العدد: 30 | السبت 05 أكتوبر 2002م الموافق 28 رجب 1423هـ
طالبوا بهيئة للتعليم العالي وقانون منظّم للجامعات
هل تتحوّل البحرين إلى مركز لاستقطاب التعليم العالي؟
ألا تفي الجامعات والمعاهد الموجودة بالحاجة إلى التعليم العالي والتدريب؟
إذا كان الجواب: لا، ألا يخلق الترخيص لتسع مؤسسات للتعليم العالي مشكلة على صعيد الحاجة الفعلية إلى مثل هذا العدد؟ ألن ندخل في إغراق للسوق؟ لماذا «إما كله وإما خله»؟ أين التقنين والضوابط؟ هل السبب عائد إلى غياب قانون للتعليم العالي؟ أم الموضوع أعمق ويرتبط بالتخطيط التنموي للمملكة، وبآلية اتخاذ القرار؟
وعلى صعيد الجامعات نفسها، هل تستطيع المؤسسات الوليدة تسيير شئونها وتأمين موازناتها؟ وما الدور المطلوب منها للمساهمة في التنمية، وحل مشكلة البطالة؟ أم أنها غير معنية بذلك وهدفها الربح أولا وأخيرا؟ هل ستعتمد الجامعات على كوادر بحرينية؟ وهل الكوادر البحرينية متوافرة أصلا؟ وإذا لم يكن كذلك، هل هنالك خطة لسد هذا النقص؟ ما المعايير التي يفترض توافرها لضمان مخرجات تعليمية جيدة؟ ما الهوية الثقافية التي تسعى الجامعات الخاصة لتثبيتها؟ ما هي العلاقة بين هذه الجامعات؟ وما العلاقة بين هذه الجامعات ووزارة التربية والتعليم؟
رئيس أكاديمية الخليج تقي الزيرة يحاول قراءة الإشكالية ضمن سياق التحولات التي تشهدها البحرين فيقول: «الدعوة إلى إنشاء جامعات خاصة كانت تصطدم بعراقيل كثيرة، لكن المشروع الإصلاحي فتح الباب لهذا النوع من المشاركة والاستثمار منذ بدايات بزوغه، إلى جانب إشاعته الحريات العامة، ودعوته إلى المنافسة والإبداع». ويعتقد الزيرة أن ذلك ينسجم مع المنطق الإسلامي، «فديننا يرفض الاحتكار، سواء احتكار الدولة، أو غيرها. فإذا كان الهدف من احتكار الدولة الحفاظ على مصلحة المستهلك، فيمكن تحقيق ذلك عن طريق وضع ضوابط معينة. ولكن أن يتم احتكار قطاع معين تحت عنوان أن ذلك من اختصاص الدولة فقط، فهذه مسألة خاطئة».
الأسباب التقنية
ويعدد مدير مشروع الجامعة الأهلية عبدالله الحواج، الأسباب التقنية لحاجة البلاد إلى الجامعات بقوله: «أولا، وضعية جامعة البحرين، إذ المفروض أن تضم الجامعة بين سبعة إلى ثمانية آلاف طالب حتى تستطيع أن تقوم بمهمتها على الوجه الأكمل، لكن ما يحدث الآن أستطيع أن أسميه كارثة، فالجامعة تضم 22 ألف طالب تقريبا. وكانت الفكرة أنه إذا أردنا أن يكون عدد الطلاب في الجامعة أكثر من ذلك فينبغي أن نفتح أنماطا أخرى من التعليم. لأن وضع كل البيض في سلة واحدة شيء غير مناسب».
أما الضرر الذي يجلبه العدد الكبير من الطلاب فيفصّله مدير مشروع الجامعة الأهلية بقوله: «إن الغرض من التعليم العالي ليس منح الشهادات، ولكن أن تكون هناك حياة جامعية حقيقية، وتبادل للمعرفة. في الجامعات التي تتقيد بالأعراف الجامعية، الأستاذ الجامعي لا يدرِّس فقط، ولكن يبحث ويخدم المجتمع أيضا. أما الأستاذ في جامعة البحرين، وبسبب العدد الهائل من الطلاب، فإن الأستاذ الجامعي يضطر إلى تدريس من ستة إلى ثمانية مقررات، وقد تصل إلى عشرة، بأجر إضافي، بدل أن يكتفي بثلاثة مقررات فقط. وهذا يؤثر على العملية التربوية، ويضر بالأساس الذي تنشأ من أجله الجامعات».
أعداد الطلاب
أما الأمر الثاني الذي يراه الحواج سببا يدعو إلى الحاجة إلى إنشاء جامعات خاصة، فيتعلق بعدد الطلاب. يقول الحواج: «حاليا يبلغ عدد خريجي الثانوية العامة سبعة آلاف طالب وطالبة تقريبا، سيصلون إلى حوالي تسعة آلاف بعد ثلاث سنوات. وسيبلغون حوالي 12000 طالب بعد خمس سنوات. ولا يتجاوز من تستقبلهم الجامعات والمعاهد المحلية خمسة آلاف طالب. يضاف إلى ذلك العدد الكبير من أبناء الدول المجاورة الذين لا يجدون مقاعد للدراسة الجامعية لهم هناك، فيمكن لنا استقبالهم في البحرين».
الريادة
ويضيف الحواج سببا ثالثا للحاجة إلى مؤسسات تعليمية خاصة، يتمثل في «كون البحرين مركزا للعلم، فيجب أن نخطط للحفاظ على السبق في مجال التعليم الجامعي وغيره. فالأردن ـ مثلا ـ تنقصه مقومات كثيرة، لكنه استطاع أن يجعل من عمّان عاصمة للثقافة العربية وعاصمة لتلقي العلاج، أو ما يسمى بالعلاج السياحي».
ويعطي الحواج ما حدث في إمارة الشارقة مثلا على أهمية التخطيط، إذ تحولت المدينة إلى منارة ثقافية مهمة. وتتأثر على ضياع الفرصة قال: «في الحقيقة نحن فكرنا في إنشاء جامعة خاصة في العام 1992، وتقدمنا بدراسة جدوى كاملة في مارس/ آذار 1994، وكنا نطالب بإنشاء الجامعة قبل أن تقوم الجامعات الخاصة في الإمارات، لكننا مع الأسف حصلنا على الترخيص بعد سبع سنوات وبالتحديد في مارس 2001 وكان يمكن أن نسبق الجميع، فنحن نمتلك الإمكانات والطاقات».
التحولات العالمية
رئيس قسم المناهج وطرق التدريس في جامعة البحرين، عبدعلي محمد حسن يضيف سببا آخر فيقول: «العالم يعيش تحديات هائلة في جميع مجالات الحياة. وأخطار الغزو الثقافي الوارد من القنوات الفضائية والإنترنت، تستدعي نوعا من التربية قادرا على الصمود أمام هذه التحديات. ولا يمكن الدولة لوحدها القيام بكل ما هو مطلوب، لذلك نحن بحاجة إلى تعليم يأخذ في الاعتبار التحولات الاقتصادية، والمنافسة العالمية، فصاحب رأس المال لا يسأل هذا بحريني أو غير بحريني، ولكنه يسأل عن الكفاءة والقدرة والانتاجية».
ويتابع رئيس قسم المناهج: «لذلك نحن بحاجة إلى إنشاء جامعات تركز على تخصصات معينة، لا أن تفتح أبوابها لكل التخصصات. وهناك ضرورة لتحسين المنتج ليس بمعايير الحكومة فقط، إذ للحكومة شركاء محليون وخارجيون. فالمخرجات التي تنتجها الجامعات لن تتجه إلى العمل داخل البحرين فقط، ولكن أيضا تتجه إلى العمل في أي دولة، وبالتالي لابد من دراسة الاحتياجات في ظل التحولات العالمية».
تعليم أم تجارة؟
ينقلنا ما سبق إلى طرح سؤال جوهري: هل غاية الجامعات الربح، أم تأدية رسالة؟
يقول الزيرة: «هذه معضلة أساسية. فمن ناحية لابد من الربح، حتى يستمر المشروع. لكن الاعتبارات الكبرى والأهداف الاستراتيجية تنموية، فكيف يمكن ضمان ذلك؟».
الحواج يبدي وجهة نظر متحفظة بقوله: «أنا حذر جدا، وأتمنى ألا تتحول الجامعات الأهلية إلى تجارة، يجب أن تكون هناك مجموعة من أصحاب الشأن، المعروفين بمساهماتهم الوطنية، للمشاركة في إنشاء الجامعات (...) صحيح أن المستثمر حين يضخ أمواله يريد عائدا، لكن ليس على حساب المضمون».
ويضيف: «جامعة ديوك في الولايات المتحدة الأميركية، التي أنشأها الأخوان ديوك ببداية متواضعة، تعدّ الآن من أرقى الجامعات في الطب. وتملك آلاف الملايين من الدولارات. والإنسان يفخر لكونه مؤسسا لهذا النوع من المؤسسات. وحاليا يوجد في الجامعة المذكورة ضريح كبير للأخوين اللذين أنشآ الجامعة. فكم هي سمعة طيبة أن يقوم الإنسان بعمل تنموي، فالقضية ليست مسألة تجارية، ولو كانت كذلك، فإن هناك أبوابا أخرى أكثر ربحا».
محاولة والصعوبات
ويحاول الحواج أن يضع أسسا لحل مأزق الربحية والانتاجية من خلال تجربته في الجامعة الأهلية، فيقول: «نحاول فعل ذلك من خلال إيجاد شركة تملك هذه المؤسسة وتعمل بنظام ربحي معين، بينما يدير الجامعة مجلس أمناء بآلية أكاديمية بحتة. وعندما يربح المشروع، يتم تدوير هذه الأرباح في المؤسسة من خلال المنح والبعثات، والمشاركة في البحث العلمي».
الحواج متفائل بالمستقبل، ودليله التجربة الأردنية فيقول: «الجامعات الأهلية فيها بدأت برأسمال بسيط، لا يتعدى مليوني دينار أردني، وبعد ثلاث أو أربع سنوات، أصبحت تملك حوالي سبعة أو ثمانية ملايين من السيولة والإمكانات. فهذه الأرباح لم تدخل في جيوب المساهمين، وإنما في تطوير المؤسسة العلمية».
ولكن تفاؤله يتضاءل حيث يقول: «أتساءل دائما، كيف يمكن للقطاع الخاص أن يشارك في التنمية البشرية، لا أن يساعد فقط، فالمشاركة تعني المساهمة في كل النواحي: التخطيط، والتطبيق. فعندما أشارك برأس مال، لابد أن أشارك في اتخاذ القرار أيضا».
وعن سبب هذا الإرباك، يقول: «ربما يرجع إلى تعدد مصادر القرار، وعدم الالتزام بمبادئ واضحة، وعدم وجود قانون للتعليم العالي. كل ذلك لا يعني أن وجود مجموعة من الجامعات شيء خاطئ، ففي النهاية لن يصح إلا الصحيح، والجيد سيبقى، لكن الخوف من أن يتحول الموضوع إلى معارض وبوتيكات وفروع للجامعات الأجنبية، وهنا الخطورة».
ثلاثة قرارات
أما الزيرة، فيرجع ما يسميه «التخبط» إلى «وجود ثلاث جهات ترخص للمؤسسات التعليمية والتدريبية، وهي وزارة التجارة، ووزارة العمل، إضافة إلى وزارة التربية».
ويتابع «عندما تم رفع شعار البحرين مركزا إقليميا للتدريب، تهافت الكثير على القطاع التعليمي، ودخل فيه كل من هبّ ودب. وقد كانت ضوابط وزارة التربية والتعليم قوية ومتشددة وصحيحة. ثم جاءت وزارة العمل بضوابط جديدة. أما وزارة التجارة فأصبحت تنسق بين المستثمر وبين الوزارتين، فإذا كان المستثمر يريد أن ينشئ مؤسسة تدريبية، تحول الطلب إلى وزارة العمل. وإذا كان الطلب متعلقا بطلب ترخيص إنشاء مؤسسة تعليمية فترجعه إلى وزارة التربية».
ويحاول الزيرة ربط الموضوع بالعولمة والمشروع الإصلاحي اللذين «أديا إلى انفتاح البلد وإلغاء القيود، مما أدى إلى إغراق حقيقي في السوق وزيادة الإرباك». ويستدرك: «نحن نؤمن بفرضية المنافسة، لكن لا بد من الضوابط».
ويطالب الزيرة بإنشاء سلطة عليا للتعليم العالي، قد تكون وزارة أو هيئة أو جهة مشتركة يمثل فيها القطاعان الخاص والعام. ويناط بها تنظيم العملية «لأن ترك المسألة كيفما اتفق أسلوب غير صحيح». لكن الحواج يقول: «نحن لا نحتاج إلى جهاز تخطيط صوري، وإنما جهاز مكون من الكفاءات، من دون أن يحتكر القطاع الحكومي أو القطاع الخاص القرار، فنحن في سفينة واحدة».
أنظمة العمل والهجرة
رئيس أكاديمية الخليج يضيف سببا غير مباشر يؤثر سلبا على عمل الجامعات، ويتعلق بالأنظمة الرسمية في المؤسسات المساندة للعملية التعليمية، إذ يعتقد الزيرة أن «أنظمة العمل، وقوانين الهجرة، تعوق استضافة الخبراء والكوادر، وتؤخر دخول الطلاب (...) يجب أن تتطور هذه القوانين لا أن نعطي استثناءات لقطاعات معينة فقط، كما هو حاصل مع بنوك الأوفشور، فهذه الاستثناءات تعني أن القوانين الحالية غير متطورة، وبالتالي تجب إعادة النظر فيها».
رأي وزارة التربية
مدير الشئون الثقافية والبعثات في وزارة التربية والتعليم عبدالله المطوع، مكلف بمتابعة ملف الطلبات المتعلقة بالتعليم العالي، يجيب عن بعض الأسئلة المطروحة بقوله: «تلقينا عشرة طلبات لفتح كليات، وطلبين لفتح جامعات، وآخر لإنشاء جامعة مفتوحة، وأربعة طلبات لفتح فروع لجامعات أجنبية، فضلا عن طلبات لم تستكمل أوراقها، وبالتالي لم تدخل ضمن الطلبات المقدمة. وقد تمّ الترخيص، من خلال مجلس الوزراء، لمعهدين، وثلاث كليات جامعية، وجامعتين، وفرعين لجامعتين أجنبيتين، وترخيص واحد لجامعة مفتوحة، ومازلنا ندرس الطلبات الأخرى».
ولا يرى المطوع أي ضرر من فتح هذا العدد من المؤسسات، «فكما أن الحاجة إلى المدارس الخاصة متنامية، فإن الحاجة إلى الجامعات هي أيضا في تزايد». ويضيف: «البحرين تعيش مرحلة انفتاح، ولا يمكن لنا غلق الأبواب أمام الراغبين في الاستثمار في قطاع التنمية البشرية، على رغم تشابه التخصصات المقدمة في الطلبات والتراخيص، فالتنافس والجودة هما الضمان لاستمرار المؤسسة، والفاصل في رفض الطلبات أو قبولها هو مدى مراعاتها للمعايير المطلوبة».
وأبرز هذه المعايير التي تتطلبها وزارة التربية والتعليم تتمثل في «وضوح الأهداف، الجدوى الاقتصادية أو حاجة السوق، الاعتمادية، التوأمة أو الارتباط الأكاديمي (أي تقديم برامج جامعات أجنبية في المؤسسة المحلية)، الموازنة والضمان البنكي، إضافة إلى أن يكون المبنى الأكاديمي ملكا وليس مستأجرا (يمكن استثناء المؤسسات التعليمية لسنوات محددة من التأسيس من شرط ملكية المبنى)، ومراعاة مساحات غرف الدراسة والخدمات الأخرى، وتوافر الملاعب، والمساحات الخضراء، فضلا عن اسم الجامعة، وأقسامها، وبرامجها الأكاديمية» هكذا قال المطوع.
ويعتقد المطوع أنه في ظل غياب قانون التعليم العالي، المنظم لعمل المؤسسات المعنية بالتعليم العالي، فإن وزارة التربية تقوم بواجباتها «لكن الوضع مستقبلا يحتاج إلى كوادر متخصصة، تراقب وتتابع وتقيّم الوضع، من خلال التدقيق في الجودة، وتقيّم كذلك البرامج والمباني والمعلمين ووسائل التقييم ذاتها وغيرها مما له صلة بالعملية التعليمية».
ويقر بأن «هدف الجامعات الخاصة ربحي بنسبة معينة (فما صلى المصلي والا يريد الغفران)»، ويأمل «ألا يكون ذلك على حساب المواطن والجودة»
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/118763.html