العدد: 1941 | السبت 29 ديسمبر 2007م الموافق 19 ذي الحجة 1428هـ
سكان حيّ الأعظمية في بغداد يتذكرون «أبوعدي»
في التاسع من أبريل/ نيسان 2003 وقف صدام حسين الرئيس العراقي الراحل على ظهر شاحنة صغيرة قرب مسجد أبي حنيفة النعمان بحيّ الأعظمية البغدادي وهو يرفع يده ليحيّي حشدا يضم نحو 200 شخص من الأهالي، معاهدا بالانتصار على الولايات المتحدة رغم ظهور علامات الهزيمة على وجهه.
وقال أبوريمة أحد سكان حيّ الأعظمية (شمال بغداد) آخر منطقة ظهر فيها الدكتاتور السابق قبل اختفائه في التاسع من أبريل 2003، إنه قال لصدام عند ظهوره آنذاك «أعد أهالي الأعظمية بلحظة ذهبية حين نهزم الأميركيين»، إلا أن مصير صدام كان الإعدام في الثلاثين من ديسمبر/ كانون الأول 2006.
ويضيف أبوريمة والدموع تسيل من عينيه «هذه الصورة تأتي إلى خيالي مثل مشهد فيلم، كان يوم الأربعاء التاسع من أبريل/ نيسان، هذا التاريخ في دمي، صدام يجري في عروقي». ويتحدث هذا المدرس المتقاعد البالغ الـ 65 من العمر لمراسل فرانس برس وهو جالس في حديقة منزله بالأعظمية التي طالما اعتبرت معقلا للتمرّد السني، ولايزال يحتفظ بذكريات هذا اليوم الذي بقي يتجدد في ذاكرته، قال: «قبل ساعات قليلة من دخول الدبابات الأميركية ساحة الفردوس وسط بغداد كان (صدام) هنا معنا... في الأعظمية».
ودخلت قوات من مشاة البحرية (المارينز) وسط العاصمة بغداد في التاسع من أبريل وحطمت أكبر تماثيل صدام في ساحة الفردوس بعد وضع حبل على رقبته وسحبه بالدبابة، ليعدم شنقا فجر الثلاثين من ديسمبر 2006 بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وبعد إسقاط تمثاله في ساحة الفردوس قام حشد من العراقيين الغاضبين بضرب رأس التمثال بالأحذية. وأشار أبوريمة إلى اليوم الذي ظهر فيه صدام في الأعظمية قائلا «جاء عند الظهر في وقت الصلاة»، وأضاف «كنا نؤدي صلاة الظهر في مسجد أبي حنيفة عندما دخل شخص بصورة مفاجئة وقال إن الرئيس خارج المسجد، وخرجنا بسرعة ورأيناه واقفا على ظهر السيارة يحيي الناس».
وتابع أن «وزير الدفاع سلطان هاشم الطائي الذي حكم عليه بالإعدام بقضية حملة الأنفال كان يرافقه بالإضافة إلى نجله قصيّ وسكرتيره عبد حمود»، وأضاف أبوريمة «لم تكن المرة الأولى بالنسبة إليّ التي أرى فيها صدام، ولكنني توجهت إليه مسرعا وصافحته وقبلته على صدره وكتفه... كان قصي يرتدي بزة أرجوانية، فيما كان صدام في زيه العسكري».
وأضاف أبوريمة مستذكرا هذا اليوم بتفاصيله قائلا «كانت هناك امرأة شجاعة اقتربت من صدام، وقالت له أبوعدي تبدو مرهقا فرد بدوره سوف لا أتعب إن شاء الله، والعراق منصور بإذن الله، بعد لحظات استقل سيارته المرسيدس وانطلق».
بدوره، يقول محمد العبيدي أحد أهالي الأعظمية الذي شاهد صدام قرب مسجد أبي حنيفة إن «الرئيس كان فعلا مرهقا»، وأضاف «كان متعبا ولكن شكله كان مهيبا» في الوقت نفسه.
وأوضح العبيدي «في الحقيقة عندما رأيته يتحدث إلى الناس تحمست كثيرا وكنت أبحث عن بندقية لأطلق النار في الهواء للاحتفال بالنصر على الأميركيين».
ويعتبر أبوريمة أن صدام «مات شهيدا»، وأن إعدامه جاء بتوجيه من الأميركيين، ويضيف «لو أن الأميركيين هاجمونا وحدهم لتمكنا من هزيمتهم، ولكنهم قدموا مع كل قوى الشر، وعلى رغم ذلك كله تمكن هذا الشهيد الشجاع من التحدث إلينا على رغم تحليق المروحيات فوقه بحثا عنه».
من جانبه، قال أبو عبدالله (61 عاما) وهو أحد سكان الأعظمية السنة، إن «صدام قضى ليلته في الأعظمية بعد ظهوره ذلك اليوم»، وأضاف أبوعبدالله وهو موظف حكومي متقاعد «كان صدام في مسجد أبوبشر الحافي القريب من أبي حنيفة وقضى ليلته هناك».
وأكد هذا الرجل وهو يرتدي الدشداشة «غادر صدام الأعظمية عند الساعة السادسة صباحا في زورق عبر نهر دجلة إلى جهة الكاظمية (شمال بغداد) الحي الشيعي الذي يقابل الأعظمية من الجهة الشمالية ويفصلهما نهر دجلة».
وعثرت القوات الأميركية في 13 ديسمبر 2003 على صدام داخل قبو بالقرب من مدينة تكريت (180 كلم شمال بغداد) معقله السابق. وقد خضع للمحاكمة وأدين بتهمة جرائم ضد الإنسانية وأعدم 30 ديسمبر 2006.
ويعتبر المتحدثون من سكان الأعظمية وهم بعثيون سابقون أن الوضع في العراق ميؤوس منه. وأشار أبو ريمة «انظر ماذا يحدث الآن في البلاد، بينما في أيام صدام لم يكن هناك أي صراع طائفي بين الشيعة والسنة»، وأضاف «الآن علينا أن نعطي السلاح لصغارنا للدفاع عن مناطقنا من الميليشيات ومسلحي القاعدة».
يشار إلى أن المئات من الشبان والرجال في الأعظمية بينهم من كان ينشط في إطار مجموعات مسلحة تحولوا إلى حراس بدعم أميركي لحماية المنطقة من مقاتلي القاعدة بعد أن طردوهم منها.
وقال أبوريمة بحزم واضح «حتى خلال الحرب وبعد دخول القوات الأميركية بغداد، الأعظمية كانت آخر حيّ تمكنت القوات الأميركية من السيطرة عليه، وحتى الآن القتال لم ينته، وسننتصر في النهاية».
إعدام صدام حسين نهاية مفجعة لحياة مليئة بالعنف
بغداد - جاك شارملو
فجر الثلاثين من ديسمبر/ كانون الأول 2006، أعدم الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين شنقا في أحد سجون بغداد لتنتهي بذلك حقبة قاسية عاشها العراق.
وأنهت عملية الإعدام السريعة لصدام حسين الذي كان في سنته التاسعة والستين، رحلة من القسوة والعنف. ووري جثمان أعلى سلطة في العراق لعدة عقود إلى مثواه الأخير في بلدة العوجة (شمال بغداد).
ويعتبر غالبية العراقيين أن صدام أعدم وانتهى عند اجتياح العراق من قبل الجيش الأميركي في العشرين من مارس/ آذار ثم سقوط بغداد في التاسع من أبريل/ نيسان 2003.
وكان آخر ظهور علني لصدام حسين سجل في التاسع من أبريل في منطقة الأعظمية (شمال بغداد) قبل هروبه من بغداد. وبعد عدة أشهر من المطاردة، تمكن جنود أميركيون من العثور على صدام في قبو تحت الأرض في 13 ديسمبر 2003 في بلدة الدور القريبة من مدينة تكريت (180 كم شمال بغداد) التي ينتمي إليها صدام وتسكنها عشيرته وغالبية أنصاره.
في اليوم التالي، قامت القوات الأميركية بتسليمه إلى الحاكم المدني في العراق آنذاك بول بريمر، الذي أعلن الخبر الذي تناقلته معظم القنوات التلفزيونية العالمية، قائلا «اعتقلناه». وعرض حينها صورة لصدام حسين على شاشة كبيرة، بلحية بيضاء، شاحبا، مجعد الشعر، خلافا للصور التي علقت لتمجيده على الجدران في المدن العراقية وخصوصا العاصمة بغداد.
وبعد ذلك أصبح صدام حسين بطلا لما أراد الأميركيون أن يصفوه بأنه رمز ولادة العراق الجديد، ودخل صدام محاكمة استجوب خلالها على جرائم ارتكبها في بلد أنكر فيه حق مواطنيه في محاكمات مماثلة.
وفي 19 من أكتوبر/ تشرين الأول 2005، دخل صدام حسين قفص الاتهام، بعد أن حكم العراق أكثر من ثلاثة عقود من الزمن.
وظهر ببزة رصاصية وقميص أبيض ليحاكم في قضية مقتل 148 قرويا شيعيا إثر محاولة اغتيال فاشلة تعرض لها موكبه في بلدة الدجيل (شمال بغداد) في يوليو/ تموز 1982.
وخلال جلسات محاكمته التي أدرك ما ستؤول إليه، اتهم صدام حسين مرارا هيئة القضاة بأنهم ينفذون ما يخدم المحتلين، في إشارة إلى الولايات المتحدة. ودافع صدام عن سياسته التي مارسها في إدارة البلاد، كونه رجل الأمة العربية والضامن لمستقبل العراق الذي يواجه تحديات إيرانية وأطماع الشركات الأميركية.
وبعد صدور قرار المحكمة في الثلاثين من ديسمبر 2006، التف حبل المشنقة لينهي حياة الرجل الذي أراد جعل العراق أكبر قوة إقليمية، فيما كان المسلمون يحتفلون بعيد الأضحى، فاعتبره البعض بطلا بينما رأى آخرون أنه مصاب بجنون العظمة. من جهتهم، احتفظ هواة تصوير بلقطات في هواتفهم النقالة، تصور اللحظات الأخيرة من حياة صدام، وقد بدا فيها وهو يقف بثبات مرتديا معطفا أسود رافضا وضع غطاء على عينيه وهو يتقدم إلى منصة الإعدام من دون مساعدة أحد، وقد رد على صرخات إهانة أطلقها بعض الحضور، قبل أن يفتح باب المنصة تحت قدميه «الله أكبر».
وكانت نهاية صدام حسين في الساعة السادسة وعشرة دقائق عندما شد حبل المشنقة على عنقه، واحتفل عدد كبير - معظمهم من الشيعة الذين عانوا الظلم في عهده - بفرح لإعدامه وبالرقص في الشوارع، في حين رفض آخرون - معظمهم من السنة - عملية الإعدام التي رأوا فيها إهانة للعراق.
ومع نهاية صدام أغلقت حقبة من تاريخ العراق، هيمن عليها العنف والخوف، وشكلت حلقة أخرى من مسلسل المعاناة التي عاشها العراقيون منذ استقلال بلادهم في 1958.
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/270584.html