه العالم الإسلامي في هذه المرحلة واحدة من تلك الحقب التاريخية التي تحدد مصير الأمم، فإما أن تتوجه فيها إلى آفاق مستقبل عظيم، وإما أن تهوي إلى درك سحيق في انتظار لحظة مماثلة قد تأتي وقد لا تأتي. وكل الشواهد الماثلة تشير إلى أن الطريق الذي تتجه نحوه الأمة هو طريق الهاوية التي لا قرار لها. ويتجلى هذا الواقع في أسوأ صورة في العالم العربي الذي يبدو أن قياداته السياسية والفكرية والثقافية كلها تسوقه نحو هذه الهاوية.
ولا يختلف الدور الذي تلعبه الحركات الإسلامية اليوم عن دور غيرها من القيادات الأخرى. بل ان الدور المحوري للحركات الإسلامية اليوم أصبح أبرز من غيره في الأزمة الماثلة. فأكثر ما نجحت فيه الحركات الإسلامية هو تعطيل وتحييد دور القيادات المنافسة دون أن تتصدى هي لأي دور إيجابي في مواجهة هذه الأزمة. وهذا العجز الذي ينعكس دور على الحركات الإسلامية لا ينفصل عن الفكر الذي يقود خطى هذه الحركات، والذي عجز عن أن يشكل الجسر الذي تعبر من خلاله هذه الحركات من السلبية إلى الإيجابية.
لهذا فإن المخرج من هذه الأزمة - الكارثة - لابد أن يبدأ من إعادة صياغة كاملة للفكر الإسلامي المتعلق بالدولة وشؤونها. وقد ظل الإشكال المخيم على الحوار الذي يدور حول الإسلام والدولة هو الفصام القائم بين وضوح الرؤية وصدق التوجه حين يتعلق الأمر بتناول الجوانب السياسية في الإسلام. ذلك أننا نجد المخلصين من أبناء الإسلام يميلون إلى الحذر الزائد لدى تناول التراث الفكري الإسلامي، بينما اقتصر التناول الجاد والناقد للتراث الإسلامي على الجهات الأكاديمية الغربية والعناصر المعادية للإسلام التي تسعى للنيل من هذا التراث والتركيز على نقائصه، هذا التناول الناقد ظل يقود بدوره إلى إذكاء العواطف لدى المسلمين ومفكريهم الذين يتصدون لما يكتبه الناقدون فيهبون للدفاع عن التراث الإسلامي بأكمله، ما حسن منه وما قبح، وما صلح وما لم يصلح. وهذا توجه يقود بالضرورة إلى البلبلة والاعتذارات الخجلى والممجوجة. لكل هذا أصبح من الضروري وضع حد لهذه الحلقة المفرغة من التخبط والأمور العاطفية، وذلك بأن يتولى المسلمون بأنفسهم الالتفات إلى مراجعة التراث بنظرة ناقدة فاحصة لا تتخلى عن ثوابته والقيم التي سعى لتجسيدها، ولكنها في الوقت نفسه لا تسجن نفسها في قصوره وتتعامل مع عيوبه بتقديس وهمي.
وبما أننا سمعنا مثل هذه الدعوة كثيرا من دون أن نرى لها تطبيقا، فإننا سنحاول في هذه المقالات أن نتبع القول بالعمل وندخل إلى لب الحوار المطلوب، وذلك بالتوجه لتناول الفكر السياسي الإسلامي قديمه وحديثه بنقد يجمع بين ميزات النظرة النقدية التي ظلت حتى الآن حكرا على أعداء الإسلام، وبين التمسك الراسخ بقيم الإسلام. وسنحاول أيضا تقديم عناصر الحوار بحيث تكون في متناول المسلمين وغيرهم، مما يعني أننا لن نتناول القضية من منظور إسلامي ضيق، وإنما بنظرة عالمية منفتحة. وهذا يعني أن الحجج التي نوردها ستكون مفهومة (وبالتالي قابلة للدحض) من قبل المسلمين وغيرهم. ومن هنا فإن هذا التناول سيربط النقاش الدائر حول الإسلام والسياسة بالنقاش المعاصر حول الدولة الحديثة، حتى لا نقع في ورطة أولئك الذين يناقشون الفكر السياسي الإسلامي كما لو كانوا في الكوفة في القرن الرابع الهجري.
ونقطة المنطلق لهذا التناول هي ما أطلقت عليه (المعضلة الخلدونية) نسبة إلى المفكر الشهير ابن خلدون الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي وسعى لتناول قضية التمايز بين الواقع والمثال في الحياة السياسية الإسلامية واقترح حلا لها متبنيا النظرة الواقعية التي أصبحت السمة المميزة للعقل الحديث في الغرب. وقد تمثل الحل الخلدوني في إخضاع المثال للواقع والحق للقوة، وذلك حين أعلن أن نموذج الخلافة الراشدة نموذج وقتي لا يصلح لعالمنا الذي يحكمه النقص والفساد. ويرى ابن خلدون أن النموذج الذي نستلهمه يجب ألا يكون نموذج الرسول (ص) وغيره من أفذاذ الخلق، وإنما ينبغي أن ندرك الحدود التي تفرضها علينا القوانين الاجتماعية الصارمة التي لا ينفذ من رقبتها حتى الأنبياء. ومن هنا فإن علم التاريخ هو العلم الذي يعلمنا كيف نتصرف في شؤون السلطة لتحقيق ما يمكن تحقيقه من مطالب أخلاقية في حدود ما يسمح به منطق السلطة نفسها. فالسلطة المطلقة (الملك) عند ابن خلدون ترتيب حتمي تفرضه طبيعة التركيبة الاجتماعية للعمران البشري.
ينطلق ابن خلدون في تحليله من أن عصبية النسب هي أساس التركيبة الاجتماعية، وأن هذه اللحمة تتجه بالضرورة نحو تحقيق السلطة المطلقة (الملك) في الإقليم والاستيلاء على الدولة. ذلك أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك، وأن من طبيعة الملك الانفراد بالمجد، وهذه الطبيعة ليست مما يقع فيه الاختيار، وإنما هي ضرورة وجود، ولا ينفك عن هذه الضرورة حتى الدعوات الدينية، بما فيها دعوة الإسلام، التي قامت على عصبية العرب عامة وقريش ومضر خاصة. ولهذا كانت فترة الخلافة التي تغلب فيها الوازع الديني وحده على العصبية (دون أن يلغيها) قصيرة ما لبثت أن تركت الأمور تجري إلى نهايتها المنطقية في الملك القائم على القهر والسيف ومنعة العصبية. وهذا واقع يجب التسليم به ولا تجدي مغالبته. أما تلك المحاولات الواهمة التي يقوم بها بعض أهل الغفلة ممن يعتقدون بإمكانية بعث حركة دينية أو أخلاقية جديدة على غير أساس من عصبية قائمة فما هي إلا جنون يجب علاجه أو سفه يجب ردعه باستخدام القوة.
هذه النظرة «الواقعية» لا تختلف كثيرا عن اطروحات «ماكيافلي» و«هوبز» التي مثلت أساس ولب الفكر السياسي الحديث، وهي في الوقت نفسه نقيض النظرة الإسلامية الحقة التي تسعى إلى إخضاع الوعي للمثال، وليس العكس. وسنحاول في هذه المناقشة أن نتبع تطور هذه الفكرة وننقذها بتقديم النظرة الإسلامية البديلة - وهذا يعني أن هذه الدراسة تقدم الفكر السياسي الإسلامي التقليدي من منظور نقدي، كما تتناول النقاش الدائر اليوم حول الإسلام والدولة والمنظور الإسلامي للعلاقات الدولية.
لقد ظل الجدل حول كيفية حكم المسلمين لأنفسهم يدور لأربعة عشر قرنا، بينما نجد أن عمر التناول الغربي الحديث لأمور الدولة يرجع إلى حوالي خمسة قرون، فيما قضى المسلمون أكثر من قرن وهم يسعون جاهدين للتوفيق بين الإسلام والنظام الدولي الحديث، ولا جدال في ان محاولة إيفاء هذه الحقول الثلاثة حقها من العرض في عجالة كهذه هي مشروع طموح لما يقرب من حد الاستحالة، وخصوصا إذا كان المرء يريد أن يتعدى مجرد العرض إلى النقد وإضافة مساهمة شخصية إلى النقاش. وإذا لم يوف هذا العمل المتواضع الساحة حقها، فإن الأمل (والعذر) هو أنه سيدفع بالآخرين إلى نقده، وربما دحض حججه أو الإضافة إليها، بما ينفع كل أهل الفكر من المسلمين، وبالتالي البشرية كلها.
والكاتب واعٍ تماما أن هذه الصفحات لم تكتب لفائدة المسلمين وحدهم. فقد آن الأوان لكي يدرك المسلمون أننا نعيش ضمن منظومة عالمية مترابطة، وأن أفكارنا وأعمالنا تتعرض للتفحص والنقد من قبل جيراننا في هذه القرية الكونية. وحينما نكتب أو نفكر أو نتحدث، يجب أن نضع في اعتبارنا أولـئك الذين يسكنون معنا في هذا الكوكب المزدحم بأهله. وهذا يتطلب أن نستخلص، دون المساس بهويتنا وخصوصيتنا، القواسم المشتركة للثقافة العالمية المهيمنة، وهو أمر نضطلع به من منظور معارض، ولكن الانهيار الشيوعي، الذي كان السبب المباشر له، مرض النفاق الذي نخر عود الأنظمة الشيوعية، يتضمن درسا مهمّا لنا. فمع انهيار الشيوعية وغياب الدكتاتوريات الماركسية، أصبحت المجتمعات المسلمة تحتل ذيل القائمة وتقع في القاع في ترتيب الدول فيما يتعلق بالحريات الديمقراطية واحترام كرامة الإنسان
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/117818.html