العدد: 728 | الخميس 02 سبتمبر 2004م الموافق 17 رجب 1425هـ

أطفال يختفون بصمت

هل لنا أن نسأل الآن أين فاطمة بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة؟ انها الطفلة فاطمة توفيق التي شغلت البحرين فترة طويلة بغيابها الفاجع الذي مازال يطرح أسئلة كثيرة حتى اليوم.

قد يبدو هذا السؤال معقولا ويبدو محاولة بائسة للنبش في قضية أصبحت من الماضي. لكن فاطمة ليست مجرد طفلة هربت من منزل والدها بعدما تعرضت لإساءة لم تحتمل، بل هي حال استثنائية بكل المقاييس حال تحمل خصوصية جعلتنا نتساءل أين الخلل؟ قد تبدو فاطمة استثنائية لأنها كانت أكثر جراءة للتعبير عن الظلم الذي وقع على طفولتها فاتخذت أول قرار بحياتها ألا وهو الاختفاء بصمت. وما أصعبه من قرار.

اختفاء فاطمة ابنة 11 عاماً طرح الكثير من الأسئلة باذهاننا التي تحتاج ان نواجهها بجرأة. اين مؤسسات الدولة؟ واين دور المدرسة؟ وهل نحن قادرون على التعامل مع قضايا الاساءة والاهمال بحق الاطفال؟

الاسئلة الكثيرة وتلك المعلقة وضعناها على طاولة مديرة برنامج حماية الطفل من الاعتداء والإهمال (كن حراً) في جمعية البحرين النسائية الطبيبة سرور قاروني.

تقول قاروني: «عندما سمعنا خبر اختفاء الطفلة فاطمة التي لم تتجاوز من العمر 11 عاماً شكل لنا هذا الخبر شيئا من الغرابة. لم يكن امراً عاديا بل ابرز لنا خللا في احد جوانب مجتمعنا وبالمقابل توقعنا ان تأتي ردة فعل المجتمع بمستوى الغرابة التي لفت حادثة اختفاء فاطمة. وبالتالي انتظرنا اسبوعين لكن لم نشهد أية خطوات فعلية اتخذت بالنسبة إلى الاختفاء وبالتالي كان يتوجب علينا ان نهتم بصورة اكبر بقضية فاطمة.

وتضيف: «نحن في برنامج (كن حراً) نركز على جانب التثقيف العام لكن في حال فاطمة كانت هناك خصوصية ارتبطت بنظرة المجتمع وردة فعل الناس.

لا احبذ المقارنات بين مجتمعين يحملان خصوصيات وعادات مختلفة لكنني مضطرة لعقد هذه المقارنة وهي حادثة اختفاء طفلتين في بريطانيا قد تم استدراجهما واختطافهما في الفترة نفسها التي اختفت فيها فاطمة في البحرين. ردة فعل الناس هناك كانت اكثر وضوحاً وكذلك ردة المسئولين لدرجة ان الكثير من البرامج التلفزيونية كان يقطع بثها ويتم بث اخر الاخبار المتعلقة باختفاء الطفلتين هناك. هذه الخطوات ابرزت اهمية اختفاء الطفلتين وبالتالي تحرك اهالي المدينة التي تقطنها الطفلتان من اجل البحث عنهما.

هذا التحرك لفت انتباهي مقارنة بما حدث بالنسبة إلى فاطمة على رغم الخصوصية التي يتمتع بها مجتمعنا باعتباره مجتمعاً شرقياً مترابطاً ولدينا معرفة ببعضنا بعضاً بصورة افضل. ردة الفعل هذه أثارت سؤالاً لدينا وهو لماذا لم نتحرك بمستوى الحدث؟

وتستدرك قاروني بالقول: «لا اود ان اقلل من ردود الفعل التي حملها الكثير من الناس ازاء قضية فاطمة. كان هناك الكثير من البرامج الاذاعية التي تم اعدادها في اذاعة البحرين ولفت انتباهي الكثير من الاتصالات التي جاءت بشكل عفوي حملت مشاعر جياشة اتجاه هذه القضية. لاشك في ان الكثير من الناس تعاطفوا لكن تعاطفهم لم يترجم بالشكل المطلوب في حال اختفاء طفلة تحدث لاول مرة في البحرين على هذا النحو.

هذا الوضع اعتبرناه امرا غير طبيعي وضعنا امام حاجة للارتقاء بمفاهيم المجتمع حول الطفل. هنا في مجتمعاتنا هناك حال من الخلط في نظرتنا حيال الطفل. فهناك مفهوم سائد ان الطفل ملك الاسرة وبالتالي يغيب دور الدولة ومؤسساتها باعتبارها شريكاً اساسياً لحماية الطفل. من هذا الخط انتقلنا على رغم قلة خبراتنا في التعامل مع قضايا اختفاء اطفال وحاولنا ان ننقل الكيفية التي تم التعامل بها مع قضايا اختفاء اطفال حدثت في دول اخرى على رغم خصوصية مجتمعنا وعدم ملاءمة الكثير من الافكار لما قد يتم تقبله في مجتمع خليجي مثل مجتمع البحرين.

وتضيف: «قمنا بحملات دعائية تحمل صورة فاطمة وكانت هذه التجربة الاولى بالنسبة إلى دول الخليج. كانت هناك حال من الحذر بالتعامل مع أية فكرة نود تقديمها بحيث تتلاءم مع ثقافة مجتمعنا بعدها سارعنا بنشر نداءات باللغة العربية والانجليزية والاوردو والتيغالو لكي نثير اهتمام اكبر الجاليات الأجنبية التي تعيش في البحرين. حرصنا ايضا على استغلال أية ندوة أو مناسبة للتحدث عن قضية اختفاء فاطمة.

الحقيقة لم نشهد تفاعلا كبيرا من قبل الناس فمعظم الناس الذين اتصلوا كان الهدف من الاتصال الاستفسار عن ظروف اختفاء الطفلة اكثر من الإدلاء باية معلومات قد تفيد للوصول اليها.

بعدها عرضت إحدى السيدات مبلغ 1000 دينار مكافأة مالية لمن يعثر على فاطمة وبعدها تقدم شخص آخر وتبرع بمبلغ مكافاة مالية واصبح المبلغ 2000 بلا شك ان الاتصالات زادت لكن لم يكن هناك أية معلومات جادة.

الحقيقة جهودنا كانت محدودة لاننا باعتبارنا جمعية لا نملك أية صلاحيات للتحدث مع والد الطفلة. وكما ذكرت دورنا يتركز على الجانب التثقيفي بشكل عام لكن حال فاطمة خلقت خصوصية معينة بالنسبة إلينا وهذا ما دفعنا لإرسال نداء لسمو رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة بحيث يتم تكثيف الجهود في عملية البحث عن فاطمة وإعطاء هذا الموضوع أولوية كبيرة في أجندة عمل الجهات المختصة.

بعدها جاء نداء جلالة الملك الذي أبدى اهتماماً كبيراً بقضية فاطمة.

وبناء عليه جاء الرد من القيادة العليا بان هناك اهتمام كبير بهذه القضية وفعلاً تم تكثيف الدوريات والإجراءات الأمنية التي عادة ما تتخذ في مثل هذه الحالات».

كيف كان التفاعل الإعلامي مع قضية اختفاء الطفلة فاطمة؟

- تقول قاروني: «لا شك في أن إذاعة البحرين لعبت دوراً متميزا على الصعيد الإعلامي بالنسبة إلى قضية فاطمة. اما بالنسبة إلى التلفزيون فقد خصصت حلقة خاصة في برنامج (حياكم معانا) للتحدث عن الموضوع نفسه، لكن فكرة وضع صورة الطفلة في قناة البحرين بحيث إذا رآها احد أن يبلغ الجهات الأمنية لم تلق ترحيبا من قبل المسئولين هناك. اما الصحافة المحلية وللأسف كان هناك تقصير واضح من قبل الكثير من الكتاب والصحافيين في عملية الاهتمام بقضية اختفاء فاطمة.

وعندما جاء نداء صاحب الجلالة بقضية الطفلة فاطمة دفع هذا الاهتمام الكبير من جلالته الكثير من الصحف المحلية لإبراز اهتمام اكبر بقضية الطفلة».

تتوقف قليلا قبل ان تضيف: «لا اخفي عليك لم يكن موقف الكثير من الصحافيين على مستوى الحدث قبل أن يوجه الملك هذا النداء الأبوي للطفلة فاطمة».

«الحقيقة لم يكن هناك أية جهة إعلامية تتبنى الموضوع بشكل مكثف لكي تسهم بشكل فعال باهتمام المجتمع في قضية تكتنفها الغرابة مثل قضية فاطمة (...) لا شك في أن التفاعل مع نداء الملك أمر ايجابي لكن لماذا لم يبرز هذا الاهتمام الإعلامي قبل النداء على رغم المدة التي انقضت على غياب الطفلة؟ لا اود التركيز فقط على قضية فاطمة بشكل محدد بقدر ما أود ان أركز على تفاعل الجهات الإعلامية مع اختفاء طفلة بهذا الشكل».

سألناها: هل تعتقدين أن مستوى التفاعل مع قضية اختفاء فاطمة يبرز خللاً اجتماعيا لدينا في التعامل مع قضايا من هذا النوع؟

- تقول قاروني: «نعم هناك خلل اجتماعي عن كيفية تعاملنا مع قضية اختفاء فاطمة. هناك من يعتبرها قضية اختفاء طفلة وهي ليست كذلك بل قضية اساءة معاملة طفلة طرحت حولها الكثير من السيناريوهات».

«قضية اختفائها جاءت في بلد فيه قانون ينص على ان الاطفال هم في حماية الدولة وبالتالي لم يحدث تفاعل مع هذه القضية باعتبارها قضية اساءة معاملة الطفلة قبل ان يكون مجرد هروب او اختفاء».

وتضيف: «في قضية فاطمة هناك إساءة أسرية وقعت من قبل والدها بالدرجة الأولى باعتباره الشخص المسئول عنها ولكن من هي الجهة التي كان يفترض ان تكتشف هذه الإساءة؟

هنا يأتي دور المدرسة، تقول قاروني، «هل هناك التفات من قبل دور التعليم لأي حال إساءة قد يتعرض لها طفل باعتبار المدرسة مؤسسة تربوية وتعليمية في آن واحد؟ لكننا لا نستطيع ان نلقي باللوم على المدرسة لان الخلل يبدو في الشكل التربوي والاجتماعي ونظرتنا لقضايا قد تحدث من هذا النوع.

وهنا نطرح سؤال: هل لدى المشرفة الاجتماعية تدريب كافٍ لكي تستطيع التعرف على ان هذا الطفل تعرض لاساءة معاملة والكيفية التي يتوجب ان تتعامل معها؟ وفيما لو عرفت ان هذا الطفل تعرض لاساءة هل هناك جهة معينة تستطيع ان تتصل بها لكي تتعامل مع هذه المشكلة بالشكل المناسب؟

- وتستدرك قائلة: «في كل دولة قانون يختص بهذا الجانب ولذلك لابد من وجود آلية لتفعيل هذه القوانين والبحرين من الدول الموقعة على اتفاق حقوق الطفل ولكن السؤال هو: هل نستطيع ان نحمي أطفالنا؟ لا شك في ان الكثير من الأسر التي تتعامل بالشكل الطبيعي مع أطفالها ولا توجد هناك أية مشكلات يعاني منها الطفل في كنف أسرته لكن بالمقابل هناك بعض الأطفال يعيشون في كنف اسر تعمل على إساءة معاملتهم بشكل كبير ولكن هناك غياب للوعي التثقيفي لحقوق الطفل وما يترتب عليه الإساءة للأطفال(...) لابد ان يكون هناك منفذ للطفل كي يلجأ إليه فيما لو تعرض لإساءة كبيرة من قبل أسرته او من يتولى تربيته».

تستحضر قاروني نتائج عملية الاستبيان التي قام بها برنامج (كن حراً) بشأن نظرة المجتمع لموضوع اختفاء فاطمة إذ تشير إلى ان الكثير من الناس لم يبدوا اهتماماً فعليا بالاتصال أو الاستفسار عن تطورات قضية اختفاء فاطمة إلا إذا نشرت الصحف أي خبر يتعلق بالقضية لكن لم يكن هناك اندفاع عفوي من قبل الناس. هذا الأمر يقدم شكلا سلبيا حول التفاعل مع قضية من هذا النوع.

وتضيف: «لم نشهد أي عمل تطوعي من قبل مجموعة من الأفراد للتطوع في البحث عن فاطمة على غرار ما حدث مثلا في بريطانيا عندما قام أهالي البلدة التي فقدت بها طفلتان وقاموا بالضغوط على الجهات المسئولة هناك من اجل البحث عن الطفلتين هناك وعلى إثرها اتخذت إجراءات حازمة بهذا الشأن.

اظهر الاستبيان ايضا ان هناك اطفالاً كانوا يعتقدون ان هناك الكثير من الاطفال يتعرضون لما تعرضت له فاطمة ولكنهم لا يملكون الجرأة للهروب من منزل والديهم.

وتستدرك قاروني بالقول: «لقد نشر هذا الاستبيان في الصحف المحلية لكن الاستفادة من هذا الاستبيان ومحاولة تطوير سبل التعامل مع مشكلات العنف ضد الاطفال لم يتم الارتقاء بها بعد. اعتقد انه كان من المفترض ان يكون اختفاء فاطمة درساً قاسياً يتوجب ان نتعلم منه الكثير وان نلتفت إلى هذه المشكلة بشكل اكثر جدية.

وتروي قاروني قضية طفل كان قد هرب من منزل والده بعدما دأب الأب على الإساءة للطفل والتعرض له بالضرب وعندما ذهب الطفل للشرطة كي يشتكي سوء المعاملة تمت إعادته للمنزل ما اضطره للهرب وعندما تم العثور على الطفل بعد يومين تم إحالته إلى مستشفى الطب النفسي لانه تجرأ وقدم بلاغا ضد والده الذي يسيء معاملته.

وتعلق قاروني: «قد يكون هذا الطفل اكثر جرأة من غيره لكن تعامل الجهاز الامني مع قضيته قدم درسا لاطفال غيره بان لا يتجرأوا يوما على تقديم أي بلاغ مهما كان حجم الإساءات التي يتعرضون اليها من قبل اسرتهم او القائمين على تربيتهم».

وتشير الى ان برنامج (كن حراً) ينوي حاليا تدشين خط ساخن مع نهاية هذا العام لتلقي البلاغات عن أية حالات عنف تمارس ضد الاطفال، لكن قاروني لا تبدو متفائلة كثيرة بفكرة الخط مالم يتم اشارك جهات حكومية لتحقيق الهدف المنشود من هذا الخط.

تقول: «لا يمكن ان يحقق الخط الساخن الكثير ما لم تشارك معنا الكثير من الجهات الحكومية وعلى رأسها وزارة الداخلية ووزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة والجمعيات المهتمة بهذه القضية بحيث يكون مشروعا وطنيا يستطيع التعامل مع هذه القضايا بالشكل اللازم». وتضيف: «اما اذا ترك الامر لجهود برنامج (كن حرا) فلا ننسى اننا لا نملك أية صلاحيات للتدخل في اية قضية يتم الاساءة فيها لاي طفل. قد نستطيع ان نقدم الجانب الارشادي واكساب الاهالي بعض المهارات للتعامل مع ابنائهم لكننا لا نملك الجانب الفعلي او التدخل باية اسرة كجمعية مهتمة بشئون الطفل او تغيير أي واقع غير مرضي بالنسبة إلى الاطفال».

وتشير إلى انه عندما يكون لدى وزارة التربية والتعليم مشرفات مدربات يستطعن التعرف على حالات الإساءة للأطفال وان يتم التعاون مع لجنة حماية الطفل الموجودة بوزارة الصحة سيتحقق الكثير. ايضا وزارة الداخلية باعتبارها الجهة التنفيذية لتفعيل قانون حماية الطفل. حاليا لا يوجد لدى وزارة الداخلية آلية واضحة للتعامل مع أي حال من هذا النوع. وبالتالي في الوضع الحالي لا يمكن حل مشكلة او منع حدوث ما حدث مع فاطمة من دون وضع استراتيجية واضحة لدى الوزارات المعنية».

وتشير قاروني إلى ان لوزارة الاعلام دورا كبيرا تستطيع ان تلعبه في هذا الشأن من خلال الجانب التثقيفي المبرمج.

تقول قاروني: «اقدر دور اذاعة البحرين التي تعاونت بشكل كبير مع قضايا تخص الطفل من خلال برنامج اسبوعي يذاع كل يوم احد كان يتم طرح الكثير من القضايا، لكن للأسف حتى الآن دور التلفزيون مغيب ولم يرتق الى الشكل المناسب. بالتأكيد نحن لا نود ان نعكر صفو الناس بطرح مشكلات وهموم اسرية بقدر ما نود ان تكون هناك مساحة تحمل الكثير من المكاشفة ومواجهة قضايا تحدث في مجتمعاتنا قد نسهم بشكل فعال بتجنب حدوثها او التقليل من نتائجها».

وتزيد: «بالتأكيد الظروف تغيرت بفعل التقدم وانتشار الفضائيات وما لم نكن نستطيع التحدث عنه قبل 20 عاماً أصبح الآن بالإمكان التحدث عنه بشكل أكثر وضوحاً، أيضا لا ننسى انتشار وسائل الاتصال وخصوصا الشبكة الالكترونية «الانترنت» التي خلقت مجالا كبيرا للفرد للاطلاع ومعرفة الكثير من القضايا الاجتماعية إذاً لا يمكن تغييب دور الجهاز الإعلامي عن الاهتمام بهذه القضايا»


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/405713.html