العدد: 245 | الخميس 08 مايو 2003م الموافق 06 ربيع الاول 1424هـ

لا تناقض بين الإسلام وحقوق الإنسان

لتطوير وعي الانسان بحقوقه ومسئولياته وعلاقاته وأدواره، يطرح القرآن سؤالا من أكثر الاسئلة جوهرية بلاشك عن الانسان: من الإنسان؟ ولماذا يوجد الإنسان؟ وماذا سيحدث للإنسان بعد انتهاء حياته على الأرض؟ القرآن (وهذا ينطبق على الدين ككل) يعطي اجابات واضحة ومفهومة عن كل سؤال من هذه الاسئلة، فالانسان خليفة الله، وهو هنا على الأرض ليعبد الله وليطبق إرادة الله، وبعد هذه الحياة سيعود إلى الله ليحاسب على اعماله في الأرض.

حين يتم ادراك أن الانسان هو خليفة الله، يصبح لحقوقه ومسئولياته وعلاقاته وأدواره معنى آخر أكثر أهمية. حقوقه الأساسية، ابتداء من حق الحياة الى حرية التعبير التي وهبها له الله، مسئوليته النهائية التي تتجاوز جميع المسئوليات هي أمام الله، علاقته الاعلى التي تتفوق على جميع العلاقات هي مع الله، دوره الأهم والأكثر قدسية الذي يوضح طبيعة كل الأدوار وحدودها هو دوره كخليفة وكنائب لله على الأرض.

إن أهمية دور الانسان كخليفة لله هو أمر يجب ان تستوعبه البشرية بمعناه الكامل فهو يضع الانسان في أرفع منزلة، اعلى الى حدٍ ما من الملائكة كما يمنحه الحياة والعقل والابداع والحرية والقوة والحب والحنان والرحمة، ويجعله قناة للحقيقة ويحوله الى أداة لتحقيق العدالة.

في الواقع ومن خلال هذه العلاقة بين الانسان - خليفة الله، والله خالقه، نشأ الأساس لوجود البشر، أساس الحياة روحي، وهدف محاولات الانسان ومساعيه بالتحليل النهائي روحي. كما ان الانسان كخليفة لله يكافح ليحول الحياة والمجتمع الموجه بكل تلك القيم الروحية الحق والعدالة والرحمة التي أوحى بها الله الى البشر خلال العصور المختلفة، وهذا يعني من وجهة نظر القرآن أن قيم الله الروحية الخالدة تجد لنفسها تعبيرا في العالم المادي عن طريق خليفة الله.

من المهم ايضا معرفة ان وضع الانسان كخليفة لله، وان القيم الروحية التي يجب أن توجه حياته، والمعنى الروحي لحياته وهدف وجوده على الأرض، كل ذلك يعطي سببا لاقامة علاقات اخوة مع باقي البشر، وهذا وحده يشكل جوهر الوحدة في الاسلام وهي وحدة مؤسسة على الايمان الايمان بالله، الاله الواحد لجميع البشر وللكون كله.

إن التوحيد هو ما يشجع المسلمين على أن يكافحوا من أجل وحدة النوع البشري، ولا يمكن أن يكون هناك دافع أكبر من مكافحة جميع الحواجز التي تقسم البشر، وهذا هو سبب تذكير القرآن لنا بأننا كالفرد الواحد، كما انه يخبرنا بلغة صريحة بأن كل اختلافات اللون والمذهب والطبقة الاجتماعية والمجتمع هي امور ثانوية. الامر الأساسي هو السلوك المستقيم الموجه بالوعي بالله وهذا ما يجعل الرسالة القرآنية عامة وهو الدلالة النهائية على التوحيد كفكرة ونموذج للبشرية بأجمعها وهي تدخل القرن الواحد والعشرين.

مبادئ حقوق الإنسان الغربية

إذا قارننا النظرة القرآنية للانسان ووحدة البشرية مع النظرة الغربية السائدة عمن هو الانسان، وما المجتمع العالمي، فسنلاحظ كم هي (الفلسفات الغربية) تافهة ومثيرة للشفقة. كما اننا سنخرج بانطباع، اعتمادا على مواثيق ومعاهدات حقوق الانسان، بأن مبادئ حقوق الانسان الغربية المعاصرة لا تهتم بقضايا فلسفية مثل «من الانسان؟» و «لماذا وجد الانسان على الأرض؟»، كما ان بعض مفكري حقوق الانسان الغربيين يتفاخرون ويدعون بأن قوة وثائق حقوق الانسان المدنية المعاصرة هي تجنبها للمجادلات الفلسفية والروحية التي تدور حول هدف الانسان ومعنى الحياة.

واذا كان صحيحا بأن مبادئ حقوق الانسان المعاصرة لا تهتم بالاسئلة الفلسفية فإن هذا يؤكد افلاسها من النواحي العقلية والاخلاقية، إذ كيف نستطيع أن نتحدث عن حقوق الانسان من دون ان نتساءل عمن هو الانسان ومن يكون؟ وعن كيف نستطيع أن نروج لحقوق الانسان من دون فهم الانسان؟

ولكن حقيقة الامر هي ان مبادئ حقوق الانسان الغربية تجسد فكرة معينة عن الانسان حتى وان لم تكن واضحة. كما ان ما يؤسس الاعلان العالمي لحقوق الانسان والميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية والميثاق العالمي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هو مبدأ كون الانسان على انه الحامل الوحيد للحقوق. الحقوق هي نتيجة ان الفرد بالتحليل النهائي هو ميزان كل الأشياء، وان الحقوق يجب أن تخدم الفرد اذا كانت تحمل اي شرعية على الاطلاق.

هذا المبدأ الذي ينص على أن الفرد هو ميزان كل الأشياء به ضعف كبير، فاذا كان الانسان هو ميزان كل الاشياء فليس عليه أن يخضع لسلطة أعلى أو لقوة تتجاوز حدود ذاته فهو يقرر الصواب من الخطأ والخير من الشر. وهذا يؤدي الى تآكل القيم الروحية والاخلاقية المطلقة.

إن تآكل القيم الروحية والأخلاقية المطلقة الذي ينشأ من التحرير المضلل للانسان من سلطة روحية عليا، هو أحد الأسباب للفوضى السائدة والحيرة في الميدان الروحي في المجتمع الغربي المعاصر. كما ان الاهتمام الشخصي بالذات والمتعة الشخصية أصبحا المعيار الأساسي لتحديد المقاييس الأخلاقية.

بجعل الحقوق تخدم الفرد، وبوضع الفرد في المركز في الكون، عززت مبادئ حقوق الانسان الغربية الأنا لدى الانسان. وليس هناك شك في أن الانانية والجشع اللذين أصبحا سائدين في الكثير من المجتمعات الغربية وحتى غير الغربية متصلتين بطريقة غير مباشرة بتطوير هذا المبدأ الاناني لدى الفرد، كما انهما مسئولان الى حد ما عن انتشار الثقافة المادية الحسية التي ترى أن المتعة واللذة هما السعادة القصوى.

عندما تعطى الذات الانسانية حرية غير مقيدة، وعندما لا تخضع الذات الانسانية لسلطة أخلاقية عليا فإنها في بعض الاحيان تسعى إلى التعبير عن ذلك بصور مدمرة. القبيلة، المجتمع، الأمة، العرق، وحتى الدين يمكن أن يساء استعمالها جميعا عن طريق الذات، ما ينتج خصومات واحقادا تمزق العائلة الانسانية إربا، وهذا سبب آخر لضرورة عدم وضع الفرد في مركز الكون وعدم تعظيمه ليصبح ميزانا لكل الأشياء.

وهذا يفسر سبب عدم قدرة مبادئ حقوق الانسان الغربية المتركزة حول الفرد على ان تضع الاساس لوحدة البشرية فهي تدعم الذات ما يؤدي الى صراعات في داخل المجموعة الواحدة وفي داخل الطبقة وفي داخل الدولة وفي داخل الدين. طبعا لا يرى أحد أن الذات الانسانية غير المقيدة هي المسبب الوحيد أو حتى الرئيسي للصراعات الاجتماعية ولكن ترويض الذات من خلال الاستسلام الكامل للحقيقة المطلقة، لله، سيخلق على الأقل حالا نفسية تؤدي الى التناغم والوحدة في العائلة البشرية.

الكرامة الإنسانية

إن عدم كفاية مبادئ حقوق الانسان الغربية في مقابل النظرة القرآنية الأكثر شمولية للانسان يشكل تحديا أساسيا للفلاسفة والعلماء المسلمين. هل من الممكن من خلال التفكر في القرآن والسنة أن نطور مبدأ عالميا يصدق للكرامة الانسانية التي يمكن لجميع البشر في كل مكان أن ينتموا اليها اذ ان القرآن نفسه يضع أهمية كبرى للكرامة الانسانية؟. كما يصرح القرآن بأن الكرامة، باوسع لغة ممكنة هي الحق الطبيعي لكل انسان، والآية القرآنية «ولقد كرمنا بني آدم» (الأسراء: 70) تتجاوز بوضوح كل الحواجز العنصرية أو الاجتماعية أو الدينية التي تفصل البشر عن بعضهم.

ما يجب على العلماء والفلاسفة المسلمين المعاصرين فعله هو اكتشاف هذه الفكرة العالمية المتعلقة بالكرامة الانسانية في القرآن ضمن النظرة القرآنية، وبتحديد اكثر من خلال القيم العالمية والروحية والأخلاقية ومن خلال مبادئ القرآن. إذا كانت الحقوق والمسئوليات والعلاقات والأدوار مصحوبة بمبدأ الكرامة الانسانية ذي الأساس الروحي والأخلاقي، فإن ذلك سيكون له بلاشك معنى أكبر، وعلى علاقة أكبر بالنسبة إلى البشرية في القرن الواحد والعشرين من معنى حقوق الانسان كما يتم ادراكها وتطبيقها حاليا.

ولكن لتطوير مثل هذا المبدأ العالمي للكرامة الانسانية، المتجذر في العلماء والفلاسفة الروحيين والاخلاقيين في جميع أنحاء العالم وعلى وجه التحديد اولئك الذين يحملون شهادات دينية تقليدية، يجب أن يبرز نوع من الشجاعة والابداع التي كان هناك فشل في اظهارها في القرون الحديثة


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/207003.html