العدد: 2161 | الثلثاء 05 أغسطس 2008م الموافق 02 شعبان 1429هـ

توجيهات «الخدمة المدنيَّة» بين انتهاك الدستور وضبابية «الخارجين على القانون»

أثارت «التوجيهات» التي أصدرها ديوان الخدمة المدنية مؤخرا بشأن الإجراءات التي سيتم اتخاذها ضد العاملين في الجهات الحكومية في حال قيامهم بأعمال من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار العديد من الردود والانتقادات، ففي حين رأى البعض أنها غير دستورية وتحد من الحريات الشخصية وتتنافى مع مبادئ كثيرة منها حرية التعبير التي كفلها الدستور وميثاق العمل الوطني، أشاد البعض الآخر بها وأكد أنها قانونية لأنها خصت الموظفين الذين يقومون بأعمال الشغب والمسيرات والاعتصامات غير المرخصة، وأنها لم تتعرض للموظفين الذين يعبِّرون عن أرائهم بالوسائل المشروعة.

في هذا المنتدى استضافت «الوسط» عضو مجلس الشورى صادق الشهابي، والنائب حسن الدوسري إلى جانب عضو الأمانة العامة للاتحاد العام لنقابات عمَّال البحرين رئيس نقابة العاملين في الهيئة العامة للكهرباء والماء السيد هاشم السيد سلمان وعضو اللجنة القانونية وعضو اللجنة المركزية لجمعية المنبر التقدمي الديمقراطي المحامي حميد الملا نستطلع آراء المؤيدين لهذه التوجيهات والمعترضين عليها. وفيما يأتي نص الندوة:

كيف تنظرون إلى إصدار هذا التعميم وخصوصا في هذا الوقت. هل ترون أنه يحد من الحريات الشخصية والسياسية لموظفي الحكومة؟

- صادق الشهابي: أولا ما أصدره ديوان الخدمة المدنية ليس تعميما وإنما هي توجيهات، وقد تكون بعض العبارات والكلمات التي تضمنتها هذه التوجيهات قاسية قليلا، ولكني اطلعت على العديد من قوانين الخدمة المدنية لعدد من دول العالم ووجدت أن أي أمر غير مشروع وغير مرخص هو محرَّم في جميع هذه القوانين وذلك لا يقتصر على قانون الخدمة المدنية لدينا فقط، إن التوجيهات تختلف عن التعاميم والأوامر، فليس من اختصاص ديوان الخدمة المدنية إصدار التعاميم والأوامر وإنما يمكنه إصدار التوجيهات للتقيُّد بالأنظمة والقوانين التي تحدد واجبات ومسئوليات الموظفين الحكوميين.

وكما قلت سابقا إن هذه التوجيهات قد صدرت بصورة قاسية قليلا إذ يمكن أن يشارك أحد موظفي الحكومة في مسيرة أو مظاهرة غير مرخصة وهو لا يعلم أنها كذلك وذلك ما أدى إلى وجود نوع من رد الفعل لدى البعض ممن انتقد صدور هذه التوجيهات.

إن هذه التوجيهات لا تحرِّم التعبير عن الرأي وإنما تنبِّه موظفي الحكومة إلى مخاطر الاشتراك في أعمال الشغب وما يمكن أن تؤدي إليه مثل هذه الأعمال من عقوبات قد تصل إلى الفصل من الخدمة، وأتمنى أن نصل إلى مفاهيم عامة من خلال هذا المنتدى لكي نوجِّه الناس الوجهة الصحيحة.

إن قانون العقوبات البحريني يجرِّم الخروج في المظاهرات والإعتصامات غير المرخصة ولذلك أتت هذه التوجيهات لتؤكد ذلك.

دور ديوان الخدمة المدنية

إن كان قانون العقوبات البحريني يجرِّم المشاركة في المسيرات غير المرخصة فما هو دور ديوان الخدمة المدنية، وهل يحق للديوان معاقبة موظفي الحكومة لما يقومون به من أنشطة سياسية؟

- حسن الدوسري: أود تأكيد ما تفضَّل به الأخ صادق الشهابي أن ما أصدره الديوان لا يعدو توجيها بناء على ما جاء في جلسة مجلس الوزراء وكذلك بناء على خطاب جلالة الملك الذي أشار فيه إلى تحريم كل ما يزعزع أمن الوطن. نحن الآن نتحدث عن مخالفة وأعتقد أن ديوان الخدمة المدنية يؤدي دوره في هذه العملية، ربما جاءت بعض العبارات بصورة قاسية وغريبة على المجتمع البحريني المترابط وكأنه أسرة واحدة، لذلك من الممكن أن تكون قد أثرت بصورة غير محببة. إن هذه التوجيهات لم تمنع أيا من موظفي الحكومة من إبداء رأيه بكل شفافية وبكل صراحة عبر الوسائل المتاحة حتى عبر المسيرات والتظاهرات والإعتصامات، ولكن هذه التوجيهات منعت كل ما يخالف القانون، وأعتقد بأننا جميعا لا نرضى بهذه الأمور التي تخالف القانون ويجب علينا ألا نشجِّع عليها سواء كأعضاء في السلطة التشريعية أو كأعضاء في النقابات أو كمثقفين أو محامين فهؤلاء يعتبرون القدوة في هذا المجتمع، لذلك يجب علينا الخروج برؤية توفق بين جميع الأطراف، وأعتقد أنه يجب ألا نخاف من هذا التوجيه لأنه يوجد في قانون الخدمة المدنية الكثير من المخالفات التي يمكن من خلالها فصل أي موظف وهي أبسط مما جاء في هذه التوجيهات.

بالنسبة إليكم في الاتحاد العام للنقابات لماذا التخوُّف من هذه التوجيهات، وخصوصا أن التوجيه يعاقب كل من ثبت عليه - قضائيا - الاشتراك في عمليات الشغب أو التخريب ولم يحد من أي نشاط سياسي قانوني؟

- سيد هاشم سيد سلمان: أولا فيما يخص تسمية ما صدر من ديوان الخدمة المدنية فليكن توجيهات أو تعميما أو قرارا فالتسمية لا تهمنا كثيرا. ما يهمنا هو مضمون ما جاء فيه. أعتقد أن ما أصدره الديوان هو ارتهان لموظفي الحكومة، كما أعتقد أن التوجيه جاء لتضييق هامش الحرية على موظفي الحكومة بعد سلسلة من التعاميم التي أصدرها الديوان سابقا، إذ تم إصدار تعميم في العام 2007 يتضمن لائحة المخالفات والجزاءات وهي لائحة شديدة تم أخذها من مجموعة من القوانين المتشددة كما كان هناك تعميم سابق صدر في العام 2003 خاص بإنشاء النقابات في القطاع الحكومي وهو يضيِّق على حرية الموظفين في تشكيل نقاباتهم الخاصة بهم.

ما يمكن قوله في التوجيهات الأخيرة لديوان الخدمة المدنية هو مخالفتها للدستور كما أنها مخالفة لجميع المعاهدات والمواثيق الدولية التي وقعت عليها مملكة البحرين، ويمكن أن نستدل على ذلك من خلال ديباجة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تتحدث عن الدول الأعضاء في هذا العهد والتي تنص على (وإذ تقر بأن هذه الحقوق تنبثق من كرامة الإنسان الأصيلة، وإذ تدرك بأن السبيل الوحيد لتحقيق المثل الأعلى المتمثل وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في أن يكونوا بشرا أحرارا متمتعين بالحرية المدنية والسياسية ومتحررين من الخوف والفاقة هو سبيل تهيئة الظروف لتمكين كل إنسان للتمتع بحقوقه المدنية والسياسية وكذلك حقوقه الاقتصادية والاجتماعية). أعتقد أن هذه التوجيهات جاءت لتصادر كرامة الموظف وحقه في أن يحاكم من خلال القضاء العادل لأنها عندما تتدخل في مسألة المسيرات والاعتصامات في خارج أوقات ونطاق العمل فإنها تجعل من الموظف مراقبا لمدة 24 ساعة حتى وإن سافر إلى خارج البحرين فإنه من الممكن أن يكون مراقبا من إدارته لأن التفسيرات لهذه التوجيهات في جدول الجزاءات والمخالفات قد أعطت الإدارة حقا في مراقبة الموظف داخل وخارج نطاق العمل وإذا رأت في مسلكه ما يسيء إلى مقتضيات وظيفته فإنه يمكن لها أن تتخذ ضده الإجراءات المنصوص عليها في جدول المخالفات والجزاءات.

أعتقد أن ديوان الخدمة المدنية بدلا من أن يسعى إلى تطوير الموظفين أخذ يضيِّق عليهم وينتهك حقوقهم، كما أن هذه التوجيهات كانت شديدة القسوة وتتعدى في قسوتها الأجهزة الأمنية، ولو قرأنا فقرات من هذه التوجيهات مثلا عندما يوجه إلى «تطبيق القانون بكل حزم ومن دون تردد واتخاذ الإجراءات القانونية الصارمة على موظفي الحكومة» هذه العبارات ليس من المفترض أن تصدر من ديوان من المفترض أن يسعى إلى توجيه الموظفين وتصحيح أخطاء الموظفين.

مراقبة الموظفين خارج أعمالهم

ولكن ذلك في حال قيام الموظفين بأعمال الشغب وتخريب ممتلكات الدولة؟

- سيد سلمان: ليس هناك أحد يرضى بأعمال الشغب أو التخريب والكل يرفض ذلك، وفي حال صدور أي قرار أو حكم قضائي ضد الموظف فإن أحدا لن يقف ضد ذلك وخصوصا إذا كان الموظف مذنبا بالفعل، ولكن عندما تتطرق التوجيهات إلى «المشاركة في التجمعات والاعتصامات غير المرخصة» فإن معنى ذلك أن يظل الموظف مراقبا. بعض الموظفين يمكن أن يكونوا أعضاء في جمعيات سياسية يمكن أن تكون لها مطالب أو أن تعبِّر عن رأيها ضمن مسيرات أو اعتصامات وعندما تكون غير مرخصة فمن الممكن أن يعاقب هذا الموظف بالفصل من العمل، على رغم أن هذه المسيرات يمكن أن تكون سلمية.

ثم إنه لا يوجد في القانون «مسيرات غير مرخصة» فالترخيص كلمة «أمنية» في القانون هناك إخطار الجهات الأمنية وليس الحصول على ترخيص. هنا يقوم ديوان الخدمة المدنية باستخدام الألفاظ الصادرة من الأجهزة الأمنية ويطبقها على الموظفين وهذه أولى المخالفات، المخالفة الثانية هي تدخله في شئون القضاء، إذ يجب على الديوان انتظار صدور أحكام قضائية تدين أو تبرئ المتهمين ومن ثم اتخاذ إجراءات ضدهم ولكن الديوان يستبق كل ذلك ويوجِّه إلى فصل الموظفين حتى قبل إدانتهم من قبل القضاء فالاعتصامات والمسيرات غير المرخصة لا يصدر فيها حكم قضائي إذ من الممكن أن ترصد آلات التصوير عددا من المشاركين في هذه المظاهرات ويتم التحقيق معهم من قبل الديوان ويفصلون من الخدمة بسبب مخالفتهم لتوجيهات الخدمة المدنية.

التوجيهات جاءت أيضا للتضييق على حرية العمل النقابي والعمالي.

البعض يرى أن هذه التعميمات غير دستورية ومخالفة للدستور فيما يرى البعض الآخر أنها قانونية ولا تحد من الحريات العامة والسياسية لموظفي الحكومة، كونك محاميا كيف تنظر إلى هذا الأمر؟

- حميد الملا: اختلف مع ما طرحه الإخوة فيما يخص رؤيتهم لموضوع توجيهات ديوان الخدمة المدنية ومدى دستوريتها، فمن ناحية قانونية بحتة، لو قرأنا العهد الدولي الخاص بالحريات المدنية والسياسية الذي وقعت عليه مملكة البحرين (المادة 21) من هذا العهد تورد (يكون الحق في التجمع السلمي معترفا به، ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقا للقانون وتشكل تدابير ضرورية للمجتمع الديمقراطي لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام وحماية الصحة) ومعنى ذلك أن العهد الدولي حدد الأمور التي يمكن أن يفرضها القانون للحد من التجمعات. إن توجيهات الخدمة المدنية تخالف أيضا نص (المادة 31) من دستور مملكة البحرين والتي تورد (لا يكون تنظيم الحقوق والحريات العامة المنصوص عليها في هذا الدستور أو تحديدها إلا بقانون أو بناء عليه ولا يجوز أن ينال التنظيم التحديد من جوهر الحق أو الحرية). في حين أن هذه التوجيهات وفي نهايتها تورد (لذا يرجى الإيعاز للمختصين لديكم على نحو صارم باتخاذ التدابير والإجراءات القانونية اللازمة في هذا الشأن والتي قد ترقى إلى فصل الموظفين المخالفين من الخدمة طبقا لقانون الخدمة المدنية رقم (35) لسنة 2006 واللائحة التنفيذية الصادرة بموجب القرار رقم (37) لسنة 2007). ولنرجع إلى قانون الخدمة المدنية والذي هو واضح في هذا المجال إذ تورد المادة (62) (كل موظف يحبس احتياطيا يعتبر موقوفا عن عمله مدة حبسه ويوقف صرف نصف راتبه، وبعد انتهاء الحبس يصرف له ما سبق إيقافه إذا حفظ التحقيق أو حكم ببراءته». والمادة (63) (كل موظف يحبس تنفيذا لحكم قضائي يعتبر موقوفا عن عمله ويحرم من راتبه ويجوز صرف راتبه لأسرته التي يعيلها إذا زادت فترة الحبس عن ثلاث أشهر على أن يقتطع من مستحقاته التقاعدية عند تقاعده. ويجوز إعادته إلى عمله بعد انقضاء المدة مع عدم الإخلال بالمسئولية التأديبية عند الاقتضاء). ومعنى ذلك أن القضاء هو المختص بإدانة المتهم في حين أن التوجيه يسلب القضاء مهمته ودوره، وبالتالي فإن هذا التوجيه مخالف للمعاهدات الدولية وللدستور وحتى لقانون الخدمة المدنية نفسه.

ولذلك فإنني أرى بأن هذه التوجيهات هي نوع من التراجع عما تحقق من خلال المشروع الإصلاحي لجلالة الملك ويجب الوقوف ضده بكل السبل.

تعديل لائحة الجزاءات

ما لفت نظري في هذا التوجيه هو ما جاء في نهايته «إن الديوان سيقوم بتعديل تعليمات الخدمة المدنية رقم (12) لسنة 2007 بشأن جدول المخالفات والجزاءات بحيث يتماشى مع ما ورد في هذه التوجيهات» ما يعني أن هذه التوجيهات لم تذكر سابقا سواء في قانون الخدمة المدنية أو جدول الجزاءات ولم يكن لها أصل؟

- الشهابي: أضيفت خمسة جزاءات أخرى بعد صدور التعليمات من مجلس الوزراء، إذ قامت الجهة القانونية بديوان الخدمة المدنية بقراءة ومراجعة التوجيه وإضافة جزاءات إضافية من 102 إلى 106 ليصبح مجموع الجزاءات 106 بدلا من 101 جزاء.

في الواقع أريد أن أرجع إلى موضوع صوغ التوجيهات، ولماذا نتهم الصيغة بأنها غير دستورية وغير قانونية ولماذا نضع العهود والاتفاقيات التي وقعت عليها البحرين ونطرحها هنا، الموظف في قانون الخدمة المدنية عندما يعاقب ضمن اللائحة الجزائية فإنه يتم تشكيل لجنة قانونية بمعرفة الموظف ويحق له أن يحضر معه محاميا خلال التحقيق ما يعني أن التحقيق ليس منفصلا عن القضايا العامة التي يقوم بها ديوان الخدمة المدنية. لا تستطيع أن تجرِّم موظفا من دون التحقيق معه ومن دون أن تطرح أمامه المخالفات التي ارتكبها ليرد عليها بدوره، لذلك فإن عدم دستورية وعدم قانونية هذا التوجيه مردود عليها، فالمواطنون والموظفون محفوظة كرامتهم من قبل الديوان، وحسب خبرتي وعملي في الحكومة لمدة 38 عاما أعرف أنه لا يستطيع أي موظف حكومي مهما كان مركزه أن يهين موظفا آخر أقل منه شأنا، وديوان الخدمة المدنية لا يأخذ فقط برأي الوزارة المعنية أو الإدارة المعنية التي أصدرت حكمها على الموظف، هناك إجراءات طويلة قد تستمر لعدة أشهر حتى يتم التأكد من مخالفة الموظف، كما أنه من حق الموظف اللجوء إلى القضاء في حال رأى أن هناك ظلما وقع عليه ليرد له القضاء حقه. ولكني أرجع إلى موضوع قسوة الصياغة والتي كان من الممكن أن تكون أخف من ذلك.

- الملا: هناك قسم للشئون القانونية بديوان الخدمة وليس مقبولا أن تخطئ في صوغ توجيهات بهذه الأهمية، إلى جانب ذلك ما هو الهدف من إصدار هذه التوجيهات إن كانت الجزاءات موجودة ضمن قانون الخدمة المدنية. إن مثل هذه التعاميم في تصوري أصدرتها السلطة التنفيذية من أجل تكميم الأفواه.

توجيهات قانونية

لماذا تم إصدار هذه التوجيهات وخصوصا في هذه الفترة. وإن كانت كما يقول المسئولون في الديوان إن كل ما جاء فيها موجودا في قانون الخدمة المدنية فلماذا تمت إضافة جزاءات أخرى خاصة بها ضمن لائحة الجزاءات؟

- الدوسري: مثلما ذكرنا في البداية، الأمر لا يتجاوز التوجيه ومن حق أي جهة حكومية أن توجه موظفيها فهي المسئولة عنهم، أما ما يطرحه الإخوة من أن هذه التوجيهات غير دستورية أنا أرى عكس ذلك فالمادة (28 - ب) الخاصة بالتجمُّعات العامة فالجهة الحكومية ترجع إلى نص قانوني، من ناحية أخرى دعونا نقرأ التوجيهات برويَّة ولا نحكم عليها بشكل سريع وغير متأن، فالتوجيهات تذكر أن اتخاذ الإجراءات يمكن أن يكون نتيجة صدور أحكام قضائية، وبذلك فإن التوجيهات لا تلغي دور الجهات القضائية في الدولة، ومن خلال اتصالاتي الشخصية بديوان الخدمة المدنية فإن المسئولين أكدوا أنهم لا يمكن أن يقوموا بمعاقبة أي موظف من دون أمر قضائي وخصوصا في مثل هذه الأمور، وأرى أن على ديوان الخدمة المدنية إيضاح ذلك للمواطنين لكي يفهم الرأي العام بأن من يحكم ويفصل في ذلك هو القضاء.

اتفق مع ما طرحه السيد هاشم من أن المسيرات والتظاهرات التي لا يتم خلالها القيام بأعمال تخريبية أو التي تكون للمطالبة ببعض المطالب وبشكل سلمي ليس من المفترض أن يتم محاسبة الموظف على الاشتراك فيها وإن كانت غير مرخصة، أما من يثبت عليه قيامه بعمليات الحرق والتخريب فلا أظن أن أحدا من الإخوة يرى عكس ما جاء في توجيهات الديوان.

إن ما سمعناه من الدول الأخرى فإن أفضل قانون للخدمة المدنية موجود في البحرين من حيث المرونة، ففي بعض قوانين الخدمة المدنية يفصل الموظف من عمله لمجرد مشاركته في أي عمل يمس أمن الدولة من دون حكم قضائي أو غيره حتى أن بعض القوانين تتيح فصل الموظف لمجرد مشاركته في المسيرات أو التظاهرات أو حتى الانتماء لحزب سياسي، نحن لا نؤيد ذلك ولكن نورد هذا الأمر للمقارنة بين قانون الخدمة المدنية في البحرين والدول الأخرى.

لقد عملت مسئولا في الحكومة لمدة تزيد على 29 عاما ولم يتم خلال هذه المدة فصل أي موظف حكومي بشكل غير قانوني ولكن عندما يثبت على أحد الموظفين أنه قام بحرق ممتلكات عامة فإن الثقة قد تفقد بين الموظف والمسئولين.

- الملا: وما هو دور القضاء هنا؟

- الدوسري: لقد أكد المسئولون في الديوان بأنهم لن يقوموا بفصل أي موظف من دون حكم قضائي، ولكن قانون الخدمة المدنية يتيح لهم ذلك، ودعني أورد هنا أحد الأمثلة فقد تم الاستغناء عن أحد الموظفين الحكوميين المتهمين بترويج وتهريب المخدرات على رغم أن القضاء قد برأه من هذه التهمة بسبب أن إجراءات النيابة العامة لم تكن صحيحة على رغم ثبوت التهمة عليه فهل يمكن أن يستمر مثل هذا الشخص في الخدمة وهل من الممكن أن تستمر الثقة فيه؟

لائحة الجزاءات

- سيد سلمان: فيما يتعلق بلائحة الجزاءات أرى أنها غير قانونية لأنها وضعت بشكل أحادي من قبل الديوان من دون الرجوع إلى إطراف الإنتاج الأخرى. إن هذه الجزاءات تقع على الموظف وهناك من يمثل هذا الموظف، وإذا كان الديوان لا يعترف بوجود النقابات في القطاع الحكومي فإنه يعترف بوجود كيان شرعي يمثل جميع العمال في المملكة وهو الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين، وبالتالي فإن أي شأن عمالي يجب أن يكون للاتحاد رأي فيه، كما يجب أن يكون للسلطة التشريعية رأي فيه إذ يجب ألا تتعارض مع الدستور. اللائحة وضعت أساسا من قبل ديوان الخدمة المدنية وبشكل منفرد لمعاقبة الموظفين.

لقد عارضنا اللائحة منذ صدورها لوجود عدد من الجزاءات والعقوبات غير القانونية مثلا المادة (22) من هذه اللائحة وهي (الارتباط بأي عمل يتعارض أو يتنافى مع العمل الحكومي) ما هو العمل الذي يتعارض مع العمل الحكومي؟ ليس مذكورا يمكن أن يكون الالتحاق بالنقابات يتعارض مع ذلك ويمكن أن تستخدم هذه المادة ضد كل من يلتحق بالنقابات أو حتى بأي جمعية سياسية.

- الملا: من الممكن أن تستغل هذه التوجيهات من قبل أي مسئول أو موظف لديه عداوة شخصية مع موظف آخر من خلال اتهامه بالاشتراك في مسيرة أو مظاهرة غير مرخصة وحتى وإن كانت هناك لجنة تحقق فهل من المعقول أن يتم التحقيق مع أي موظف لمجرد أنه شارك في مثل هذه المسيرات.

- سيد سلمان: إن اللائحة الجزائية تخوِّل الإدارة مراقبة الموظفين حتى خارج الدوام الرسمي إذ توجد مادة تورد أن للإدارة مطلق الصلاحيات في اتخاذ الإجراءات التأديبية ضد الموظف إن رأت في مسلكه في نطاق العمل وخارجه ما يسيء إلى مقتضيات العمل ذلك يعني أنه من الممكن أن تلتقط لي صورة خارج أوقات العمل الرسمي خلال اعتصام سلمي وبذلك يمكن صرفي من الخدمة.

- الدوسري: ذلك يعتمد على إن كانت المظاهرة مرخصة أم لا.

ولكن جميع النقابات الحكومية غير معترف بها ما يعني أن الاشتراك في أي فعالية أو نشاط للنقابة يمكن أن يعتبر غير مرخص وبالتالي صرف المشاركين فيها من الخدمة؟

- الدوسري: إن كانت النقابات غير معترف بها فإن ذلك يعني أنها غير قانونية أساسا.

- سيد سلمان: إن ديوان الخدمة المدنية يمكن أن يحاسبني على المشاركة في هذه الندوة انطلاقا من لائحة الجزاءات والمخالفات لأنني لم أحصل على ترخيص من قبل الوزارة للحديث في الندوة.

- الدوسري: ولكنك لم تتكلم بأمور تخص الوزارة.

- سيد سلمان: لماذا يحاسب الآن الأخ جمال عتيق ونجية عبدالغفار من نقابة البريد؟

القانون يؤكد أنه لا يمكن معاقبة الشخص على جريمة واحدة بعقابين فكيف يقوم ديوان الخدمة المدنية بذلك، ففي حين قد يحكم على المخالفين بالسجن لماذا يقوم الديوان بفصلهم من العمل؟

- الدوسري: ذلك ليس شرطا، ففي القانون لا يجب معاقبة الشخص مرتين ففي حال سجنه ينتهي الموضوع.

- الشهابي: ما ذكره سيد سلمان من أن لائحة الجزاءات قد وضعت بشكل أحادي من قبل ديوان الخدمة المدنية، ذلك غير صحيح تماما، إن من وضع اللائحة لجنة خاصة شكلت من قبل مستشارين وخبراء وقد شاركت لكوني مسئولا في وزارة العمل سابقا في وضع هذه اللائحة إذ تم العمل عليها لسنوات طويلة وقد تم الاطلاع على العديد من الأنظمة واللوائح المعمول بها في العديد من الدول، وقد تم التخفيف من الجزاءات بشكل كبير جدا. كما أن قانون الخدمة المدنية لم يصدر بالسرعة التي تقول بها وإنما قد تمت مناقشته وعدل لأكثر من مرة وتم تعديله بشكل يتماشى مع الوضع والعصر الإصلاحي لجلالة الملك.

وفيما يتعلق بموضوع النقابات العمالية في القطاع الحكومي، فإن القانون رقم (33) الصادر في العام 2002 وخصوصا في المادة العاشرة منه فإنه لا يزال هناك جدال ونقاش إذ إن القانون لم يحرِّم إشراك موظفي الدولة في النقابات وإنما تضمن «من حق موظفي الدولة أن يشاركوا في نقابات قائمة».

هناك خوف من صدور تعميمات أخرى تحد من حرية العاملين في القطاع الحكومي كحرمانهم من المشاركة في الجمعيات السياسية، فهل هذه المخاوف مبررة؟

- الدوسري: لا أعتقد أن هناك إمكانية لصدور توجيهات تحد من إشتراك موظفي الحكومة في الجمعيات السياسية إذ إننا الآن في دولة المؤسسات والقانون ولو حدث ذلك فإننا كسلطة تشريعية سنقف ضده ولن نوافق على ذلك لأنه من حق المواطن أن يعبر عن آرائه بالطرق الصحيحة والسلمية، نحن هنا نتحدث عن مخالفات ليست بسيطة وهي مخالفات خطيرة، من الممكن أن أتعاطف مع الموظفين الذين يخرجون في مسيرات سلمية غير مرخصة ولكن قضيا الحرق والتخريب لا أحد يوافق عليها بتاتا.

المواد الخاصة بالتحقيق والتأديب في قانون الخدمة المدنية

المادة (59)

كل موظف يخالف أحكام هذا القانون أو لائحته التنفيذية أو القرارات المنفذة له، أو يخرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته، أو يظهر بمظهر من شأنه الإخلال بكرامة الوظيفة، يجازى تأديبيا، وذلك مع عدم الإخلال بالمسئولية الجنائية أو المدنية عند الاقتضاء.

ويعفى الموظف من الجزاء التأديبي إذا أثبت أن ارتكابه المخالفة كان تنفيذا لأمر مكتوب صادر إليه من رئيسه بالرغم من تنبيهه كتابة إلى المخالفة، وفي هذه الحالة تكون المسئولية على مصدر الأمر.

المادة (60)

لا يجوز توقيع الجزاء على الموظف إلا بعد التحقيق معه كتابة وسماع أقواله وتحقيق دفاعه، ويجب أن يكون القرار الصادر بتوقيع الجزاء مسببا. وتتولى التحقيق مع الموظف لجنة تحقيق تشكلها السلطة المختصة، وتضع اللائحة التنفيذية آلية وضوابط تشكيل اللجان.

المادة (61)

يجوز وقف الموظف عن عمله إذا اقتضت مصلحة التحقيق معه ذلك لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، ويكون الوقف بقرار مسبب من مجلس الوزراء بالنسبة لشاغلي الوظائف العليا ومن في حكمهم ومن السلطة المختصة بالنسبة لباقي الموظفين.

المادة (62)

كل موظف يحبس احتياطيا يعتبر موقوفا عن عمله مدة حبسه ويوقف صرف نصف راتبه، وبعد انتهاء الحبس يصرف له ما سبق إيقافه إذا حفظ التحقيق أو حكم ببراءته.

المادة (63)

كل موظف يحبس تنفيذا لحكم قضائي يعتبر موقوفا عن عمله ويحرم من راتبه ويجوز صرف راتبه لأسرته التي يعولها إذا زادت فترة الحبس على ثلاثة أشهر على أن يقتطع من مستحقاته التقاعدية عند تقاعده. ويجوز إعادته إلى عمله بعد انقضاء المدة مع عدم الإخلال بالمسئولية التأديبية عند الاقتضاء.

المادة (64)

إذا وجهت للموظف تهمة جنائية فلا يجوز مساءلته تأديبيا فيما يتعلق بأي عنصر من عناصر التهمة الجنائية إلا بعد صدور أمر أو حكم فيها، ولا يمنع صدور أمر بحفظ التحقيق أو الحكم بالبراءة من المساءلة التأديبية إذا توافرت أسبابها.

المادة (65)

الجزاءات التأديبية التي يجوز توقيعها على الموظفين هي:

أ- التنبيه شفويا.

ب- الإنذار كتابيا.

ج- الحرمان من العلاوة الدورية لمدة لا تجاوز ثلاثة أشهر.

د- الوقف عن العمل مع خصم الراتب لمدة لا تجاوز شهرا خلال السنة ولا تزيد على عشرة أيام للمرة الواحدة.

هـ- الفصل من الخدمة.

أما بالنسبة للموظفين شاغلي الوظائف العليا ومن في حكمهم والوظائف الأخرى التي يصدر بتحديدها قرار من مجلس الوزراء فلا توقع عليهم إلا الجزاءات التالية:

أ- التنبيه شفويا.

ب- الإنذار كتابيا.

ج- الفصل من الخدمة.

المادة (66)

فيما عدا شاغلي الوظائف العليا ومن في حكمهم، يكون الاختصاص بإحالة الموظف إلى التحقيق وتوقيع الجزاءات التأديبية عليه للسلطة المختصة، و يجوز لها إسناد الاختصاص بمباشرة التحقيق الإداري إلى ديوان الخدمة المدنية.

وإذا جاءت توصية لجنة التحقيق المشكّلة بموجب المادة (60) أو المشكّلة في ديوان الخدمة المدنية بموجب هذه المادة بفرض عقوبة الفصل بحق الموظف فيجب إحالته من الجهة المختصة إلى مجلس تأديب يشكّل بقرار من رئيس ديوان الخدمة المدنية. وتبيّن اللائحة التنفيذية للقانون الإجراءات المتبعة من قبل مجلس التأديب في هذا الشأن.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/161383.html