العدد: 1785 | الخميس 26 يوليو 2007م الموافق 11 رجب 1428هـ

تكريم أربع فائزات بجائزة فيصل بن حمد للأم المثاليّة

بعد رحيل الزوج... أمّهات بحرينيات يروين حكايات الألم والصراع

كرّم وزير الديوان الملكي الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة بتاريخ 27 يونيو/ حزيران الماضي وبالنيابة عن جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة 4 أمهات لحصولهن على جائزة فيصل بن حمد للأم المثالية، التي تنظمها المؤسسة الخيرية الملكية سنويا بهدف إبراز إنجازات الأرامل المتميزات في مسيرة حياتهن الأسرية والاجتماعية حسب شروط ومعايير علمية محددة.

الأمهات الفائزات بهذه الجائزة كانت لكل منهن رواية مختلفة، هن نساءٌ مختلفات ولكن يجمعهن الهمّ، عرفن الوحدة منذ زمن بعيد، قبل أكثر من عشر سنوات فقدن الزوج، والأخ، والصديق... قبل أكثر من عشر سنوات كنّ وكانوا. قبل أكثر من عشر سنوات رحل الزوج/ الأب مخلّفا وراءه الدموع وبضعة أطفال، مخلّفا رواية. فلنفتح معا باب الحكاية ولنسمع الرواية منذ البداية...

أولى المتحدثات كانت مريم عبدالله محمد سعيد التي بدأت حكايتها بالقول: توفي زوجي منذ حوالي عشر سنوات متأثرا بمرض سرطان الدم، ولم أكن أعرف بهذا المرض مسبقا. في البدء تأثرت نفسيتي كثيرا للخبر ولكن هذا المرض كان كالتهيئة بالنسبة لي لتقبل قضاء الله وقدره، والتأقلم مع فكرة الرحيل الذي بدأ يسدل ظلاله علينا مع حلول نهاية العام، ولهذا لم يكن موت زوجي صدمة كبيرة لي، إذ أتاح لي مرضه أن أتقبل الواقع المرّ الذي لا مفرّ منه...

رحل زوجي في فترةٍ حرجة هي امتحانات الأطفال وكان أكبر أبنائي في الحادية عشرة وأصغرهم جنين في أحشائي لم ير النور بعد، وكأمٍ وحيدة لم تعرف طوال سنوات زواجها سوى أن تلقي بعبء الحياة وثقلها على هذا الزوج العطوف الراحم كان الموقف صعبا، وكنت بحاجة إلى العون والمساعدة، والحمد لله كان أهلي وأهل زوجي معي خطوة بخطوة، ولم يتخلّوا عني أبدا ماديا أو معنويا...

ومرّت الشهور وولدت ابنتي الصغرى وبدأت أفكر في الفلذات الصغيرات وكيف أعوضهم غياب الأب وألم الحرمان، وفعلا استنهضت نفسي من ألمي وحزني وبدأت أهيّئ نفسي للقيام بمهمات الأسرة وأمور أبنائي، وتعلمت السياقة حتى أستطيع أن أقلّ أبنائي بنفسي دون الحاجة للآخرين لحرجي الشديد ممن حولي. في البداية لم أوفق في تنظيم شئون منزلي الداخلية وقضاء المهمات الخارجية، ولكني كنت في سباق مع الزمن للقيام بجميع المهمات المفروضة. وبعد كل هذه السنوات أستطيع وبكل شجاعة أن أقول إنني راضية تمام الرضا عن وضعي الذي أعيش، وهذا ابتلاء من رب العالمين، واستناد لقول الرسول الكريم (ص) عن الساعي لخدمة الأيتام: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى.

وتضيف مريم: برغم كوني مسئولة عن أسرة ولكن هذا الشيء لم يمنعني من حضور الدورات التربوية والثقافية لأهميتها وكذلك حلقات المساجد والحرص على حضور دروس تحفيظ القرآن سواء كدارسة أو مدرسة، ولتنعكس هذه الأعمال على تربية أبنائي فقد كان الله أكبر معين لي في هذه الحياة، فهيّأ لي سبل التربية الصالحة لأبنائي الذين أعتبرهم هدفي الأول في الحياة وأكبر إنجاز حققته في حياتي، كما لا أنسى موقف جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة الذي كانت يده البيضاء ممدودة لكل الأيتام والأرامل في مملكة البحرين من خلال المؤسسة الخيرية الملكية وما تقدمه للأيتام والأرامل من دعم ومساندة في مختلف مناحي الحياة، فكانت خير عون للجميع لما تقدمه من خدمات متميزة أفادت الجميع فلجلالة الملك كل الشكر والعرفان، وأسأل الله العلي القدير أن يجزيه على ذلك خير الجزاء، وأن يجعل هذا العمل في ميزان حسناته يوم القيامة.

وعن شعورها لحظة معرفتها بخبر فوزها بالجائزة تقول مريم: فرحت كثيرا بهذا التكريم وكان خبرا سارا سواء بالنسبة لي أو للعائلة، وبدأت أتلقى التبريكات من الأهل والأصدقاء، كما حصلت على بعض الهدايا البسيطة من الجمعيات التي أتعاون معها في العمل التطوعي.

وفي الختام تتوجه مريم بحديثها لجميع الأمهات إذ تقول: أوجه نصيحة لكل أم مسلمة سواء أرملة أو انقطع عنها زوجها لفترة لمرض أو هجران بأن عليها التيقّن بأن الحياة لا تتوقف هناك، بل على العكس من ذلك، يجب عليها أن تواصل وألا يقف مشوارها وتربي أبناءها أحسن تربية فهي صانعة الأجيال والقادة، ويجب أن نترك الجانب السلبي وأن نأخذ الجانب الإيجابي، فالمرأة تستطيع أن تصنع ما يعجز عن صنعه الكثير من الرجال، كما أنصحهن أن يحسنن تربية أيتامهن ويتقين الله بهم، وأن يحتسبن الأجر في كل صغيرة وكبيرة يقمن بها سعيا لمصالحهم، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

توفي زوجي فبدأت من الصفر

معصومة محمد حسن تروي قصتها التي تكلّلت بالنجاح فتقول: تزوجت وأنا صغيرة وعشت مع زوجي سنتين فقط رزقت خلالهما بابنتيّ، ثم انتقل زوجي إلى رحمة الله وتركني أصارع الحياة في فترة كنت في أشد الحاجة إلى المعين والسند، مرت السنوات صعبة ثقيلة، وتعلمت فترة بسيطة حتى أتقنت القراءة والكتابة في محو الأمية وأصبحت لدي مهارة في المشغولات اليدوية لدراستي في مركز اجتماعي عن طريق وزارة التنمية الاجتماعية، وخرجت للعمل في مقصف مدرسة ابتدائية قريبة من منطقة سكني ثم كان علي الانتقال إلى منطقة بعيدة فكنت أعاني الأمرين للحفاظ على لقمة عيشي الزهيدة، ولكن عين الله الراحمة لم تغفل عني فجعل يدا بيضاء تمتد لي هي يد مدرسة بناتي، فقد كن من المتفوقات والمؤدبات وكانت تحبهن كثيرا فأوجدت لي عملا آخر براتب أفضل ومنطقة قريبة مني، ثم جاءت مكرمة كريمة من ملك كريم منح قلبه لشعبه وأعطاهم من حبه وخصص لكل أرملة ويتيم راتبا شهريا ليحقق لهم العيش الكريم ويغنيهم عن الحاجة ومذلة السؤال، فغدوت بهذا الراتب أربّي ابنتي اليتيمتين وأوفر حاجياتهما الأساسية... وكرّست حياتي لأجعل ابنتي جامعيتين، ولأحقق لهما ما لم أستطع تحقيقه لنفسي، وأنا فخورة ٌ بهما...

وتصف معصومة فرحتها بحصولها على الجائزة فتقول: هي فرحةٌ عظيمة لم أستطع عند تلقي الخبر سوى أن أخر خاشعة للرازق المنان، وأصلي ركعتي الشكر عرفانا لعطاياه.

رحل المحبّ فصرتُ لهما الأهل والعشيرة

نصرة حسن علي تحدثت والفرحة تغمرها برغم ما حفر الزمن في صوتها من حزن فتقول: غدوت أرملة منذ سبعة عشر عاما، حين بدأ الزمن يحيك لي خيوط حكايةٍ حزينة، صفحتها الأولى الفرح، وصفحتها الثانية الصدمة والألم لرحيل ذاك الزوج العطوف الذي شدّ في يومٍ من أيام الصيف الحارة رحاله حاجا إلى بيت الله الحرام، وودّعته بكل الحب والشوق على أمل اللقاء القريب، وقد مرّت الأيام سريعة وحجاج بيت الله يردّدون بلهفة لقاء الحبيب «لبيك اللهم لبيك»، ونحن مجتمعين نستمع إليهم بتمعن وننتظر اليوم الموعود حين يعود حبيبنا إلينا بعد لقائه بالحبيب، وجاء العيد ولم يجتمع شملنا بعد حتى جاءت اللحظة التي أسدل فيها الكون ظلماته علينا، وحلّ فيها سكون الصدمة الأولى حين علمنا أن مجموعة كبيرة من حجاج بيت الله الحرام قضوا نحبهم في النفق وهم يرمون الحجارة، وبدأت الأخبار تتضارب وتتوالى تارة مؤكدة وتارة نافية الخبر حتى مرّت ثلاثة أيام كنا بها نعيش على الأمل الذي يبقي بعض الروح في الرمق، ولكن الخبر كان مؤكدا والمصيبة عظيمة، والبعد هو ما كان يمزقنا، كلما تذكرت أنه قضى نحبه بعيدا عن الوطن أشعر أن سكينا تنسلّ لتطعنني طعنة نافذة، ولكنه القدر الذي لابدّ من تقبّله شئنا أم أبينا، وذهب أخ المرحوم للتأكد من الجثمان وتسلم كل حاجياته، لتبدأ عندها رحلة الألم والعذاب...

رحل زوجي في ريعان الشباب فلم يتجاوز عمره الأربعين عاما عند وفاته، وأحمد الله كثيرا أن قد اختاره شهيدا بين شهدائه الأبرار وأدعو الله العلي القدير أن يجمعني معه في جنان الله بإذن تعالى...

رحل الأب الحاني والزوج المحبّ

رحل تاركا لي فلذتين صغار، صُغراهما لم تتجاوز الخمس سنوات، وكُبراهما تخطو في ربيعها الخامس عشر، وكانت المهمة صعبة، كيف لا وهما تحتاجان إلى رعاية خاصة فقد ابتلاهما المولى عز وجل بفقد حاستي النطق والسمع، فكنت لهما الأب والأم، والسمع واللسان، وأنا الناصح والمرشد، أنا عز الأب، وعش الأم، أنا الأهل والعشيرة...

مضت الأيام سريعة وليس لنا في هذه الدنيا من سند ولا عضد، وبقينا نعتاش من المعاش التقاعدي للمرحوم ولم أجد طريقا إلا أن أواصل دراستي الابتدائية إضافة إلى دراسة تجويد القرآن.. وكرّست حياتي لابنتيّ وعملت على تربيتهما وتعليمهما حتى تخرجت الكبرى بتفوق وهي تعمل الآن بمركز شيخان للصم والبكم مديرة مساعدة تحمل لواء العلم وتنشر المعرفة، أما الصغرى فتخرجت من الثانوية بتفوق أيضا وكرّمت في حفل تكريم الطلبة المتفوقين من قبل جلالة الملك الذي له الفضل بعد المولى عز وجل في تحقيق هذا الحلم من خلال المؤسسة الخيرية الملكية التي أعانتنا كثيرا في تحمل ظروف الحياة، ووفرت لنا مصدر رزق دائم يغنينا عن الغير فله منا جزيل الشكر والعرفان.

وأضافت نصرة قائلة: عشية الحفلة تم إخباري أنني فزت وقمت بإخبار ابنتيّ بذلك الخبر الذي أسعدنا كثيرا وأثلج صدورنا، وقد كانت فرحتهما لا توصف حيث بدأتا تقبلاني وهما فرحتين مستبشرتين بما وفقنا الله إليه، ويكفيني أن أقول إن فرحتهما فرحتي.

وفي الختام أتمنى أن يوفق الله ابنتيّ وتتزوجان وأرى أبنائهما وأفرح بهما وتكونا امتدادا للمرحوم وأن لا تحتاجا لأحد أبدا، وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يكون راضيا عني لتربيتي إياهما وحنوي عليهما.

هؤلاء النساء فخرٌ لكل النساء، وهن تجربة حية على أن الحياة لابد أن تستمر بحلوها ومرها، بضيقها وسعتها، بفرحها وحزنها، بعطائها وبخلها، فبالحب والأمل يكتمل مشوار الحياة...

مات زوجي فصرتُ أما وأبا...

فاطمة جعفر محمد في السطور التالية تروي حكايتها كما رسمها لها الزمن، فتقول:

كان الصديق والعون والسند، كان الأمان، كان الأب الحاني، والزوج العطوف، وفجأة رحل دون سابق انذار، تركني وحيدة أجتر الحزن ورائي أينما ذهبت وحيثما حللت، ومعي في جعبتي سبعة أيتام صغيرهم لا يتذكر من والده سوى ملامح صورةٍ قديمة... اعتدنا الغياب واضطررنا لتقبل الواقع المرّ الذي لا يرحم، ولكن الله الذي وسعت رحمته كل شيء لم يختر زوجي إلى جواره حتى جعل أفئدة من الناس تهوي إلينا.

كان عمر أكبر أبنائي عند الوفاة 23 سنة وأصغرهم 3 سنوات، وحتى استطيع أن أربي أبنائي تربية صالحة التحقت بمراكز محو الأمية، وتعلمت بعدها إعداد الأطباق وكنت أرغب في إكمال تعليمي ولكن إصابتي بالضغط والسكر منعاني من ذلك، فعملت على تربية الدجاج وبيع بيضه وبعدها كنت أقوم بشراء بعض المواد الغذائية وبيعها على الأطفال، وكنت حريصة على أن ينال أبنائي أعلى الشهادات برغم معاناتي من تغرّبهم أثناء سفرهم للدراسة، ولكنني كنت أصابر نفسي فقد عملت على تعويدهم على تحمل المسئولية منذ الصغر فلا داعي للخوف عليهم. وعشت مع أيتامي، حتى كبروا ودرسوا جميعا بالخارج، وأصبح منهم الطبيب، والمهندس، والمدرسة لقد عوضني أبنائي عن غربة الروح التي عشتها بعد الفراق، وقد جعلوني بجهدهم مميزة، كما جعلتهم أنا بحبي متميزين...

وتضيف فاطمة: فرحت كثيرا لحصولي على جائزة الأم المثالية ولكن عند سماعي الخبر خطرت ببالي الأيام الماضية وكيف مرّت بصعوبة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، ثمانية عشر عاما وأنا الأم والأب، وساعة التكريم هذه اختصار لكل سنوات المعاناة والألم في لحظة واحدة تؤكد أنني نجحت في امتحاني الصعب، ولا شك أن هناك الكثيرين ممن لهم الفضل في هذا التكريم أولهم المولى عز وجل ثم أبنائي أنفسهم، فقد كانوا خير عون لي في تربيتهم، ثم الأهل والأصحاب والأحباب ولا أنسى جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة الذي كان خير عون لجيمع أبناء البحرين من خلال مكارمه الكريمة واهتمامه بمختلف فئات شعبه وتوفير العيش الكريم لهم فجزاه الله خير الجزاء وبارك في عمره وعمله فهو أب الشعب كله وراعيهم.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/244002.html