العدد: 1701 | الخميس 03 مايو 2007م الموافق 15 ربيع الثاني 1428هـ

هل الشيطان كما نتصوّره؟

ليس بالضرورة أن كل ما قيل عن الشيطان يتوافق مع الحال التي هو عليها، بل إن كثيرا مما صُور عنه لا يستند إلى دليل يتفق مع ما ندعيه عنه، فكوننا نجهل شيئا ما ونسد فراغ جهلنا بتصورات بعيدة عن حقيقة العلم به لا يزيد الأمور إلا تعقيدا، وبعدا عن التعامل بواقعية معه ويفتح الطريق لثغرات الضعف التي يمكن اختراقنا عبرها وإصابتنا، لأن الطاقة التحفيزية المطلوبة لصده صرفت لوجهة أخرى، ولعله عامل كبير خدم عدونا الشيطان وأهدافه حينما تصورنا أنه يأتي مصحوبا بهالة من الدخان وأنه يتجسد على أشكال كصور بعض الحيوانات المخيفة، وأن له أظافر وأنيابا وغيرها من الهالات والتصورات المغلوطة، واستنفرنا لذلك محفزاتنا في تلك الوجهة، الأمر الذي مكنه من هيمنته علينا، من خلال طرق ووسائل هو أقدر عليها من حيث لا نعتقد أو نتصور أنه سيأتينا منها.

وللعلم فإن الشيطان كان من الملائكة العابدين وقيل إنه قبل استكباره على أمر ربه «كان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سني الدنيا أم سني الآخرة»، لذلك فالباب الذي هو أقدر عليه لإغواء الناس والذي خرج منه هو دخوله عن طريق العلاقة الروحانية التي تضفي إلى حبائله ومكائده هالة من الصدقية والاحترام المضللة بخدعه التي يريد تمريرها على ضحاياه، وما يعزز توجه الشيطان لهذا المسلك مقولاته المعلنة التي تحدد رؤيته في إضلال الناس من خلال أهداف تبناها لخدمة مآربه التي تؤكد أنه يعمل وفق برنامج لا يمكن اختراقه أو التصدي له إلا بآخر يعجز الشيطان عن مجاراته، وهو ما اختصرته الآية الكريمة في قوله تعالى على لسان إبليس «إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» وعدا «الْمُخْلَصِينَ» (الحجر: 40) من العباد فلا أحد مستثنى من إغوائه «وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ»، أما الآليات أو الأهداف المعلنة والتي سيتبعها فهي، الكَيْدَ وتزيين الأعمال الغير صالحة ونزغه ( النَّزْغُ دُخولٌ في أمْرٍ لإفسادِهِ)، فإذا كان الشيطان كما يُتخيل أو صُور لشريحة كبيرة من الناس أنه يتمثل بتلك الهالات وأنه يأتي على صور مرعبة كالمسخ وغيرها من تلك الصور، فلماذا يحتاج الشيطان إلى المكيدة وتزيين الأعمال ونزوغه بين الأمور لإفسادها؟ فهل من الحكمة لمن يريد التصدي لمكائد الشيطان أن يقبل لنفسه هكذا منطق ويتناسى الرؤية الشيطانية في الإغواء الجمعي؟ ثم هل يعقل من له رؤية كبيرة كالتي وضعها الشيطان أن يكون برامجه هشة كتلك المتداولة عنه من تلك الصور التي لا علاقة لها أصلا بالأهداف الكبيرة التي تبناها؟

لاشك أن مقولة الشيطان السابقة في الإغواء الجمعي تتطلب برنامجا كبيرا وعملا جادا دؤوبا وأهدافا تتناسب مع حجم مقولته، لذلك فعملية اشراك أعوان وجنود معه لإنجاح مخططاته يتناسب مع أهدافه، وللعلم فإن أصحاب القرار المؤثر في المجتمع أضمن من يستطيعون تنفيذ تلك الأهداف الخطيرة.

فعالم الدين والحاكم ورئيس القبيلة والتاجر وكل صاحب نفوذ لهم القدرة على التأثير بحكم مواقعهم، ولكن فئة علماء الدين هم أفضل تلك الفئات بحكم أنهم يمثلون ويتكلمون باسم الدين، لذلك فهم موثقون الجانب لهذه الخاصية التي تميزهم عن غيرهم من الفئات الأخرى لاعتبارهم ومقامهم المقدس، فهم أضمن من يقومون بعملية التأثير الكبير وحصد النتائج الكبيرة سواء في الجوانب الإيجابية أم السلبية.

فمن هذا المنطلق لابد للشيطان أن يأتيهم في حالة من الروحانية والقدسية المضللة ليكيد لهم في ذلك الجانب الذي هو أعرف بمداخله ويجندهم لأغراضه من حيث لا يعون أنهم أصبحوا من حزبه وأعوانه وعلى شاكلته وأنهم يعكسون حال الصدقية التي دخل لهم بها. ولأن الشريحة الكبيرة من الناس تقدس أشخاصا من دون تمحيص، لذلك فإن تلك الفئة بالذات مستهدفة لأن لها عونا كبيرا على استدراج تلك الشرائح الكبيرة من الناس، ومن يريد أن يرى الشيطان في صورته المقدسة فلينظر إلى تلك النماذج التي استدرجها الشيطان من حيث ترى أن القدسية المظللة ما هي إلا أداة بيده استخدمت من قبل ضد هذه الفئة وهم يقومون بالدور نفسه المنوط بهم للكيد بمن يرى فيهم الصدقية والاحترام والهالة القدسية التي اصطنعوها لأنفسهم زورا وكذبا لينالوا ثقة الناس فيهم، كما نالها زعيمهم الشيطان من قبل.

إن خلاصة ما نرمي إليه هو دعوة الناس إلى أن يعرفوا قدرات الشيطان ومواضع القوة والضعف فيه، وأن الشيطان ينفث شروره لهم ويريد سوقهم إلى جهنم بتلك المكائد حسدا منه على ما آل إليه مصيره من معصيته لربه، لذلك فلابد من التعرف على موضع قوته وتسلطه التي تكمن فقط في وساوسه وتغييره للقناعات وحرفه للحقيقة بتزويره وقلب الحق باطلا، وكل ذلك عبر دخوله على نظام التفكير لدى الغافلين من الناس ممن لا يميزون الحق من الباطل. وعدا ذلك فلا سلطان له على مخلوق، لذلكيتسقط كل اعتبار لتلك الصور القبيحة التي يحرص على أن يظهر بها بحيث تبعث على الطمأنينة والوثوق به، وهو غاية ما يريده، بل هو مسعى كل من سلك مسلكه.

طاهر عبدالكريم


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/229958.html