العدد: 168 | الخميس 20 فبراير 2003م الموافق 18 ذي الحجة 1423هـ
القرية المزينة بالآيات القرآنية
في البلاد القديم... سواعد سمراء أنطقت الجدران!
عندما تدخل قرية البلاد القديم الكبيرة الممتدة بين عذاري والزنج، ستستقبلك عند مداخلها لوحات فنية بديعة، سهرت أنامل بعض شبابها على تزيين الجدران والمداخل بها... وإذا لم تكن ذاكرتك ضعيفة فلابد أن تتذكر أن هذه الجدران كانت قبل قليل منبرا للأصوات المخنوقة التي لم تجد غير الجدران مساحة للتعبير وإعلان الصوت الذي لم يكن يسمعه أحد.
حين تقترب أكثر، وتتغلغل في أعماق هذه القرية العريقة، تكتشف تجربة يكتب فصولها شباب في مقتبل العمر، أصغرهم يخطو نحو تجاوز سن المراهقة، وأكبرهم لم يتجاوز الثلاثين، جمعتهم فكرة عمل شيء جميل للمنطقة، وإعطاء صورة تنم عن الهوية الإسلامية لأهاليها.
«الوسط» جاست خلال الديار، وبين الفرحة والإنبهار كان هذا اللقاء مع قائد الفريق جلال السيد إبراهيم القمر.
كيف جاءت الفكرة؟
- كانت الفكرة موجودة منذ زمن بعيد، ولكن الذي أخر تطبيقها هو عدم وجود جهاز عرض (بروچكتر)، فلما تمكنا من شرائه شرعنا في التنفيذ.
* وكم كان سعره؟
- اشتريناه بعشرة دنانير.
*يعني لو لم تتوافر هذه الدنانير العشرة لما رأينا هذه اللوحات الجميلة؟
- لم يجب على السؤال، وإنما أخذ يتحدث عن «البروچكتر» فقال: «لأن البروجكتر يعرض اللوحة بشكل دقيق».
* وكم لوحة رسمتم ياجلال؟
- أجاب وهو يعد أماكنها ليتأكد من عددها: «حوالي 13 لوحة، كلها آيات قرآنية».
* ولماذا كلها آيات قرآنية؟
- لأنها محل اتفاق الجميع، ونحن لم نرد أن نطرح أمورا قد تسيء إلى بعض أفراد المجتمع أو تعتبر انتقادا جارحا أو نشر غسيل للأخطاء، أو يعتبره البعض توجيها مباشرا منا وكأننا أوصياء على الناس، لذلك كانت الفكرة محل ارتياح الجميع، إلى درجة أن بعض الأشخاص غير الملتزمين تفاعلوا مع الفكرة وأبدوا تشجيعهم لنا. البعض طرح الحاجة إلى كتابة أحاديث، وإذا طبقنا ذلك في المستقبل فسنراعي أن تكون عامّة ومحل اتفاق الجميع أيضا.
* لاحظت أن غالبية اللوحات بخط الثلث وقليل من النسخ، لماذا؟
- لأن الثلث مرن.
* لكنه أصعب الخطوط العربية...
فأجاب: لكنه يأخذ تشكيلات فنية رائعة.
* ولماذا لم تستخدموا الخط الفارسي؟
- لم نجد حائطا يستوعبه، ولكننا - بعد انقضاء محرم - سنحاول أن نغطي الخطوط الأخرى، ونعطيها مساحة أكبر في القرية.
أين الإبداع؟
* ولماذا كل اللوحات منسوخة من كراسات للخطاطين المشهورين؟
- لأنها تكون جاهزة، فالخط وعمل اللوحة يحتاج إلى وقت، واللوحة الجاهزة توفر علينا الوقت، وتجعل العمل أسرع.
* ألا يعني ذلك أن ليس لديكم إبداع، فلماذا لا تبدعون؟
- هذا العمل نفسه إبداع. ثم انك لا يمكن ان تحجز إبداعات الآخرين، فعملنا مكمل لعمل الخطاطين المحترفين.
* ماذا لو أعطاك احد خطاطي المنطقة لوحة، هل ستقوم بتنفيذها على الجدار؟
- يشرفنا ذلك، ونحن مستعدون للتعاون مع أي شخص في المنطقة.
التعاون مع المناطق الأخرى
* هل طرحت الفكرة في مناطق أخرى من المملكة؟
- هناك مناطق أخرى طلبت منا العمل لديها وتكرار التجربة فيها، ولكننا لم ننتهي من منطقتنا (البلاد القديم) فإذا اكتفينا حينئذٍ سنفكر في المناطق الأخرى.
* ومتى ستكتفون؟
- ضحك وقال:
لا أتصور أننا سننتهي، فكلما مشيت وشاهدت جدرانا بيضاء راودتني الرغبة في الكتابة عليها! ولكن بحسب تقديرنا ربما بعد سنة واحدة، فالبلاد القديم منطقة تمتد طوليا، بين الزنج وعذاري، وتحتاج إلى تغطية.
عمل بالمجان!
* وكم عدد الفريق الذي يعمل معك؟
- بين 10 و12 شخصا، أكبرهم 30 سنة وأصغرهم لا يتجاوز 18 سنة.
* وما هو مقابل أتعابكم؟
- طلبنا بعض المال، ولكنه مبلغ رمزي، في الأثناء قمنا بأعمال محدودة، فكتبنا سورة «الحمد» على منزل أحد المواطنين في منطقة جدعلي، وسورة «نون» على منزل آخر ببلاد القديم، وهناك طلبات أخرى من كرانة والنعيم والصالحية والمنامة.
* وماذا لو طلبوكم في البديع أو المحرق؟
- لا مانع إطلاقا، فالفكرة أساسا إسلامية، بعيدا عن الطائفية، ونحن نخاطب الجميع بلا استثناء.
مرحلة ما بعد الاستئذان!
* ألا تفكرون في تحويله إلى عمل تجاري؟
- نحن الآن في بدايات العمل، والمبالغ التي نطلبها لمجرد تغطية كلفة الأصباغ والمواد المستخدمة لا غير.
* أعود إلى مسألة مهمة: عندما تختارون جدارا للكتابة عليه، هل تستأذنون من صاحب المنزل؟
أجاب ضاحكا:
- أستأذناهم كلهم، فأول العمل هو الاستئذان من صاحب المنزل ونحدد معه الآية. وحاليا تجاوزنا مرحلة الاستئذان، لأنهم هم الذين يطلبوننا، ونحن عاجزون عن تلبية الطلبات».
لوحة ليلة رأس السنة
* وكم تستغرق اللوحة الواحدة؟
- يعتمد على حجمها وعدد كلماتها، فآية «ألا بذكر اللّه...» نفذناها ليلة رأس السنة، ابتداء من الساعة 10,30 مساء وانتهينا عند الساعة 1,30 فجرا، وعلى رغم أنها كانت كبيرة وكنت أتوقع أن تستغرق يومين إلا أنه بفضل من اللّه وهمة الشباب لم تأخذ غير 3 ساعات.
* وماذا عن المساجد؟ تستأذنون من؟
- نستأذن قيّم المسجد، طبعا المساجد لله وليست للأوقاف، ولو كتبنا شيئا يخالف أهداف المسجد لكان فيه إشكال، ولكن الكلمات المكتوبة هي من صلب أهداف المسجد وليست خارجة عن إطاره، ومع ذلك نقوم باستئذان القيمين قبل الشروع في تنفيذ أعمالنا وقد نفذت الأعمال في ثلاثة مساجد في القرية إلى الآن.
* ألم يكن هناك تنسيق مع أية مؤسسة اجتماعية أخرى؟
- رفضنا أن نتبع أية مؤسسة، لئلا نكتب تحت الآية أسماء معينة، فنحن نعمل اللوحة لكي تمثل المنطقة كلها وتكتسب بها الشهرة، ونبتعد بذلك عن المنافسات.
التشجيع من كل مكان
* وما هو موقف رجال الدين بالمنطقة؟
- تلقينا كل التشجيع منهم، على أساس أنها فكرة سليمة وأفضل من الكتابات والشعارات المنتشرة فوق الجدران وشكروا الشباب على ما يقومون به من جهود.
* هل أنت راضٍ عن مستوى اللوحات؟
- حاليا نقوم بعمل اللوحات المجردة كما ترون، وفي مرحلة لاحقة سنكتب عليها التواريخ ونضع لها إطارات زخرفية.
* وهل شاركت في المعارض الفنية؟
- لا... ولكني أدرس حاليا لكي أشارك في المعارض مستقبلا.
يعمل السيد جلال موظف أمن في شركة خاصة، وعندما سألته كيف تدرب على الخط قال: هو موهبة من الله، ولكني تدربت عليه في السجن، لأنني دخلته ثلاث مرات: 10 شهور، 10 أيام، 4 أيام وكان ذلك بتهمة الخط مع أني لم أكن أعرف أصوله، ولا أدري حتى الآن كيف اقتنع المحقق بأنني أعمل لوحات كبيرة بمفردي وها أنت ترى اللوحة الواحدة يعمل عليها عدة أشخاص! وبعد خروجي من السجن التحقت بدورة للخط العربي نظمتها وزارة التربية والتعليم وحاليا أنتظم في دورة خط لمدة شهر واحد
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/197288.html