العدد: 1691 | الإثنين 23 أبريل 2007م الموافق 05 ربيع الثاني 1428هـ
إيذاء النفس... مرض أم نمط سلوكي منحرف؟
فتـاة السّكيــن
«إن لكل مجتمع ميلا او اتجاها معينا أو اتجاها جمعيا يعبر عنه بواسطة سلوك معين. أي أنه كلما كان الفرد منسجما ومتكاملا مع الجماعات الاجتماعية كلما انخفضت نسبة محاولة التخلص من الحياة، لهذا نشاهد قلة هذه الحالات بين أعضاء الجماعات الدينية والسياسية المتماسكة».
عالم الاجتماع- دوركهايم
تقول، وفي نبرة صوتها تذبذب يظهر حالة من القلق «تحتاج إلى أن تجلس في غرفتك وحيدا، وأن لا تبكي، وأن تتناول أية آلة حادة لتجرح بها نفسك وحينها ستعرف بماذا أحس؟، بالنسبة إلي لا أعلم...». تجيب بهذه العبارات المقتضبة على سؤالي - السخيف - بماذا تحسين حين تفعلين ذلك؟ انتهت فتاتنا ذات الأربع والعشرين ربيعا من عادتها القديمة. لكنها تتذكرها بقهقهة، تقول «لا أدري، لعلها حلة مراهقة/ جنون/ دلع». مازالت بعض أجزاء جسدها تحتوي ندوبا صغيرة تدل على عادتها القديمة حين تغضب. ببساطة فتاتنا لا تبكي أمام أحد. تذهب إلى غرفتها، تغلقها، وتمسك بأية أداة حادة (سكين/ موسى حلاقة سرقتها من والدها/ مقص أظافر) وتختار جزءا ما من جسدها لتغرس فيه الآلة. تقول «لا أدري، المهم أني أحس بارتياح شديد بعد ذلك، في بعض المرات أبكي لكنني في الغالب أتمالك نفسي. ولا تعتقد أني أخبر أحدا من أفراد عائلتي لأحصل على تعاطف أحد منهم، وحدها صديقتي من أخبرها بذلك لتبدأ في إلقاء محاضرة طويلة مازلت أتذكرها بالتفصيل الممل».
ليست مجنونة... وليست منحرفة
في التجريد العلمي، يصف الباحثون مثل هذا السلوك بأنه تعبير عن «نوع من الأنماط السلوكية»، ويدللون على ذلك بتوصيفها بالسلوكيات «المنحرفة». لكن فتاتنا ترفض بشدة هذا التوصيف. تقول «لا أدري ما معنى ما كنت أفعله. لكني لا أعتقد أني مريضة نفسيا، فلست الوحيدة ولن أكون الأخيرة».
يعتقد علماء النفس «أن الإنسان لا يمكنه جلب الأذى لنفسه، ولكنه دائما يرمي إلى جلب اللذة والسرور»، ولهذا أتى سلوك إيذاء النفس باعتباره عملية يهدف صاحبها إلى إحراز ما يسمى بـ»سرمدية الذات» والمقصود بها، هو «اعتقاد الشخص من خلال إيذاء نفسه أنه يستطيع أن يكسب عطف الآخرين وترتفع مكانته بينهم».
ما يظهر لي هو تأويل مختلف أو بالأحرى مضاد لذلك. لماذا، لا يكون هذا الشخص الذي يسعى لإيذاء نفسه، شخصا دنيويا جدا، محبا للحياة جدا، وحين لم يستطع الحصول على الحياة التي يرغب فيها ويتطلع إليها اتجه إلى إعلان رفضه للبقاء فيها؟ وأعتقد شخصيا أن الشخص الذي يتجه إلى الانتحار هو أقل حبا للحياة مما كانت تفعل فتاتنا فترة مراهقتها. ذلك أن احتمالية «الموت» فيما كانت تفعله فتاتنا، كانت منخفضة مقارنة بأن يرمي أحد ما نفسه من أعلى برج المؤيد مثلا! فتاتنا حين عرضت عليها هذا التحليل اعتبرت نفسها محبة للحياة، تقول «أنا لا أنكر أني أحب الحياة، لكنني لا أستطيع أن أتفق معك تماما».
يعتقد دوركهايم أن محاولة إيذاء النفس هي نتيجة حالة اللاتوافق المجتمعي، فحين لا تتلاءم البيئة الخارجية مع ما يؤمن به الإنسان وينتصر له، يلجأ إلى الخروج من هذه الدائرة الضيقة على رغم اتساعها، كونه المختلف الوحيد عن عالم متفق عليه! وعلى رغم أنه الوحيد الذي يمثل الحقيقة/ الصدق/ الاكتمال في مجتمع ناقص، فإنه لا يمتلك أدوات الانتصار. تقول فتاتنا إنها كانت تعمد إلى الشروع في إيذاء نفسها حين لا تكون الأمور في أسرتها على ما يرام. فوالدتها «عصبية المزاج، ولا تقبل النقاش» ووالدها «مشغول وسلبي»، تقول بنوع من السخرية «كان والدي - رحمه الله - خارج نطاق التغطية!».
الحالات الأخرى التي كانت تجبر فتاتنا على المضي قدما في خيار «الدم» و»الغرفة المحكمة الإغلاق» هو التنازع في فصول المدرسة. تقول «كنا مجموعة فتيات نشيطة، نتشاجر كل يوم ونختلف. وكانت الأوقات التي أحس فيها بالضعف في علاقاتي مع صديقاتي هي لحظات الذهاب إلى خيار السكين... لا أنكر أنني كنت أحفل بأسبوع كامل من القوة بعد أن يرين آثار الندبات في يدي ورجلي!».
ما بين السبب والغاية
ما بين سبب الإقدام على مثل هذه العادة - المنتشرة في مدارس الفتيات خصوصا - والغايات نقطة اتصال مركزية. أحدهما يكشف النقاب عن الآخر. يقول أحد الصحافيين التوانسة في مناقشته لهذه الظاهرة «ما أسباب هذا السلوك؟ إن الإنسان هو ابن البيئة التي ينتمي إليها ويتحدد السلوك على ضوء ما هو موجود في بيئته، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، إن متطلبات الحياة كثيرة ورغبة كل إنسان في تحقيقها. وهنا يبرز عامل الرغبة وعامل المنع ضد تحقيق هذه الرغبات. وعندما يكون الشخص في زاوية ولا يستطيع أن يحقق ما يصبو اليه فإنه يلجأ الى إيذاء نفسه، إما لمرض نفسي يعاني منه، أو لكسب ود الآخرين من أجل تحقيق ما يصبو إليه».
يبدو هذا التحليل متسقا نسبيا مع ما ذهب إليه «دوركهايم» في جزئية التأسيس للفعل. ويبقى فضاء الغاية مفتوحا للتأويل.
بحرينيا لم أجد ما يدل على تناول علمي لمثل هذه الظاهرة التي لا تقل انتشاريتها عن أية من الظواهر التي يهتم بها المجتمع البحريني. وحسبما ورد في أحد التقارير وجدت أن بعض الدراسات الاجتماعية النفسية اتجهت إلى بعض الإطلاقات العامة في تأويل الظاهرة بعد بحوث مسحية إمبريقية، منها:
- غالبية الذين يقدمون على إيذاء أنفسهم من الذين ارتكبوا جرائم «القتل»، وهذا يوضح مدى ارتباط العنف بعملية إيذاء النفس.
- غالبية الذين يؤذون أنفسهم ينحدرون من المدينة، ولا نجد هذا السلوك عند أهل الريف، ويتعلل هذا الموضوع بقوة العادات والتقاليد والضبط الاجتماعي عند أهل الريف وضعفها في المدينة، كذلك توسع الحياة المدنية على نقيض ذلك في الريف.
- تدني المستوى الثقافي والتعليمي لدى الأشخاص الذين يؤذون أنفسهم.
- غالبية الذين يؤذون أنفسهم هم من الذين يعانون من مشكلات أسرية وانقطاع الزيارات عنهم من قبل الأهل.
- غالبية الذين يؤذون أنفسهم يتناولون حبوبا مهدئة.
- تكثر هذه الحالات في فصل الصيف.
- اتضح من الدراسة أن الغاية وراء هذا السلوك هي للفخر والسمعة والحصول على طلب معين أو الهروب من عقوبة أو الانحراف الجنسي، والأسباب لهذا السلوك إما لانعدام الزيارات، أو الشعور بالذنب من فعله وعمله، أو الانعزال والوحدة، أو سوء تصرف بعض العاملين معه.
تعلق فتاتنا على هذه الدراسة بعد أن سردتها لها كاملة قائلة «أنتم أفضل من يعقد الأمور أكثر مما تحتمل أو تستحق. لماذا لا تسميها دلع بنات، ببساطة». بينما تسألني الزميلة منصورة عبدالأمير ما إذا كانت فتاتنا تقتل القطط. إحدى الزميلات تحيل مثل هذه التصرفات إلى فئة عبدة الشيطان. شخصيا تخوفت سؤال فتاتنا عن مثل هذا الرأي، على رغم وجاهته.
يبدو فضاء هذه الظاهرة مفتوحا فعلا. يقول زليورغ، «إن الوسيلة التي يختارها الشخص لمحاولة إيذاء نفسه أو التخلص منها يكون لها طابع شخصي ورمزي أيضا... لماذا يلقي شخص بنفسه من مكان عالٍ ولا يأخذ أقراصا من السموم القاتلة؟!، مثلا».
ليست شفرات الحلاقة/ زرق إبرة/ صدم الرأس بالجدار/ غرس سكين حادة... الوسائل الوحيدة، وليست اليدين المنطقة الوحيدة للانتقام إن صح التعبير. ويبدو أن اختيار مكان الإصابة ليس بريئا أيضا. يقول أحد المحللين «الإيذاء في الرأس تكون الغاية منه رعب المقابل أو الهروب من عقوبة... أما الإيذاء في منطقة الفخذ فتدل على قضايا جنسية».
مستويات الإيذاء... رقميا
المختص بالعلوم النفسية برهان الفتلي يقول «اعتمادا على إحصاءات شملت 16 بلدا أوروبيا خلال السنوات من 1989 إلى 1992 فقد بلغت نسبة حالات ايذاء النفس 3 في المئة لدى النساء و2 في المئة لدى الرجال من أولئك الأشخاص الذين عولجوا في المستشفيات والمؤسسات الصحية» وهو ما يؤكد أن الظاهرة لا تقتصر على المرضى النفسانيين بصفة مباشرة. وهذه نتيجة مهمة. ويضيف الفتلي «أظهرت دراستان أجريتا على مجموعتين من السكان في الولايات المتحدة أن 3 ـ 5 في المئة منهم قد مارس فعلا إيذاء نفسه في وقت ما».
ويضع الفتلي الفئات الاجتماعية الآتية في مقدمة الفئات التي تقدم على حالات إيذاء النفس: التوائم المتماثلة/ العدوانيون/ النساء/ صغار البالغين/ الذين يفضلون الوحدة والانعزال/ العاطلون عن العمل/ الذين يعانون من العوق والأمراض النفسية وخصوصا الكآبة والقلق والإدمان على الأدوية والمواد المخدرة/ أصحاب الشخصية الهامشية والانعزالية أو المصابون بأمراض جسمية مختلفة كالسرطان.
ويقول الاختصاصي النفسي ستيفين ايديلسون - مركز أبحاث التوحد بولاية سالم بأوريجون - «سلوك إيذاء النفس هو الذي يوصف بالسلوك المؤذي الذي ينتج عنه ضرر للأنسجة مثل الكدمات، والإحمرار للجسم من الضربات القوية، أو أن يزرق الجسم من الكدمة، وفتح الجروح، وأكثر نماذج هذه السلوكيات شيوعا هو قرع الرأس بقوة، وعض اليد، والخربشة والفرك المفرط».
ويورج ستيفن نظريتين تأويليتين للظاهرة. الأولى، فيسيولوجية عضوية ونظرية اجتماعية. والثانية، فسيولوجية عضوية:
- هذه السلوكيات تـطلق مادة بيتا ـ اندورفين في مخ الشخص، والتي في المقابل تزود الشخص بشيء من المتعة الداخلية. والبيتا ـ اندورفين مادة خطرة شبه مورفينية في المخ. أما العلاج لمثل هذه الحالات: إعطاء الشخص مادة نالتريكسون naltrexone إذ تكبح البيتا ـ إندروفين ويقل نشاط إيذاء النفس.
- السلسلة المفاجئة من عمليات إيذاء النفس ربما تكون نتيجة نوبات مرضية دون سريرية sub-clinical، هذه النوبات المرضية دون السريرية لا تصاحبها صفات نوبات المرض التقليدية، ولكن وصفت بنهج غير طبيعي في تخطيط المخ. وعلاجها: يجب على الشخص أن يتلقى تخطيط مخ مكثف eeg لتحديد ما إذا كان إيذاء النفس مصاحبا لنوبات مرضية دون سريرية.
- قرع الرأس بقوة أو ضرب الأذنين ربما يكون بسبب عدوى الأذن الوسطى. والعلاج، الشخص يجب أن يتلقى اختبار أذن مكثف.
أما فيما يتعلق بالنظريات الاجتماعية والعلاجات المقترحة. يورد ستيفن النقاط الآتية:
- بعض الأفراد ينشغلون في سلوكيات إيذاء النفس للحصول على لفت الانتباه من الأشخاص الآخرين. العلاج: يجب على الأشخاص الموجودين في بيئة الطفل أن يتجاهلوا الطفل أو الشخص عندما ينشغل في إيذاء الذات، إذ الطفل سيتعلم أن هذا السلوك لن ينتج عنه لفت الانتباه من الآخرين.
- بعض الأفراد يستعرضون سلوك إيذاء النفس للهرب أو تجنب عمل أو مهمة تعطى لهم. العلاج: يجب على الشخص أن يطلب منه إنهاء المهمة بدلا من الهروب من عملها. ولأني لم أبحث عن إنهاء حواري مع فتاتنا بأن أخبرها بأنها «مريضة». أردت ألا أتحدث إليها على اعتبار أنها تعاني مرضا نفسيا. وهو ما دعاني لشكرها، وإنهاء حوار فتاة السكين على خير.
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/228386.html