العدد: 420 | الخميس 30 أكتوبر 2003م الموافق 04 رمضان 1424هـ
مقتضيات استقلال القضاء
يقتضي مبدأ استقلال القضاء أن يتولى السلطة القضائية أشخاص من النساء والرجال مؤهلون علميا في القانون، ويتحلون بالسيرة الحسنة والأمانة والنزاهة والحيادية.
التأهيل والتدريب
كما ينبغي أن يتمتع المرشحون لشغل مناصب القضاء بالخبرة السابقة أو إلحاقهم فورا بمعاهد تدريب القضاة لتؤهلهم لأداء وظائفهم بكفاءة عالية، كل ذلك حتى يتسنى للقاضي أن يسلك سلوكا لائقا بمنصبه وينأى عن مواقع الشبهات، ويحفظ أسرار القضايا التي تنظر أمامه، وألا يتصل بالأطراف المتقاضين أو محاميهم فيما يخص تلك القضايا، كما ينبغى أن يتحلى القاضي بسعة الصدر والصبر ومعاملة المتقاضين دون أي تمييز، والبت في القضايا من دون تأخير، ويحرم على القاضى الجمع بين القضاء وتولي أية وظائف أخرى رسمية كانت أو غير رسمية، ويمنع العمل بالتجارة أو الاشتغال بالسياسة بصورة سافرة تبرز ميوله أو انحيازه الحزبي أو السياسي.
في هذا السياق، يتضح أن عددا من الدول العربية يقوم بتعيين خريجي كليات الحقوق مباشرة في السلك القضائي من دون مراعاة لأهمية الخبرة والتكوين وذلك بسبب غياب معاهد متخصصة لتدريب القضاة في معظم الدول العربية، فيما عدا مصر والمغرب والأردن والسودان، الأمر الذي ينبغي أن يولي أهمية قصوى وعاجلة إذ إن تعريض الخريجين الجدد للدخول مباشرة في الفصل في نزاعات مدنية وقضايا جنائية معقدة لن يصب في مصلحة هؤلاء القضاة أو في مصلحة أطراف النزاع أو المتهمين، الأمر الذي يقتضي إيلاء أهمية لضرورة التدريب أو اختيار القضاة من القانونيين الذين عملوا في المحاماة أو النيابة أو الاستشارات القانونية أو التدريس، بما يوفر فرص التدريب والنضوج الفكرى والسن المناسبة.
شروط الخدمة
يصعب الحديث عن استقلال القاضي في أداء مهمته بنزاهة وحيدة وفاعلية إن لم تهيأ له أسباب العيش الكريم والاكتفاء بتوفير راتب معقول يصرفه عن هموم حياته وأسرته والتزاماته المادية، ويبعده عن إغراءات الرشوة والفساد، وخصوصا إذا تذكرنا أنه يقضي في نزاعات تصل إلى ملايين المبالغ وفي قضايا جنائية تصل إلى حد الإعدام، ما يجعل المتقاضين والمتهمين على أتم استعداد لدفع كميات كبيرة للتأثير على حكم القاضي، وشروط الخدمة لا تقتصر فقط على الرواتب، بل تشمل مقتضيات السكن المناسب، والتأمين الصحي، وسبل التنقل، وكل ما من شأنه أن يحفظ مظهر وهيبة القاضي ويبعده عن الشبهات، وبالنسبة إلى بيئة العمل ينبغى أن تكون هناك مبان لائقة للمحاكم بما فيها الأثاث والمنصة ومعدات الطباعة والحاسوب والتوثيق وحفظ الأحكام والإدارة الحسنة بما تقتضيه من موظفين أكفاء وحجاب ومعلنين وشرطة خاصة بالمحاكم يعنون باستدعاء المتقاضين والشهود وتنفيذ الأحكام الصادرة عن القاضي.
التعيين والمحاسبة والعزل
إلى جانب شروط الخدمة المناسبة، لابد لقانون استقلال الهيئة القضائية أن يؤمن استقرار القاضي في منصبه وحمايته من الإجراءات التعسفية في التعيين والترقية والنقل والمحاسبة والعزل قبل سن التقاعد. من أجل ذلك سعت الكثير من الدساتير والقوانين لترك تلك المهمات إلى القضاء نفسه من خلال «مجلس القضاء العالي» المكون من كبار القضاة أو رئيس المحكمة العليا حسب النظام القضائي الموجود. والغرض من إيلاء تلك المسائل إلى مجلس القضاء العالي هو إبعاد السلطة التنفيذية أو السياسية تماما من التدخل في شئون القضاء المتعلقة باستقرار أوضاعهم وحمايتهم من الإجراءات التعسفية والهوى السياسي. ويترك للمجلس أمر تعيين ومحاسبة وعزل القضاة وترقيتهم، وفي حالة كبار القضاة على مستوى المحكمة العليا والاستئناف قد يأتي قرار التعيين أو العزل من رأس الدولة بناء على توصية مجلس القضاء العالي.
وفي جميع الأحوال لا يجوز عزل القضاة إلا بناء على محاسبة أو تحقيق عادل تتاح للقاضى فيه فرص الدفاع عن نفسه والحق في الاستئناف. ويلاحظ أن بعض الدول العربية التي أخدت بنظام القضاء العالي أولت رئاسته إلى رئيس الدولة، الشيء الذي يكرس هيمنة السلطة التنفيذية على القضاء ويتناقض مع فكرة إنشاء مجلس القضاء العالي تكريسا لاستقلال القضاء.
الحصانة القضائية
لعل من أهم مقتضيات استقلال القاضي في أداء مهمته من دون خوف أو توجس ألا يخشى القاضي في إصدار أحكامه من أية تبعات سلبية مثال أن يتعرض للمحاسبة أو المساءلة القضائية أو رفع دعاوى تعويض ضده بسبب أحكامه، علما بأن أحكام وقرارات القاضي تخضع عادة للاستئناف أو المراجعة أو النقض أمام المحاكم الأعلى درجة التي يمكنها تصويب أي عيب أو خطأ في تفسير أو تطبيق القانون. لذلك يصبح من المهم أن تكون للقاضي حصانة كاملة ضد أية إجراءات يمكن أن يتخذها الأطراف في مواجهة قراراته وأحكامه القضائية. غني عن القول أن تلك الحصانة لن تنطبق على القاضي في حال ارتكابه فعلا جنائيا مخالفا لقانون العقوبات لا صلة له بعمله القضائي. غير أن هذه الحالات أيضا تقتضي اتخاذ إجراءات خاصة في التحقيق والقبض والحجز تليق بمكانة القاضي وتوفر له فرص الدفاع حتى لا تتأثر هيبته إن تمت تبرئته وعاد لمواصلة عمله القضائي.
عدم التدخل في أعمال القضاء
لعل أحد أهم سمات استقلال القضاء تكمن في أن القضاة وهم يؤدون أعمالهم لا ينبغي أن يخضعوا سوى لضمائرهم ولأحكام القانون، ما يعني بالضرورة أن السلطة التنفيذية أو التشريعية لا يجوز لهما التدخل ي عمل القضاء، وذلك حماية للقاضي من التأثر في الوصول إلى قراراته وأحكامه برغبات الجهات العليا في السلطتين المذكورتين علما بأن عددا من القضايا المطروحة أمام القضاء قد يتعلق بمدى سلامة وقانونية أداء المسئولين في السلطة التنفيذية، وكما أن عددا آخر من القضايا قد يتعلق بمواطنين تربطهم صلات القربى أو العلاقات الخاصة مع مسئولين ربما يسعون للاتصال بالقضاة خدمة لذويهم، ما يؤثر سلبا على سيادة حكم القانون.
ويترتب على مبدأ عدم التدخل في أعمال القضاء احترام أحكامه وقراراته ووضعها قيد التنفيذ متى ما صدرت بصفة نهائية، ولايجوز لأية جهة أن تتدخل لتعطيل أو عرقلة تنفيذ أحكام المحاكم أو أوامر القضاة في القبض أو الحبس، أو الكفالة، أوالتفتيش، أو في تنفيذ الأحكام المدنية، ويعتبر من يحاول التدخل في أعمال القضاء بهذه الصورة أو تعطيل أو رفض تنفيذ الأحكام مرتكبا جريمة مخالفة للقانون تعرضه للمحاكمة والعقاب.
حالات الطوارئ والمحاكم الاستثنائية
تشكل المحاكم العسكرية ومحاكم أمن الدولة الخاصة استثناء خطيرا لمبدأ استقلال القضاء، فالقاعدة المعروفة هي ضمان استقلال وحيدة ونزاهة المحكمة فيما يعرف «بالقاضي الطبيعي». فالمحاكم الخاصة والعسكرية تشكل عادة من غير القضاة المتمرسين في المهنة، أو حتى من غير القانونيين من العسكريين أو الأمنيين، وتشكل تلك المحاكم عادة في ظل قوانين الطوارئ، التي غالبا لا يوجد مايبررها سوى تكريس سلطة النظام الحاكم وقمع المعارضين، خلافا لما نصت عليه العهود الدولية في تقييد حالات الطوارئ وحصرها على الحالات الاستثنائية التي تهدد حياة وأمن الأمة، وأن تكون مؤقتة لمقابلة الظرف الطارئ، وأن يعلن عنها رسميا، وأن ترفع فور انتهاء أو زوال الخطر الذي يبررها.
كما أن إجراءات تلك المحاكم تكون عادة سريعة وإيجازية ولاتتيح للمتهمين فرصة الدفاع عن أنفسهم، وأن أحكام تلك المحاكم لا تخضع لإعادة النظر أو الاستئناف، إنما ترفع رأسا إلى السلطة المصدقة، وهي السلطة نفسها التي شكلت المحكمة في المكان الأول. فضلا عن ذلك فإن بعض النظم تجيز محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، الأمر الذي يخالف أبسط قواعد وأعراف العدالة.
الرقابة القضائية على دستورية القوانين
تعطى الكثير من دساتير دول العالم السلطة القضائية صلاحية إعادة النظر في القوانين الصادرة من الهيئة التشريعية للتأكد من شرعيتها الدستورية، أي عدم مخالفتها للدستور، «أبو القوانين»، الذي تعتبر نصوصه ومبادؤه هي الأكثر سموا والأعلى درجة، مما يقتضي عدم صدور قوانين تخالف ما ورد في الدستور من مبادئ وموجهات، يقتصر هذا في حالات الدساتير الجامدة التي لا يجوز أن تعدل بالتشريعات العادية، أما في الدساتير المرنة التي يجوز تعديلها بالتشريعات العادية، كما في بريطانيا، فلا مجال للحديث عن سمو الدستور أو علو درجته على القوانين الأخرى إذ إن تلك القوانين يجوز أن تعدل الدستور نفسه، الأمر الذي لا يترك مجالا لمبدأ رقابة القضاء على دستورية القوانين، أما في حالات سمو الدستور على القانون وتطبيقا لنظرية الرقابة فتنص الكثير من الدساتير علي إنشاء محكمة دستورية دائمة، أو دوائر دستورية في إطار المحكمة العليا، توكل لها تلك الصلاحية بحيث يجوز لأي من المنظمات أو الهيئات أو الأفراد المتضررين من صدور تشريع معين من الهيئة التشريعية رفع دعوى دستورية إلى المحكمة الدستورية أو العليا للطعن في مدى دستورية ذلك التشريع.
يترتب على ما تقدم أن سمو الدستور يقتضي ألا يخالف القانون أحكام الدستور الذي يفرض نفسه على جميع تصرفات واختصاصات السلطات الأخرى أو أي من أجهزتها، وتقوم الرقابة القضائية بدورها كضمان لنفاذ مبدأ المشروعية وتطبيق أحكام الدستور بعيدا عن جور السلطات العامة. وعلى رغم أن مبدأ الرقابة القضائية على مشروعية القوانين لم يرد بشكل صريح في العهود والمواثيق الدولية، وعلى رغم أن عددا من الدول العربية لا توجد بها دساتير مكتوبة، وحتى تلك التي توجد بها دساتير لم تحسم مسألة الرقابة القضائية بصفة قاطعة، فلا جدال في الرقابة القضائية على القوانين، بافتراض وجود قضاء مستقل ونزيه
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/348066.html