العدد: 1988 | الخميس 14 فبراير 2008م الموافق 06 صفر 1429هـ
كيف يترسخ التسامح عند المسلمين
بداية أؤكّد أن عدم التشدد مع أصحاب الديانات الأخرى صفة ليست لصيقة بالمسلمين أو مقصورة عليهم. فالإسلام هو أوّل دين وربما هو الدين الوحيد الذي يعترف بشكل قاطع ومحدد بالديانات الأخرى وخصوصا الديانات السماوية. ودعوني في البداية أعرض لمفهوم التسامح من خلال ضرب بعض الأمثلة:
أذكر عندما كنت أصطحب صديقا جزائريا لزيارة ميدان الطرف الأغر في لندن خلال سبعينيات القرن الماضي أنْ علَق قائلا: «كم هو متسامح هذا المجتمع.هل رأيت هذا الحمام الذي يملأ المكان. إنه لا يخشى أي أحد. في بلادنا لم يكن الحمام ليبقى كلّ هذا الوقت من دون أن يمسك به أحد ويذبحه». ولعلّ هذا يوضح لنا الكيفية التي ينظر بها الناس على اختلاف مشاربهم إلى مفهوم التسامح.
وحديثا، كتب كبير الحاخامات اليهود كتابا عن سيرته الذاتية وتجاربه، ورؤيته لمفهوم الحقيقة. وفي الكتاب المؤلٌُف من ثلاثمئة صفحة لم يعرض الرجل سوى في فقرتين اثنتين لفكرة أن الوقت ربما يكون قد حان لينظر اليهود إلى المسيحية والإسلام على أنهما قد يحويان ولو شذرات من الحقيقة. ومضى الحاخام يقول: إنّ اليهودية لا تحتكر الحقيقة. ومن أجل رأيه هذا، اقتيد الحاخام إلى محكمة الحاخامات وهُدد بالحرمان كنسيا والطرد من اليهودية ما لم يسحب كتابه من التداول ويعيد كتابته بحيث يذكر بوضوح أنّ اليهودية تحتكر الحقيقة كلّها.
عدم التسامح إذا ليس مقصورا على المسلمين، فهو مشكلة عالمية. ويمكن استقاء بعض النتائج المشابهة من الأمثلة الأربعة التالية التي تظهر عدم التسامح في أقسى صوره:
- المثال الأوّل: صعود الأصولية الهندوسية تحت حكم حزب «بهاراتيا جاناتا» الهندوسي المتطرف، وظهور فكرة تحويل الهند إلى دولة هندوسية. وقد فجّر هذا حملة من عدم التسامح مع مختلف الطوائف وخصوصا المسلمين. وعدم التسامح هنا لا يقتصرعلى الجانب المادي فحسب أو على مواقف بعينها. فثمة محاولة تجري حاليا لإعادة كتابة تاريخ الهند تحت حكم المغول، تُرسم فيها الهندوسية بوصفها ديانة حررت معتنقيها من الاستعمار. ونتيجة لهذا، تفجرت سلسلة من أعمال العنف الخطيرة، ونشبت حوادث عنف طائفية ضد المسلمين على امتداد تاريخ طويل. وما حدث في ولاية كوجرات ليس عنفا طائفيا، وإنما هو بدافع ديني ومن ثم فإنه أشد خطورة وأكثر تعبيرا عن عدم التسامح الذي قد يتكرر في مناطق أخرى من الهند لو استمر هذا صعود هذا التيار الهندوسي المتطرف.
- المثال الثاني يتعلّق بصعود اليمين الصهيوني في»إسرائيل». فالصهيونية ذاتها تتضمن أفكارا معيّنة عن كيفية التعامل مع محيطها ومع الشعب الفلسطيني إلى آخر ذلك. ومع صعود قادة الجناح اليميني في تكتل الليكود المتطرف من أمثال أريئيل شارون ووبنيامين نتانياهو ظهر وجه مختلف للصهيونية غير متسامح وأكثر عنفا للمدى الذي باتت ترى معه أنه لا توجد مشكلة على الإطلاق في استئصال الشعب الفلسطيني وإبادته عن بكرة أبيه.
-المثال الثالث: صعود الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة: يعتقد أنصار هذا التيار أيضا أنهم هم وحدَهم على صواب والآخرون جميعا على خطأ. وقد استغل الصهاينة في الولايات المتحدة هذه الموجة لزيادة الدعم لـ «إسرائيل» في أميركا. ويعتقد الأصوليون المسيحيون أنّ اليهود سيُحكمون قبضتهم على فلسطين بالكامل وستقع ما يسمونه بمعركة (أرمجدون) التي سيُدمر فيها كل شيء ويُقتل فيها الجميع ما عدا المسيحي الحقيقي واليهودي الحقيقي اللذيْن سيبقيان. وقد اعتنق المسيحيون الأميركيون هذه الفكرة، وبدأوا يتساءلون ما الذي يمنعنا من التعجيل بحوادث التاريخ ونؤيّد طرد الفلسطينيين. ويمثل حجر الزاوية في هذه الأيديولوجية نوع من الأصولية غير المتسامحة التي ترفض أيّ مظهر أو تعبير آخر عن الحقيقة من خارجها. ومن شأن علاقة المسلمين بأنصار هذا التيار أنْ تكون عاصفة ومضطربة نتيجة ما يسعون لتحقيقه من أهداف. لكن يمكن للعالم الإسلامي أنْ يمد الجسور مع الغالبية التي تؤمن بالأخلاق في الولايات المتحدة وتعارض الإجهاض والشذوذ الجنسي وغيرها من مظاهر الانحلال الخلقي. والمتمعن في برنامج هؤلاء يجد أنهم في غاية التسامح.
-المثال الرابع والأخير عن المسلمين أنفسهم؛ ففي دول مثل إيران على سبيل المثال يوجد مستوى ما من عدم التسامح غير المقبول لدى الأمّة الإسلامية. وينبع هذا بشكل أو بآخر من فكرة أن ما يفعله هؤلاء المسلمون إنما هو بقدر إلهي ومن ثم فإنّ على المخطئين أن يتذرعوا بذلك للإفلات من العقاب. وللحق فإنّ هذا الفهم ليس مقصورا على نفر من المسلمين بل إنه ينطبق على كلّ فكر يؤمن بأنّ أفعال الإنسان إنما هي مُقدرة عليه سلفا.
وعلى مر التاريخ كانت معاملة المسلمين لغير المسلمين في ديار الإسلام أفضل من معاملة اليهود والنصارى للمسلمين في غير ديار الإسلام، وأفضل من معاملة الهندوس للمسلمين في الهند حاليا. لكن ثمة تناقضا هنا. ففي الوقت الذي تحلّى فيه المسلمون بالتسامح على مر تاريخهم، فإنهم لم يعودوا متسامحين حتى مع بني جلدتهم في الوقت الجاري، فما بلك بغير المسلمين. إنّ على المسلمين أنْ يحاولوا استقاء الدروس والعبر من ماضيهم في هذا الصدد.
وثمة مظهر آخر من عدم التسامح عند استخدام فكرة قدرية الأفعال كمسوغ لتحقيق غايات سياسية، ويمكن التدليل على ذلك من خلال هذين المثالين المثيرين للجدل:
- الاضطرابات التي حدثت في نيجيريا بسبب مسابقة ملكة جمال الكون: طبعا لا يمكن إنكار أنّ السعي لإقامة مسابقة ملكة جمال الكون في دولة مثل نيجيريا وخلال شهر رمضان المعظم إنما هو ضرب من البحث عن المتاعب. وفي العصر الحديث فإنّ نيجيريا خضعت لحكم المؤسسة السياسية الإسلامية في معظم الفترة التي تلت استقلالها في العام 1960، سواء أكان ذلك من خلال حكومات منتخبة ديمقراطيا أم الحكم العسكري. واليوم يواجه الشعب النيجيري مشكلة مزدوجة: فثمة أسئلة كثيرة بشأن تاريخ الحكم العسكري وصدقية العسكر، وحقهم في الحكم.
أمّا المشكلة الأخرى فتتعلق بالنظام ككل وهيكل الحكم والحق المكتسب للمسلمين في إدارة شئون البلاد.إن على المسلمين أنْ يبرهنوا الآنَ للشعب النيجيري على أنهم هم ممثلوه الحقيقيون لا لكونهم حكاما عسكريين أو سلاطين يحكمون بالحق الإلهي. ويعني هذا أنّ عليهم أن يعملوا بجد أكبر ليثبتوا جدارتهم بالحكم. وأسهل طريقة لهذا ستكون استعادة الحكم بالقوة المسلحة. وفي إطار اللغط الدائر حاليا بشأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية من الممكن أنْ تنسب بعض القوى السياسية لنفسها الفضل في منع إقامة مسابقة ملكة جمال الكون هناك. وهكذا يُستخدم عدم التسامح ويتم الإقدام على أفعال غير متسامحة لتحقيق غايات سياسية.
-أما المثال الثاني فيتجلى في السؤال:هل على إيران أنْ تقيم علاقات سياسية مع الولايات المتحدة؟
يتعلق هذا الأمر بالمصلحة القومية للجمهورية الإسلامية، وربما تختلف بشأنه الرؤى ووجهات النظر.وتكمن الصعوبة هنا في حظر طرح هذا الموضوع للنقاش، بل وعقاب من يقدم على ذلك بالسجن بل وحتى بالإعدام. وهذا محض هراء؛ لأن هذه المسألة تمثل أهمية كبيرة للمصلحة القومية العليا لإيران، وللإسلام. وفي كثير من المناسبات يصعب على المسلمين التفرقة بين أن تقيم مشاركة مع الآخر، وبين أنْ تتفق معه. فإقامة علاقات مع شخص ما شيء، والاتفاق معه شئ آخر.
هناك أيضا مشكلة أخرى تتعلق ببعض الحركات والجماعات في العالم الإسلامي التي تتبنى معتقدات مغايرة إلى حد ما لسواد المسلمين مثل: الأحمدية في باكستان والبهائية في إيران وأتباع محمود الخامس عشر في السودان. فبعض معتقدات هذه الجماعات مثير للخلاف والمشكلات. ولكنني أرى أنّ طرح مسألة تعامل المسلمين مع أتباع هذه الجماعات ومدى ما يتحلون به من تسامح في هذا الصدد هو أمر مشروع.
والحل في رأيي لهذه المشكلات هو أن يجد المسلمون سبيلا لترسيخ التسامح. وأكبر نقاط الضعف هنا تكمن في النظام القضائي والقائمين عليه الذين لا يرقون إلى المستوى المطلوب. فقد قال قاض بارز في نيجيريا إنه لا يوجد قاض شرعي واحد هناك قادر على أن يكون شاهدا أمام محكمة شرعية، فما بالك بكونه قاضيا.
ويطيب لي أن أستمد آخر كلمة لي في موضوع التسامح من الحديث النبوي الشريف الذي يقول (اختلافهم رحمة) في إشارة إلى العلماء، ومن عنوان كتاب لعبد الكريم سروش سمّاه: الطرق القويمة (وليس الطريق القويم).
* كاتب مسلم بارز وعالم اقتصاد ومستشار لصندوق النقد الدولي- لندن - المملكة المتحدة
(ينشر المقال بالتعاون مع المنبر الدولي للحوار الإسلامي في لندن)
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/278389.html