العدد: 716 | السبت 21 أغسطس 2004م الموافق 05 رجب 1425هـ
السينما العربية
تاريخ عريق بالأعمال... والهموم والنكبات
تسيطر السينما المصرية على الشاشة العربية بسبب انتاجها الوافر من الأفلام الجماهيرية التي تسير على خطى أفلام هوليوود، وقد جاءت بدايات السينما المصرية مع بدايات القرن الماضي، ومع حلول العام 1917 كان هناك 80 دار عرض سينمائي في مصر وفي العام 1925 أدى دخول بنك مصر مجال الانتاج السينمائي الى انتاج أول فيلم مصري وهو فيلم ليلى الذي قدم في العام 1927 وكان من اخراج سيتفان روستي. ويتناول الفيلم قصة حب واستغلال وخيانة وسقوط وقد مثل بداية لسلسلة طويلة من أفلام المليودراما، كما تعد بطلته عزيزة أمير واحدة من أنجح منتجات الأفلام النساء، اللاتي تعتبر أسيا داغر أشهرهن.
ولكن السينما المصرية برزت مع ظهور السينما الناطقة خلال فترة الثلاثينات، في الوقت الذي كان الراديو فيه قد جعل مغنيّ مصر مشهورين في العالم العربي، كما قامت شركات التسجيل الكبرى مثل اوديون وبيدافون بتشجيع المغنين الذين تتعاقد معهم على الظهور في الأفلام التي تنتجها هذه الشركات. وبهذا ضمنت الشركات اقبال الناس في باقي اقطار العالم العربي على مشاهدة أفلامها، إذ كان الدافع الأساسي هو مشاهدة مغنييهم المفضلين مثل ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب وليلى مراد، على رغم عدم اعتياد الجمهور العربي على اللهجة المصرية وقد استمر الحال كذلك حتى نهاية الأربعينات.
كان عبدالوهاب ملحناً كبيراً للموسيقى العربية وقد نجح في ادخال الايقاع والغناء المسرحي لموسيقى الجاز والرقص اللاتيني الى الأفلام، وذلك ليخفف من النمط الموسيقي التقليدي المتكرر (بمقدمته الموسيقية الطويلة والبطيئة التي تصل الى 20 دقيقة تقريباً) وهو الذي كان ناجحاً في الأداء المباشر على المسرح ومشهور جداً، لكنه لم يكن يناسب الأفلام. ومن المغنين الذين كانوا نجوماً شادية (التي قدمت 72 فيلماً)، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش وشقيقته اسمهان التي قضى موتها على مستقبلها الواعد في مجال الغناء.
خلال فترة الثلاثينات مول بنك مصر ايضا قطاع السينما بارساله فنيين الى الخارج للتدريب واسس استوديو مصر في العام 1935، أدى ذلك الى زيادة في انتاج الأفلام من ستة في العام 1933 الى 17 في العام 1936. تم بعدها انشاء استوديوهات اخرى، وارتفعت أجور الفنانين كما هو الحال في هوليوود، وبالاضافة للأفلام الموسيقية الكوميدية فقد ظهرت المسرحيات الهزلية والأعمال الميللودرامية، التي تتضمن مشاهد الاغراء، والايحاء بالاغتصاب، والزنا، والقتل، والانتحار. أما أول سيدة للشاشة العربية فكانت فاتن حمامة التي لعبت أدوار اليتيمة والسندريلا كما في فيلم (يوم سعيد، لمحمد كريم، في العام 1940، ولحن الخلود لهنري بركات في العام 1959) وبعدها جسدت أدواراً يصعب على النساء القيام بها كما في فيلم (الحرام 1964، ولا عزاء للسيدات 1979، ليلة القبض على فاطمة 1984). في العام 1953 قدمت حمامة دور البطولة مع ممثل سوري لبناني مسيحي غير معروف هو الممثل مايكل شلروب، في فيلم المخرج يوسف شاهين صراع في الوادي. هذا الممثل الذي تحول للاسلام بعدها غير اسمه الى عمر الشريف وتزوج منها بعد ذلك ليظهرا معا في عدد من الأفلام التي قدمها شاهين منها صراع في الميناء (1956) ثم في فيلم لا أنام (1958) ونهر الحب (1960).
ومن بين المخرجين الأوائل نيازي مصطفى الذي بدأ عمله في الاخراج بفيلم كوميدي حقق نجاحاً كبيرا هو فيلم سلامة في خير الذي عرض في العام 1937، كما أصبح مصطفى معروفاً باخراج افلام الحركة (التي قام ببطولة معظمها فريد شوقي)، ومن بين المخرجين الأوائل كذلك كان هناك فطين عبد الوهاب، المعروف باخراجه للأفلام الكوميدية. أما صلاح أبو سيف فربما يعتبر اكثر المخرجين انتاجاً فقد عمل مع كل المخرجين وقدم جميع انواع الأفلام، وقد اطلق عليه يوسف شاهين لقب «اعظم مخرجي مصر»، وقد اشترك مع نيازي مصطفى في عمل عدد من الأفلام في نهاية الأربعينات لروايات تتحدث عن ابطال وشعراء فترة ما قبل الاسلام، مثل قصة حب عنتر ابن شداد لعبلة. وفي العام 1952 قدم ابوسيف فيلما صور لأول مرة أحد الأحياء الشعبية الفقيرة بالقاهرة وهو فيلم «الأسطى حسن» الذي كان مبنياً على فكرة قدمها نجمه فريد شوقي. وكان ابوسيف أحد المخرجين الذين عملوا مع نجيب محفوظ كما في فيلم بداية ونهاية في العام 1951. في العام 1970 قدم أبو سيف فيلم «فجر الإسلام»، الذي حقق نجاحا كبيرا في العالم العربي، لكنه أتبعه بفيلم «القادسية» الذي أخرجه في العراق في العام 1981 وقد فشل فشلاً ذريعاً.
أما امكان وجود سينما اكثر واقعية فقد اثبتت حين قدم المخرج كمال سليم فيلم «العزيمة» في العام 1940 وهو الفيلم الذي شكل علامة بارزة في السينما العربية، لكنه لم يعرض إلا بعد ثورة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبدالناصر في العام 1952.
أثرت خسارة فلسطين ومآسيها في نفوس كل العرب في جميع أنحاء العالم العربي، وما عزز شعورهم ذاك هو استمرار الاستعمار الأوروبي لعدد من الدول العربية، وكذلك طرح ناصر لفكرة الوحدة العربية وقيامه في العام 1956 بتأميم قناة السويس، الأمر الذي اثار البريطانيين والفرنسيين والاسرائيليين فقاموا بشن هجوم مشترك على مصر أدى الى حرب عربية اسرائيلية ثانية. تلك المرحلة التاريخية اثمرت الكثير من الأفلام التي جاءت لتناقش القضية الفلسطينية وتناقش الأوضاع الجارية من بينها فيلم المخرج أحمد بدر خان الله معنا (1956).
في العام 1967 وبعد حرب الأيام الستة التي مني العرب فيها بهزيمة نفسية وعسكرية أدت الى استيلاء «اسرائيل» على القدس وقطاع غزة والضفة الغربية وهضبة الجولان، تم انشاء مؤسسة للسينما الفلسطينية، مبدئياً لتوثيق النضال الفلسطيني. في هذه الفترة كانت هناك ثروة ثقافية، تتكون على وجه الخصوص من قصائد محمود درويش، وسميح القاسم والسوري ادونيس أو أغاني شيخ امام من مصر وفيروز من لبنان. وقد كان فيلم المخرج توفيق صالح «المخدوعون» في العام 1971 وبرهان قلعاوي «كفر قاسم» (1974) ، كلا العملين من انتاج سوري، جاءا من وحي تجربة الحرب مع «اسرائيل». وقد اخذت قصة فيلم «المخدوعون» من رواية للكاتب الفلسطيني غسان كنافاني، رجال تحت الشمس، التي تتحدث عن ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول الى الكويت للحصول على حريتهم ولمحاولة ايجاد عمل، ولكن وقود شاحنتهم ينفذ أثناء الطريق. أما فيلم (كفر قاسم) فهو مأخوذ من قصة حقيقية جرت أحداثها في العام 1956 حين تم قتل 49 قروياً كانوا في طريق عودتهم من العمل في الحقول، وذلك بسبب حظر للتجوال فرضه المسئولون الإسرائيليون بشكل مفاجئ ومن دون ان تصل اخباره الى مسامع الضحايا. كما تناول الجزائري سليم رياض القضية الفلسطينية في فيلمه «سنعود» الذي قدم في العام 1972.
واذا كان العام 1967 قد اثار الحماس واعاد ثقة المثقفين في العالم العربي بالسينما العربية، فإن هناك صدمة اكثر رعباً تنتظر هذه السينما الجديدة، وقد تمثلت في زيارة السادات الى القدس في العام 1977. وقد بدت آثار هذه الصدمة واضحة في الأعمال السينمائية التي ظهرت بعد غزو «اسرائيل» للبنان في العام 1982، وهي صدمة اخرى هزت المثقفين العرب الذين فقدوا توازنهم في بادئ الأمر بشكل دعا الشاعر اللبناني المسيحي خليل حاوي يقوم باطلاق النار على نفسه بسبب حال اليأس التي اصابته وهو يرى القوات الاسرائيلية على مشارف بيروت، بينما تراقب الحكومات العربية ما يجري بصمت من دون ان تحرك ساكنا. هكذا وبعد خمسة أعوام، وجد الكاتب المغربي طاهر بن جالون الفائز بجائزة بريكس غونكورت للأدب، أنه لم يبق للمثقف العربي سوى الصورة والوثائق المصورة التي تجول العالم عن طريق الأقمار الاصطناعية لينقل للآخرين صور الأراضي المحروقة والصرخات المخنوقة للأطفال الجوعى.
كذلك رأى مثقفون آخرون كنوري بوزيد انه يجب على العرب ان ينظروا لأنفسهم بعد ما حل بهم وان يواجهوا ذاكرتهم، ويحكموا عليها. كما دعا الى ازاحة الستار عن الصورة المشوهة التي يقدمها الغرب للعالم العربي
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/410403.html