العدد: 1852 | الإثنين 01 أكتوبر 2007م الموافق 19 رمضان 1428هـ

خروج «حق» كان ضرورة، حتى يعرف كل أناس مشربهم...

«الوفاق» «وفاقات» مؤجلة... والرساليون وجوه بلا ملامح

في الوقت الذي انزاحت فيه السلطة نحو خيار تغليب التنظيمات الجديدة/ الفاعلين الاجتماعيين الجدد/ القوى السياسية الجديدة («الإخوان المسلمين»/ «الأصالة»)، على حساب الجماعات التاريخية في مؤسساتها (القوى الليبرالية الموالية)، في هذا الوقت نفسه، لم تستطع جماعات المعارضة على الطرف الآخر، أن تقرأ خريطتها السياسية الجديدة، أو أن تتعرف وتتعامل مع واقعها الجديد، كما يجب.

في البدء، لابد وأن يكون ميثاق العمل الوطني والمشروع الإصلاحي لجلالة الملك قد أتى بمتغيرات سياسية واجتماعية عدة. جماعات المعارضة تقف بالإيجاب مع هذا الإطلاق، لكن هذه المتغيرات السياسية والاجتماعية لا تبدو قارة أو ثابتة أو واضحة في جسم المعارضة. المعارضة نفسها مازالت تدور وتتحرك وتصدر خطاباتها من مرجعية سياسية تبدو «واحدة» و«متحدة» و«متسقة» مع خطاب المعارضة قبل العام 2001. المعارضة التي يجلس اليوم نوابها على مقاعد المجلس النيابي، لا تمثل في حقيقتها أكثر من منظومة سلوك اجتماعي كلاسيكي. أثبتت السنوات الماضية أن ما يحدث لا يزيد على لعبة تلفيق وتوفيق يقودها الأمين العام لجمعية «الوفاق الوطني الإسلامية» الشيخ علي سلمان، بمعية رؤوس جماعات المعارضة من التيارات الوطنية بجدارة، ماخلا انشقاق حركة «حق» الذي يؤكد ما سنذهب إليه في هذه القراءة لاحقا.

سنحاول من خلال القراءة في ملف «مؤسسات المعارضة» التركيز على بعدين اثنين. يركز البعد الأول على التيارات التي تعود ظروف تأسيسها وماهية خطاباتها السياسية إلى ما يطلق عليه بـ «تيار حزب الدعوة»، هذا التيار الذي نشأ من جماعتين اثنتين. جماعة أولى تأثرت بتجربة الثورة الإسلامية الإيرانية مباشرة، وأخرى هي جماعة «حزب الدعوة» التي أصبحت فيما بعد الموجه الرئيسي لهذا التيار الذي يمتلك اليوم الغالبية بين الطائفة الشيعية أولا، والغالبية في جمعيات المعارضة ثانيا. وحين نطلق اعتبار التأثر بالثورة الإسلامية في إيران فنحن لا نعني بذلك التصاقا بالمشروع الخميني الكبير الذي كان ملازما لبند تصدير الثورة في الدستور الإيراني، الذي أنهاه الإيرانيون أنفسهم.

ويتمثل البعد الثاني في قراءة التيار «الشيرازي» تحديدا، هذا التيار الذي يمر بمرحلة «لا توازن» واضحة، وخصوصا عقب وفاة المرجع المؤسس السيد محمد الشيرازي «رحمه الله»، إذ ساهمت المرجعيات الدينية البديلة والمتناقضة في هذا التيار (السيد صادق الشيرازي/ السيد تقي المدرسي - قريب من إيران -) في تفكيك الوحدة السياسية والمرجعية لهذا التيار، وفي صناعة أكثر من رأي داخل الجماعة الواحدة، وهو ما أدى إلى تناقض الخطابات أولا، ونمو حالات الاختلاف بين القيادات الدينية فيه وانفصالها عن بعضها بعضا ثانيا.

التسعينات ووحدة

الرؤية المطلبية

تفرض علينا العودة إلى التسعينات قراءة مؤسسة تيار «الدعوة» في وحدة سياسية متجانسة ومتسقة. الخطاب السياسي للمعارضة في مؤسسة «الدعوة» آنذاك كان يحمل الأهداف/ الطموحات/ المطالبات/ الهموم/ الآمال نفسها. ساهمت السلطة - عبر ممارساتها السياسية والأمنية آنذاك - في توحيد هذا الخطاب وتركيزه. وعلى رغم أن الكثير من الشهادات على سنوات التسعينات أكدت وجود خلافات عدة داخل مؤسسة الدعوة نفسها، فإن هذه الخلافات لم ترتق إلى أن تؤسس حالا من إزدواجية الخطاب السياسي أو تقاطع المواقف السياسية داخل البحرين أو خارجها. كانت مؤسسة «الدعوة» متسقة في خطابها السياسي، وبالإضافة إلى ذلك، كانت المؤسسة السياسية للتيار خارج البحرين فاعلة، إلى ذلك الحد الذي كانت تتصدر فيه مؤسسات المعارضة وتتزعمها، لا على صعيد القوة في الشارع وحسب، بل بما يتصل بقوة التنظيم - كتنظيم سياسي في المهجر - على الاتصال بالداخل ومعايشته بتفاصيله الدقيقة كافة.

وفي مقابل وحدة مؤسسة «الدعوة»، كانت المؤسسة «الشيرازية» أيضا تتمتع بوحدة وقدرة تنظيمية عالية. الأكثر من ذلك، هو أن المؤسسة «الشيرازية» كانت فعلا الأكثر قدرة على لملمة رموزها والمنتمين إليها داخل خطاب سياسي متماسك، كان من الصعب اختراقه والتشكيك في مستواه التنظيمي.

كان العمل المشترك بين المؤسستين «الدعوية» و»الشيرازية» موجودا منذ التسعينات ولايزال. إلا أن هذا التحالف لا يزيد - لمن يدرك بواطن الأمور داخل المؤسستين - على تحالف المصالح الثنائية التي يمكن أن تنكسر في أية لحظة تقاطع بين البرنامجين السياسيين لهما. يختلف ويتمايز خط المؤسسة «الشيرازية» – الخط الرسالي – عنه في مؤسسة تيار «الدعوة». تصعد الخلافات بين المؤسستين وتهبط، إلا أن أحدا منهما لا يستطيع أن يعطي الآخر كامل ثقته.

التسعينات وسنوات النضال المشترك فرضت على المؤسستين وتنظيماتهما السياسية، التكامل في بوتقة واحدة. كانت مجمل الأوضاع السياسية في البحرين لا تسمح بأي انقسامات قد تستغلها السلطة في تقويض/ تشويه/ إضعاف/ ضرب الحركة المطلبية أو القضاء عليها.

مذهبة تيار «الدعوة»... خيار الواقعية

في البدء، نحتاج إلى أن نعود إلى مكون من مكونات تيار «الدعوة» في مصدره الرئيسي الذي تبنى تكوينه الأيديولوجي والاجتماعي والثقافي. وهو تحديدا تيار «حزب الدعوة» الذي تأثر بالثورة الإسلامية في إيران.

الملاحظة المركزية التي أود الانطلاق منها، هي نزوح التيارات ذات الجذور الدعوتية والقريبة من ايران إلى خيار الخروج على النص المؤسس نفسه، ولو كان ذلك في إطارات الاختلاف في «التأويل» للمنظومة المرجعية نفسها.

وواقع الحال، أن مجمل القيادات الرئيسية في تيار «الدعوة» اليوم هي تيارات المركز الرئيسي «حزب الدعوة»، إلا أن ملامح التكون الثقافي لمجمل جمهور هذا هذه القيادات هو بعيد عن «حزب الدعوة» تكوينا.

ماذا أفرزت هذه المرحلة تحديدا؟، اليوم، تتصارع جراء مذهبة التيارات الدعوتية والقريبة من ايران وتنامى وتتعدد جراء الدخول في لعبة التأويل بين الكثير من المذاهب/ القراءات/ التأويلات الراديكالية والإصلاحية.

هذه التخالفات في هذا التيار كانت نتاجا طبيعيا لمستجدات الوضع في المنظومة المؤسسة أولا، فالإمام الخميني مثلا، لم يعد يمثل لدى الإيرانيين الشباب سوى رمزا من رموز الماضي التي لم يعاصروها ولم يعرفوها. وكانت أيضا نتاجا لمستجدات الوضع الإقليمي والحصار الدولي لطهران ولمبدأ تصدير الثورة خصوصا، وهو ما أدى إلى أن تقدم طهران الكثير من التنازلات التي أتت عبر لعبة التأويل وإعادة التأويل نفسها.

لعبة التأويل وإعادة التأويل تم تصديرها أيضا إلى دول الخليج. وتيارات الدعوة القريبة من ايران في السعودية وفي الكويت عايشتا هذه الإفرازات والتأويلات الجديدة، وولدت تيارات جديدة وتأويلات جديدة تقاطعت بوضوح مع مفردات المؤسسة الرئيسة.

في البحرين، لم يتح الوضع السياسي في التسعينات الفرصة الكافية لهذا التيار في أن يتمايز في داخله، لقد فرضت الأوضاع السياسية في البحرين أن يبقى تيار «الدعوة» - المتأثر بإيران - كما هو عليه من دون أن يتعرض لما تعرضت له التيارات المماثلة له في باقي دول الخليج.

بعد العام 2001 كان لتيار «الدعوة» - من منظور شمولي - في البحرين أن ينقسم وأن لا ينقسم. انقسمت المؤسسة إلى قوى متخالفة ومتضادة، إلا أن عملية الانقسام هذه لم تتحقق مؤسساتيا أو حتى على مستوى الكاريزمات، التي فضلت - من دون استثناء حتى ظهور حركة «حق» - البقاء تحت سلطة العمامة.

بعد انتهاء مرحلة الشعارات والعمل السياسي جاءت مرحلة أخرى لا بد وأن ترافقها تخالفات وانقسامات عدة في الفهم والعمل السياسي وفي تحديد مرجعيات إتخاذ القرار السياسي تحديدا. وهو ما لم يتحقق إذ استمرت آليات العمل في مؤسسة الدعوة بذات النفس التسعيني.

كان واضحا للعيان، آن اختراقات عدة بدأت تنهش الوفاق بوصفها المؤسسة السياسية لتيار حزب الدعوة، انحازت الأسماء التي كانت تمتلك أرصدة تاريخية لدى الموسسة الدينية نحو لجم الإنقسامات والإختلافات خوف أن تصبح الأسماء الجديدة في الوفاق جسرا لا يمكن المرور منه.

الصراعات الداخلية التي كانت غالبا ما تنتهي بالفتوى ساهمت في أن تنحصر خيارات التجديد في الوفاق داخل النظام الجديد عبر مجلس شورى الوفاق تحديدا ، والذي لم يستطع أن يكون مؤثرا في عمليات إتخاذ القرار، وتأتي أزمة إختيار مرشحي الوفاق لإنتخابات 2006 دلالة على ذلك.

قبل ذلك بأربعة أعوام في 2002، أفرز خيار تيار «الدعوة» في مقاطعة الانتخابات النيابية في العام 2002 الفرصة المناسبة لظهور هذا الانقسام مؤسساتيا، وساهمت الكثير من القراءات السياسية في البدء بتعزيز هذا الخيار الذي اتجه إليه بعض الوفاقيون نحو تأسيس جمعية «العدالة والتنمية»، لكن الذي حدث لاحقا، هو أن الجميع سلم بقراءة الانقسام والشروع في إشهار مؤسسة سياسية بديلة/ مرادفة/ لـ «الوفاق»، بما يشبه الانقسام «المصلحي» أو «النفعي»، إلا أن ذلك الانقسام كان في الحقيقة أبعد من ذلك في حقيقته بكثير.

البعض الآخر، الذي رضخ لإحداثيات قوة الخطاب الديني، كان يرى أن الانقسام هو حقيقة أولا، وضرورة فكرية/ سياسية/ معرفية ثانيا. الذي حدث أيضا أن الكايزمات السياسية والدينية التي رجحت خيار الخروج على «الوفاق» لم تكن قادرة على صناعة الانفصال المؤسساتي الذي سيكون باستطاعته أن يقنع الشارع بأن يفكر في أن خيار تيار «الدعوة» لم يعد «واحدا»، ولم يعد ممثلها الديني «واحدا» أيضا، والأهم من ذلك أنه لا يعني «الرأي الواحد» كما كان قبل العام 2001.

تجمع «الوفاق» اليوم شتات أبناء مؤسسة تيار «الدعوة» كافة، إلا أنها تبدو عاجزة عن تمثيل شتى الآراء المنطوية تحتها. وفي السياق نفسه، لم يستطع التكنوقراط - ولايزالون – في مؤسسة «الوفاق» أن يجعلوا من رؤيتهم السياسية فاعلا مركزيا على مستوى اتخاذ القرار السياسي في الجمعية. هم لايزالون مرهونين بالتموضع داخل الخطاب التاريخي لأطرهم الدينية والسياسية المُؤسسة.

يخرج تكنوقراط «الوفاق» عن مستوى الخطاب الوفاقي بين فترة وأخرى، إلا انهم يعجزون عن كسر خطاب الأمين العام الشيخ علي سلمان صراحة. هذا بافتراض أن يكون الشيخ علي سلمان نفسه يعيش خطابه السياسي/ مشروعه السياسي/ قناعاته السياسية أصلا.

التلفيق المؤسساتي في مؤسسة، كانت له ضريبته على مؤسسة المعارضة بأجمعها، الضريبة دفعها الوفاقيون مرتين. المرة الأولى، حين كسر الأمين العام لحركة «حق» الناشط السياسي حسن مشيمع عصا الشيخ علي سلمان علانية، وساعدت مشيمع في إنجاح خطوة الانشقاق نضالاته التاريخية في تأسيس خط/ تيار/ تأويل/ رؤية جديدة بعد أن عجز التكنوقراط عن ذلك.

أما التضحية الثانية، فهي حين أصبحت كلمة جمعية «الوفاق» غير مسموعة في أكثر من مناسبة، وشواهد العصيان الجماهيري لـ «الوفاق» كثيرة. صحيح أن مستويات التمرد والعصيان تمر بحالات صعود وهبوط، إلا أنها مثلت في الكثير من المواقف علامات استفهام قاسية، كان ولايزال الشيخ علي سلمان عاجزا عن الحراك حيالها.

الذي حدث في العام 2002 بعد الانتخابات هو أن المسرح السياسي في البحرين أصبح مسرحا مغايرا عما كان عليه الوضع في التسعينات، والذي حدث أيضا أن اللاعبين السياسيين اختلفوا. الأكثر من ذلك، أن قواعد اللعب اختلفت، إلا أن المعارضة لم تستطع مجاراة الواقع الجديد والمسرح الجديد، وقبل ذلك، لم تستطع المعارضة أن تفهم ذلك.

«الشيرازيون» خريطة طريق بلا ملامح

على الجانب الآخر، وعلى العكس من ذلك تماما، تشرذمت فلول التيار الرسالي «الشيرازي» الذي فرضت عليه لعبة الانشقاقات قسرا.

انقسم التيار الرسالي مجبرا، إذ تمايزت المرجعيات الدينية الجديدة بعد وفاة السيد محمد الشيرازي، بين السيد صادق الشيرازي الذي مثل استكمالا حرفيا للمشروع الرئيسي، وبين السيد تقي المدرسي الذي فاجأ التيار الرسالي نفسه بإرساله من البحرين إشارات إيجابية تجاه هرم القيادة الدينية والسياسية في الجمهورية الإيرانية السيد الخامنائي، وهو ما مثل «الصدمة» للشيرازيين كافة.

استطاعت جمعية «العمل الإسلامي» أن تبقي على «اللحمة» الشيرازية، وكان للشيخ محمد المحفوظ ثقله التاريخي والسياسي الذي جعل من الانشقاقات الداخلية المقلقة تحت السيطرة، إلا أن الأصوات الأخرى داخل التيار الرسالي كانت تعلو إلى الحد الذي كان المراقبون السياسيون فيه يسمعونها بوضوح.

يحتاج التيار الرسالي إلى خريطة طريق تنتشله من الفوضى، فالتيار - الصغير نسبيا أمام تيار «الدعوة» - لا يحتمل انقاسامات مؤسساتية، ولعبة الدحرجة التي كانت سيدة الموقف في الانتخابات الماضية، كانت دلالة واضحة على أن الأمور داخل المؤسسة الشيرازية لا تبدو على ما يرام.

الذي حدث في التيار الرسالي بعد العام 2001، هو أنه تعرض لانقسامات لم يكن مستعدا لها. إلا أن هذه الانقسامات لم تتحقق هي الأخرى مؤسساتيا، ومارس الشيخ المحفوظ الدور ذاته الذي لعبه الشيخ علي سلمان في الجانب الدعوتي.

النموذجان اللذان تم تسليط الضوء عليهما من مؤسسات المعارضة لم يخرجا بجماعات جديدة، وذلك على النقيض من مؤسسات السلطة التي تتصارع جماعاتها مع بعضها بعضا. قد تبدو هذه الصورة إيجابية للوهلة الأولى، لكنها قد تحمل أيضا، توصيفا لجسم مريض ثقيل الحمل، يحمل بداخله المتناقضات كلها.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/255410.html