العدد: 755 | الأربعاء 29 سبتمبر 2004م الموافق 14 شعبان 1425هـ
في احتفالات كبيرة رددت فيها الأناشيد والجلوات
قرى ومناطق البحرين تبتهج بليلة النصف من شعبان
تحولت معظم قرى البحرين وأحياء المدن ليلة أمس إلى ساحة أفراح واحتفالات ومهرجانات، إذ تفننت كل منطقة وفق إمكاناتها المادية والمعنوية في التعبير عن ابتهاجها بذكرى مولد الإمام المهدي (ع). وتبادل الناس التهاني بهذه المناسبة، وحمل الأطفال أكياسهم في الممرات والأزقة يرددون «ناصفة حلاوة... على النبي صلاوة»، وتعالت في المقابل أصوات المكبرات من المآتم مرددة الجلوات الدينية، والخطابات الاحتفائية من حناجر بعض علماء الدين ووجهاء مناطق البلاد المختلفة.
وفي قرية المعامير شيّد بمحاذاة مدخلها باب لقلعة امتدت أسوارها على جنبات الشارع، كما تحولت جدرانها إلى شاشات عرض سينمائية، مسلطة عليها أنوار «البروجكترات» وهي تعرض بعض المواد الفيلمية المرتبطة بهذه الاحتفالية، وانتشرت «بوفيهات» الطعام والشراب على امتداد شوارع المعامير للزوار، في حين نصبت عرشان قديمة على أنغام «الفلكلور» الشعبي، تكسوها الإكسسوارات القديمة من فنرات ومديد، بالإضافة إلى بناء منابع عيون ارتوازية يقوم عليها أفراد يرتدون حللاً قديمة من الأزر والـ «قحافي»، وذلك رغبةً من أهالي القرية في إحياء واقع المعيشة قديماً وربطه بأفراح الأهالي بليلة النصف من شعبان.
المحافظات - حيدر محمد وعلي العليوات
كنا صغارا، والكثير منا يتذكر فرحتنا العفوية كأطفال بليلة النصف من شعبان التي نسميها شعبيا بـ «الناصفة»... هذه الليلة بزهوتها، كنا نتهيأ لها بملابسنا الجديدة، بينما أمهاتنا منشغلات بتجهيز المنزل والاستعداد لساعات جميلة، ولا تزال الأجيال ملتزمة بالتفاصيل ذاتها، ففرحة الأطفال تتكرر وزهوة الأمهات تعاد في كل عام.
بعد غروب الشمس لم تكن أبوابنا تعرف الهدوء، طفل يخرج وطفلة تدخل، وهم يرددون أهازيج متوارثة وراسخة في الموروث الشعبي في ذاكرتنا البحرينية، ويرتدون أزهى الحلل الشعبية التي طالها الابتكار والتجديد في الأعوام القليلة الماضية.
وتكتسي هذه الليلة أهميتها من الناحية الدينية أيضا، نظرا لكونها للأحاديث النبوية التي تقول إن في هذه الليلة نزل القرآن كله من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، على رغم ضعف هذه الروايات، وفي هذه الليلة أيضا تم تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، فيما حض الرسول الأكرم (ص) على صيام شعبان والليالي البيض منه، لأنه في شعبان ترفع الأعمال.
إذاً فليلة النصف من شعبان المباركة ليست مناسبة شيعية بحتة، فلدى أهل السنة أن هذه الليلة فاضلة تماماً مثلما يحتفل المذهب الامامي بولادة الإمام المهدي، آخر الأئمة الجعفريين.
فالموروث الديني يختزن الكثير عن فضل هذه الليلة وحوادثها الدينية والتاريخية. وفي السنوات القليلة الماضية، عرف البحرينيون مظاهر احتفالية جديدة لم تكن معهودة من قبل في محافظات المملكة الخمس من مدن وقرى التي تعيش عرسا حقيقيا دونما مبالغة.
اليوم نفتح «نوافذ» عدة على مظاهر إحياء هذه المناسبة السعيدة من مناطق متفرقة من ربوع هذا الوطن العامر.
العاصمة: مسيرة كرنفالية مميزة
العاصمة المنامة حازت على نصيب واسع من الحضور الجماهيري المكثفف الذي تحمل عناء المجيء من مختلف مناطق البحرين لمشاركة المنامة احتفالاتها الكثيرة والمميزة. فعصر أمس - وكما كل عام - استقبلت مقبرة الحورة آلاف المواطنين الذين قدموا لزيارة ذويهم الموتى، وهي عادة جداً قديمة لاتزال متبعة حتى وقتنا الحالي. وعلى طول الطريق المؤدي الى شوارع المقبرة تتناثر الورود والمأكولات الشعبية التقليدية والورود والرياحين وماء الورد. وبالتنسيق مع المؤسسات المعنية أغلقت بعض منافذ المنامة القديمة تحاشيا لحالة الازدحام الكبيرة.
وللعام الثاني على التوالي تقيم جمعية سيد الشهداء الخيرية مهرجان القائم في ليلة النصف من شعبان بالتزامن مع ولادة الإمام المهدي (ع) بالقرب من المقبرة. وأشار رئيس اللجنة الإعلامية في الجمعية عبدالرضا علي الى أن مهرجان القائم الخيري الأول لمساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين الذي أقيم في العام الماضي بمقبرة المنامة - التي تشهد سنويا تجمع الآلاف من المواطنين لزيارة ذويهم الموتى - قد حقق نجاحا منقطع النظير في تجربته الأولى إذ لقي تجاوبا شعبيا من فئات المجتمع كافة بدأ من الصغار دون السادسة والشباب والنساء والرجال والشيوخ».
وفي سؤالنا لأحد المتبرعين محمد جاسم عن رأيه في هذا المهرجان قال «إنني سعيد للغاية أن تتبنى جهة موثوقة مثل هذه المشروعات الخيرية والتي ساهمت وبشكل كبير في رفع المستوى المعيشي للفقراء والمحتاجين ومساعدة بعض طلبة الجامعيين المحتاجين عن طريق مهرجان الإحسان».
وعن الشيء الذي أثار إعجابه في المهرجان يجيب محمد أعجبتني الهدية التي تسلمتها بعد التبرع، وهذه الهدية على رغم رمزيتها كانت تحمل قيمة معنوية عالية بالإضافة إلى توزيع البالونات على الأطفال وغيرها»، متمنيا على الجهات الرسمية والشعبية ورجال الأعمال وذوي الأيادي البيضاء أن تساهم في هذا المشروع الخيري الذي ينصب في التخفيف من كاهل العائلات المعوزة والفقيرة في مختلف مناطق البحرين».
وبعد صلاة المغرب مباشرة بدأت الاحتفالات في مختلف مناطق العاصمة، وخصوصاً في أحيائها القديمة،إذ توافد الآلاف لإحياء هذه المناسبة في المساجد والمآتم بل وحتى الشوارع شهدت هذا العام الكثير من المظاهر الاحتفالية الجديدة ومنها المسيرة الكرنفالية التقليدية «الزفة» والتي أشترك فيها الأطفال وهم يجوبون الطرق والمآتم، تتعالى أصواتهم بترديد عدد من أهازيج الفرح القديمة حاملين على أعناقهم أكياس «الناصفة».
وفي السنوات الأخيرة عكف المواطنون على التنافس فيما بينهم على تزيين منازلهم لهذه المناسبة وفيما يوزعونه في تلك الليلة، فتتنوع الأشكال والسلال التي توزع بالمناسبة بروح المنافسة ذاتها، ما قاد إلى رواج بضاعة كهذه في هذا التوقيت وبالمقابل راجت أيضا محلات بيع الهدايا والزهور التي تنشط في هكذا أيام لا تختلف كثيرا عن ليلة القرقاعون.
وليس بعيدا عن العاصمة، تتم الاستعدادات في البلاد القديم لهذه المناسبة على عدة مستويات، فتزين شوارع القرية بالأضواء المختلفة، وترفع الأعلام الملونة في الشارع الرئيسي، وتعلق بعض المنازل الزينة، وتفتح المآتم أبوابها لقراءة «المولد»، وتوزع الحلويات ابتهاجا بالمناسبة، وتستعد العوائل بشراء أكياس جمع الحلويات لأطفالها، إضافة إلى شراء الحلويات لتوزيعها على الأطفال المهنئين الذين يدورون على البيوت.
وتعيش جزيرة سترة في ليلة النصف من شعبان المباركة أفراحا مميزة على أنغام الموسيقى والأناشيد، في ظل تجمع الأهالي وزيارة آخرين من القرى المجاورة، وتزين البيوت والشوارع ويتفنن الشباب في إظهار الحفل بأبهى صورة.
ليلة الوحدة الوطنية
وفي العام الماضي وهذا العام أيضا تعيش محافظة المحرق أجواء جميلة من الوحدة الوطنية، إذ ينظم مجلس السكران احتفاله السنوي مساء يوم الجمعة المقبل. وعن تفاصيل الاحتفال الذي يحضره وزراء ومسئولون ومواطنون من كلا المذهبين تعبيرا عن الوحدة الوطنية التي يتميز بها أهالي البحرين عموما وأبناء المحرق بشكل خاص. ويقول رئيس اللجنة المنظمة للاحتفال السنوي عبداللطيف السكران إن مهرجان هذا العام «يقام بالتعاون بين مجلس السكران في المحرق ومحافظة المحرق، وسيحضره نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الشئون الإسلامية الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة ومحافظ المحرق سلمان بن هندي وعدد من كبار المسئولين، إضافة الى لفيف من العلماء والمواطنين، وسيحضره وكيل المرجع الديني السيدعلي السيستاني في دولة الكويت، وقد شكلت لجنة للاستقبال يرأسها رئيس بلدي المحرق محمد الوزان».
أما منطقة القضيبية ستشهد مساء اليوم (الخميس) مهرجان الاحتفال المركزي. وأوضح رئيس لجنة الاحتفال بمأتم «خدا رسون» (مكان الاحتفال) أن المأتم سينظم هذا الاحتفال الكبير بمشاركة الشيخ عيسى أحمد قاسم، ومحافظ العاصمة الشيخ حمود بن عبدالله آل خليفة، ورئيس المجلس البلدي بمحافظة العاصمة مرتضى بدر، وموفد من السفارة الإيرانية في المملكة مشيرا الى أن الحفل سيتضمن عدة فقرات منها «أناشيد لفرقة أبي تراب، واستعراض فني لكشافة الإمام المهدي، وجلوات للرواديد، كما يوجد معرض فني لدعم الانتفاضة الفلسطينية التي تدشن عامها الخامس ومجسم خاص بمدينة القدس.
ومن جانبه أعلن صندوق اسكان عالي الخيري عن تنظيم «مهرجان القرقاعون الثالث» مساء اليوم، وسيشتمل المهرجان على حزمة من الفعاليات أهمها المسابقات والجوائز والألعاب الرياضية وتلوين الوجوه بجانب مشاركة الفنان الشعبي علي مهنا، وسيقام المهرجان بملعب نادي عالي. ومن المحرق الى سترة التي أختنقتها روائح البخور وابتسم أطفالها بجو احتفالي في كل مآتم سترة ومجالسها وانتشرت «البوفيهات» في شوارع سترة.
قد لا يعرف البعض أن لهذه الليلة بعدا روحيا، فالكثيرون يستغلون هذه الليلة في الذكر والعبادة وقراءة الأدعية حتى وقت متأخر من الليل. كما أن الموروث الديني حافل بالروايات والأحاديث التي تتحدث عن فضل ومنزلة هذه الليلة وتبشر من يحيها. وقد أشارت عدد من الأحاديث (مع ضعف بعضها) الى أن هذه الليلة تصادف حدث نزول القرآن من السماء السابعة الى السماء الدنيا، كما أنها أيضا الليلة التي حولت فيها وجهة القبلة من المسجد الأقصى الى المسجد الحرام، وتحض بعض تلك المرويات الى صيام يوم الخامس عشر من شعبان، وهي سنة متبعة في عدد من الدول الإسلامية وفي البحرين أيضا.
في (ليلة النصف من شعبان) يختلط فيها الروحي بما هو اجتماعي؛ ولربما أن منشأهما واحد، فالكل أبدع ووضع لمساته ليزيد هذه الليلة المباركة جمالا، فالشاعر يقدم أفضل ما خطته يداه من كلمات، والمنشد يصدح بأعذب الألحان لتنقضي ليلة جميلة من ليالي البحرين، وننتظر عودتها العام المقبل، والى ذلك الحين نقول «ناصفة حلاوة... وبحريننا بألف خير»
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/413768.html