العدد: 676 | الإثنين 12 يوليو 2004م الموافق 24 جمادى الأولى 1425هـ

تنظيم وليس إلزاما

حتى لا يصبح الزواج بـ "الثانية" تسلية وظلما

بعد قرار المحاكم الشرعية الجعفرية بألا يتم الطلاق خارج المحكمة، اتخذت المحاكم الشرعية السنية قرارا لا يقل أهمية في تنظيم شئون الأسرة إذ قررت محكمة الاستئناف العليا الشرعية السنية إلزام قضاة الشرع والمأذونين الشرعيين بعدم إجراء عقد زواج لأي شخص يريد الاقتران بزوجة أخرى إلا بإذن المحكمة، ويأتي هذا القرار بسبب الشكاوى والقضايا المتعلقة بتقصير الازواج في الإنفاق. على رغم تعدد الاسباب والدوافع لدى الرجل للزواج من ثانية، فإن المشكلة تبقى في حفظ الحقوق واقامة العدل وغياب التشريعات التي تكفل حقوق الزوجات والابناء، فالشريعة الإسلامية حددت التقيد بزوجة واحدة في حال العجز عن النفقة خشية ان يقع الظلم. القرار لقي ترحيبا كبيرا من قطاع كبير من النساء والرجال، ما يدل على رغبة المجتمع البحريني بالإسراع في إجراء الاصلاحات في الجهاز القضائي الشرعي إلى أن يرتقي إلى درجات عليا متخطيا الشكاوى والعراقيل وعددا من الممارسات الخاطئة والتي غالبا ما تدفع الزوجة ضريبتها المجتمعية والمادية والنفسية والصحية أيضا، ويلحقها الابناء في كل هذه الأضرار.

وعود النواب

تسأل رئيسة لجنة العريضة النسائية غادة جمشير، عن الوعود التي قطعها النواب في فترة انتخابهم، وتقول إن من صوت لهم ورشحهم هم النساء بناء على وعودهم بالمطالبة بحقوق المرأة وقانون للأحوال الشخصية، إلا انهم تخلوا عن كل ذلك بعد فوزهم، وهاهم يعملون لمصالحهم الخاصة بالمطالبة براتب تقاعدي.

قانون مستمد من الشريعة الإسلامية

وتشير جمشير إلى أهمية الاسراع في إصدار قانون للأحوال الشخصية مستمد من أحكام الشريعة الاسلامية التي أعطت المرأة حقوقها كاملة على خلاف الاجتهادات الفردية، وان يشمل هذا القانون كل القضايا والأمور المتعلقة بحقوق المرأة والأسرة وان يكون منصفا وتقنن بنوده وأحكامة وإلزام المحاكم الشرعية والقضاة بتطبيقه ولا يترك المجال لضعاف النفوس من القضاة لإصدار أحكام بحسب رأيهم او "كما يراه القاضي مناسبا" فهذه العبارة يقولها القضاة وهي غير عادلة ولا تغني ولا تسمن من جوع وقد يترتب عليها إصدار أحكام ظالمة تدفع ضريبتها امرأة حكمها مزاج القاضي وهواه. وتلقي جمشير باللائمة على عدد من الخطباء ورجال الدين الذين يستغلون منابر المساجد للطعن بمطالبهم الشرعية، "فنحن النساء حقوقنا مهدورة... ولكننا سنعتصم في الشوارع وأمام المحاكم ولن يهدأ لنا بال ولن تنام لنا عين إلا بالحصول على حقوقنا الشرعية كاملة".

مكاتب ورواتب

وتنقل جمشير رأي اللجنة التي تتحدث باسمها، وذلك بالمطالبة بأهمية وجود مكاتب رسمية تحت مظلة وزارة العدل ورقابة القانون لإجراء عقود الزواج، وأن من يعقد بالمنزل لابد له من أذن مسبق من المكتب مع دفع مبلغ رمزي لا يتعدى خمسة دنانير، على أن تكون المكاتب تابعة للمحاكم الشرعية السنية والجعفرية وتؤكد أن كثيرا من الرجال من ذوي الدخل المحدود والذي يتراوح بين 002 و005 دينار، يتزوجون من "الثانية" وينجبون اطفالا وهم غير قادرين على النفقة على أسرة واحدة في الأساس لغلاء المعيشة، وبالتالي تضيع حقوق الزوجات والأبناء في الحصول على الإنفاق الجيد والتعليم والملبس والترفيه.

قصص الواقع تقول: الجري وراء الشهوات

ولو التفتنا إلى بعض القصص الواقعية، والتي قد تبدو متكررة في بعض الأحيان، فسنجد أن المشكلات التي تعيشها الزوجة الأولى ليست قليلة أبدا، وأن من القسوة أن يعرض عنها الرجل في سبيل تحقيق مآربه الشخصية أو إشباع رغباته الخاصة. فها هي ذي "هـ . ن" وهي ابنة الأربعين، وتعمل ربة بيت، وهي عضوة من لجنة العريضة النسائية تقول: "صبرت 02 سنة على ظلم زوجي وتخليه عن واجب النفقة علي وعلى الابناء لأنني أعلم ان الكثيرات مثلي لجأن إلى المحاكم ولم يحصلن على حقوقهن"، وتضيف "من أهلي قضاة ورجال دين، ولكن اين الحق؟ نحن بحاجة إلى قوانين تردع الأزواج عن ظلمهم". تكفل والد هذه المطلقة بالنفقة عليها وعلى أولادها ومصروفات البيت الأخرى بينما الزوج غارق بلهوه وشهواته مع بنات الهوى، إلى ان تزوج واحدة منهن ووفر لها البيت والنفقة، ولا تملك إلا أن ترجو أن يهديه تفكيره ألا يضيع حق اولادها بعد صبر 02 سنة في انتظار الأب المستهتر.

هروبا من النفقة

لجأت نعيمة الذوادي "ربة بيت" إلى لجنة العريضة بعد أن عانت سنوات في المحاكم من دون جدوى وتقول: "تزوج علي بعد عشرة دامت 12 سنة، لا لسبب غير نزواته وتخليه عن أبنائه الذين كثرت مسئولياتهم... حاولت معه ألا يتخلى عن نفقة الاولاد ورعايته لهم إلا انه رد علي "روحي المحكمة وكلها 03 دينارا سيطالبني بها القضاء وسأدفعها" على رغم ان راتبه يتعدى 0021 دينار". وتشير الذوادي إلى أن هذه القوانين الهينة اللينة إلى جانب الرجل، تشجعه على ممارسة الظلم والقهر للزوجة... وتعتبر أن قرار الزوجة الثانية وحده لا يكفي و"أننا بحاجة ماسة إلى قوانين اكثر صرامة وأكثر حسما وعدم الاطالة في البت في الاحكام المتعلقة بالاسرة بحيث لا تتجاوز صدور الاحكام مدة أسبوع واحد". وتستطرد قائلة إن الزوجة في هذه الحالة قد تصبر وتتقبل الأمر وإن كان على قلبها أثقل من الجبال، وكل ذلك من أجل حق ابنائها، وتحاول ان تكسب رضى زوجها حتى لا يتخلى عن مسئوليته تجاه أبنائه فيكون بذلك سببا في تشريدهم وضياعهم.

إلزام النفقة

ويدافع "غ. د" وهو موظف، "14 عاما" بالقول إن الاسباب والدوافع لتعدد الزوجات كثيرة لكنه يسأل عن القانون الذي يلزم الرجل بالنفقة وتوفير سكن لكل زوجة مع اولادها، والنفقة لابد أن تشمل إيجار البيت واللبس والطعام والمصاريف الدراسية والعلاج "فحسب علمي أن النفقة التي تحدد من قبل القاضي لا تكفي حتى لإطعام الاولاد وعليه عدم الجمع بين الزوجتين في بيت واحد بحيث يحدد له القانون عدد الزوجات والنفقة المطلوبة لكل زوجة بحسب راتبه ويلزم بذلك قانونيا"، فرجال كثيرون بحسب رأيه يتعللون بتحليل الشرع للزواج من أربع، من غير تحديد للواجبات المترتبة على ذلك. ويعجب "غ. د" من أهل الزوجة الثانية الذين يزوجون ابنتهم لرجل متزوج ومتخل عن أبنائه وزوجته الاولى، فهم كأنهم يرمون ابنتهم في النار، على حد وصفه، فبعض الزوجات الثانيات السبب في اتجاه عدد من الرجال إلى الزواج من ثانية ان احدى الزوجات قد تدفع الرجل إلى التخلي عن مسئولياته بالمشكلات التي تثيرها معه وكثرة مطالبها. ويؤكد أهمية تنفيذ هذا القرار ووضع ضوابط له بحيث لا يعقد اي مواطن خارج البحرين دون إذن مسبق من المحكمة، وفي حال المخالفة يعتبر عقده باطلا .

قرار تنظيمي

من جانبهم، يؤكد قضاة محكمة الاستئناف العليا الشرعية السنية، أن المحاكم ليست مخولة بإصدار القوانين، إذ يقول قاضي المحكمة الكبرى الشرعية السنية فريد يعقوب المفتاح ان الإجراء تنظيمي بحت "لمعالجة بعض المشكلات التي تبين لنا من خلال عملنا، انه من الأهمية والضرورة، احتواء المشكلة بوضع ضوابط وحدود لها لتقليلها والحد من تفاقمها، وليس المقصود ان المحاكم خولت لنفسها إصدار قوانين وتشريعات، متجاوزة في ذلك السلطات التشريعة، فهذا التصريح من قبل المحكمة لمعرفة مقدرة الزوج الاقتصادية والاجتماعية والصحية، وما إذا كان قادرا على تحقيق العدالة ومتمكنا من إعالة اسرتين، وفتح بيتين، والاستطاعة الواردة في كتاب الله تعالى في قوله: "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة" "النساء: 3"، وقد جاء ذلك مفسرا في حديث الرسول "ص"، حينما قال: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج..."، هذا لأننا نرى أن هناك ممن يقدم على الزواج من ثانية وربما ثالثة بينما راتبه الشهري لا يتجاوز المئتي دينار، وعندما تضيق إحدى الزوجات ذرعا من النفقة القليلة التي بالكاد يستطيع ان يوفرها الزوج، تأتي إلى المحكمة طالبة إلزام الزوج بدفع نفقة شهرية لها ولأولادها، لكونه غير ملتزم بذلك، وكذلك الزوجة الثانية قد تأتي متظلمة، فيقع هذا الزوج في إشكال". ويستطرد القاضي قائلا بأن الزوج إن لم يراع شرط الاستطاعة حينما اقدم على الزواج من ثانية، والاستطاعة هنا مادية واقتصادية وجسدية ونفسية، تتمثل في النفقة وفرض المبيت وحسن المعاشرة فكيف له أن يقبل على مثل هذا الأمر؟ "هذا لا يعني ان المحاكم بهذا الاجراء التنظيمي تحظر او تمنع تعدد الزوجات، وانما تنظم ما يكفل حقوق الزوجات ووضعت حدودا وضوابط لحفظ الحقوق".

قانون وليس القرار

وبحسب المحامية فاطمة حسن الحواج، فإنها ترى ان ما تعاينه المحاكم من قضايا الزوجة الثانية وما يترتب عليها، يحتاج إلى قانون وليس إلى قرار، "لأن القرار ممكن الطعن فيه أمام المحكمة الادارية لإلغائه، والقرار بداية لإيجاد قانون الأحوال الشخصية وهو تحول كبير في الجهاز القضائي الشرعي وذلك بسبب النظرة الدونية للمرأة وغياب القوانين العادلة التي تحميها كقانون الأحوال الشخصية وتضيف فاطمة ان هذا التحول في الجهاز الشرعي جاء نتيجة طبيعية لمعاناة المرأة داخل قاعات المحاكم وبسبب ما قامت به لجنة العريضة النسائية في فضح انتهاكات حقوق المرأة داخل المحاكم ما أدى إلى عزل القضاة ومطالبتهم "القضاء الشرعي" بتعديل أوضاعهم.

ضمان العدل

وتضيف الحواج انه قرار يخدم المرأة، لأن البحرينية تعاني من الشعور بعدم الاستقرار، فهي معرضة للطلاق ومعرضة للزواج عليها دون أية ضوابط شرعية رغم ان الله سبحانه وتعالى اشترط العدل في حال التعدد، والقدرة المادية في مفهومها الحالي غامضة وغير واضحة، فهي بحاجة إلى تحديد وإلا ستخضع للسلطة التقديرية للقاضي، كما وتعتقد ان هناك ثغرات في القرار سيستغلها الرجل الساعي إلى الزواج من أخرى، اذا لم يحول إلى قانون محدد وملزم


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/400509.html