العدد: 856 | السبت 08 يناير 2005م الموافق 27 ذي القعدة 1425هـ
كتاب صدر في أوروبا عن تاريخ الكرة البرازيلية القديمة والحديثة
الجميع يلعب الكرة ويشاهدها وكأنه في احتفال قومي
كل أمة كبيرة مولعة بلعبة كرة القدم مرت بتجربة مريرة. مازال الألمان منذ العام 1966 حتى اليوم يشعرون بألم وحسرة كلما شاهدوا فاصلا من المباراة النهائية التي جرت في صيف ذلك العام على أرض ملعب ويمبلي شمال لندن بين المنتخب الإنجليزي والمنتخب الألماني وانتهت بنتيجة 4/2 لصالح الفريق الإنجليزي.
وكان هدف جيفري هيرست هو الذي حسم المباراة قبل أن يسجل هيرست الذي كان حينها يلعب لفريق تشيلسي اللندني الهدف الرابع. وما إذا كانت الكرة التي أرسلها هيرست تخطت خط المرمى أم لا فإن هذا الموضوع شغل خبراء اللعبة سنوات طويلة. لكن حكم المباراة احتسب الهدف وتسبب بصدمة قوية للأمة الألمانية.
يوم أسود آخر عرفته الأمة الإيطالية في العام 1994 في نهائي بطولة العالم لكرة القدم التي جرت في الولايات المتحدة الأميركية. في النهائي بين البرازيل وإيطاليا شاء القدر أن يلعن الطليان فتاهم المحبوب "باجيو" عقب إرساله الكرة من نقطة ضربة الجزاء في سماء أميركا ليترك زميله البرازيلي يخطف كأس البطولة هكذا غرقت إيطاليا في حزن كبير.
غير أن أمة كروية كبيرة مثل البرازيل، فإنها لم تنس بعد التجربة المريرة التي مرت بها في العام .1950 في العام المذكور نزل لاعبو المنتخب البرازيلي أرض ملعب ماراكانا وكلهم ثقة بأنهم سيفوزون بعد 90 دقيقة بكأس العالم. لكن شاء القدر أن يكتب لهم يوم أسود. والسبب هو ذلك السنيور ألسيديس شيجيا صاحب الشارب الأسود في فريق أورغواي الذي غير سير الأمور بتاريخ السادس عشر من يوليو/ تموز العام 1950 وخطف أغلى حلم للبرازيليين الذين استضافوا بطولة العالم في ذلك الوقت. في المباراة الأخيرة إذ كان يعتمد على عدد النقاط كان يكفي البرازيل الحصول على نقطة واحدة فقط لضمان اللقب وكان يكفيها التعادل في المباراة النهائية التي جرت في ريو دي جانيرو.
في الدقيقة 79 تقدم شيجيا بالكرة من منتصف الملعب وكأنه أراد إعادة رفع الكرة مرة أخرى مثلما فعل في الدقيقة 13 من الشوط الأول حين مررها لأحد زملائه الذي سجل هدف التعادل بعد أن تقدم البرازيليون في الدقائق الأولى، غير أن السنيور سدد الكرة مباشرة نحو المرمى وتجاوزت حارس المرمى ثم ساد المكان صمت رهيب لم تسمع فيه غير صيحات الفرح التي انطلقت من حناجر لاعبي وإداريي فريق أوروغواي. استمرت النتيجة 1/2 حتى إعلان صفرة النهاية. كل مباراة تجري اليوم بين الفريقين يتذكر البرازيليون الحلم المزعج مثلما يتذكر الألمان آلام 1966 على الدوام.
كان فوزا مصحوبا بنتائج رياضية ونفسية على الفريق البرازيلي. هذا ما يشير إليه كتاب جديد أعده الصحافي البريطاني أليكس بيلوس خلال فترة عمله مدة أربع سنوات كمراسل لصحيفتي "غارديان" و"أوبزرفر" البريطانيتين في أميركا اللاتينية وصدر قبل أسبوع باللغة الألمانية تحت عنوان "كرة القدم والفن البرازيلي للحياة". يقع الكتاب في 400 صفحة مزودا بالصور وسعره 18 يورو. هذا أول عمل صحافي يتعرض لتاريخ الكرة البرازيلية بصورة معمقة والملفت للنظر أن مؤلفه ليس برازيليا.
في تاريخ السادس عشر من يوليو العام 1950 تم إعلان حداد عام في البرازيل عقب الهزيمة التي لم تكن متوقعة. في هذا اليوم تغير الوجه الكروي في بلاد السامبا. حارس مرمى المنتخب البرازيلي مواكير باربوسا الذي فشل في صد الكرة التي أرسلها السنيور شيجيا، أعفي على الفور من اللعب للمنتخب ولم يلعب لناد محلي وظلت اللعنات تلاحقه طيلة حياته. وقرر اتحاد الكرة البرازيلي على الفور إحراق قمصان لاعبي المنتخب وكانت بيضاء اللون وحرم اللعب بهذا اللون. في وقت لاحق فاز المصمم الشاب ألدير جارسيا وكان يبلغ 19 سنة من العمر بالمسابقة التي تمت لاختيار لباس جديد للمنتخب البرازيلي وتم اعتماد القمصان الصفراء والسروال الأزرق إيذانا ببداية عهد جديد للكرة البرازيلية.
حصل فعلا في بطولة العالم العام 1958 التي استضافتها السويد استعان المدرب بخط هجوم جديد برز بينهم الشاب بيليه وكان في سن الـ .17 وفي العام 1962 استعان المدرب باللاعبين أنفسهم الذين فازوا قبل أربع سنوات ببطولة العالم لأول مرة وكرروا الفوز باللقب. قدم منتخب البرازيل أجمل عروضه على الإطلاق في بطولات 1958 و1962 و.1970 وقد فاز البرازيليون بكأس العالم خمس مرات وهذا ما لم تحققه أمة كروية أخرى. غير أنه يمكن القول إن هذا الإنجاز عائد لمجموعة من اللاعبين الماهرين أمثال بيليه وريفيلينو وغارنشيا ورونالدو ورونالدينيهو وريفالدو. بينما تعاني أمم كروية كبيرة أخرى في مقدمتها ألمانيا وانجلترا وفرنسا وغيرها من صعوبات في الحصول على مواهب كروية جديدة لتواصل النجاح الرياضي فإن البرازيل لا تواجه أية مشكلة في الحصول على مواهب جديدة. خمسة آلاف لاعب برازيلي يلعبون اليوم خارج وطنهم في أندية من لبنان حتى جزر الفارو في أقصى شمال أوروبا. وعدد لاعبي الكرة البرازيليين يزيد عن عدد الدبلوماسيين البرازيليين العاملين في سفارات وقنصليات بلدهم في أنحاء المعمورة. وليس هناك أمة في العالم تطور أسلوب اللعب وتجمع باستمرار بين السحر والرياضة وتحافظ على نظافة اللعبة وجمالها مثلما يفعل لاعبو البرازيل. ويرث جيل عن آخر فن المراوغة والمهارة بمغازلة الكرة كما كان يفعل بيليه وجارنشيا إذ كانا ينهكان مدافعي الفريق الخصم ويجبرونهم على التفكير بالاعتزال حالما تنتهي المباراة. هذا ما لم يكن في بال الاسكتلندي تشارلز ميلر الذي نقل لعبة كرة القدم إلى منطقة سانتوس في البرازيل مهد فريق سانتوس الذي لعب له بيليه إذ تحولت اللعبة إلى عقيدة عند أبناء الأمازون. ليست هناك دولة في العالم باستثناء البرازيل يدفع الناس دمهم فيها ثمنا للحصول على تذكرة دخول لحضور مباراة لمنتخب بلدهم. كل شيء يمكن ركله في البرازيل ويكفي لإجراء مسابقة شعبية لاختيار أفضل لاعب أو لاعبة يركل أو تركل أي شيء مستدير مثل كرة القدم. وكانت الشابة ميلاني دومنجيز في سن الـ 17 حين فازت بمسابقة في التحكم بالكرة ثم لفتت انتباه رونالدو الذي تزوجها وطلقها. ليس هناك بلد في العالم يجري فيه تحطيم أرقام قياسية ذات صلة بكرة القدم مثلما يحدث في البرازيل. ريكاردو نيفيز على سبيل المثال استمر يداعب الكرة طيلة 27 ساعة في أحد المتاجر الذي نظم المسابقة وكان يأكل ويتوجه إلى المرحاض وهو يداعب الكرة وفعل ذلك 210 آلاف مرة خلال الوقت المذكور. كل مباراة للمنتخب البرازيلي تتحول إلى احتفال وطني يختلط فيه أبناء الشعب البرازيلي يبكون ويفرحون معا.
خلال إعداده الكتاب الذي يعد وثيقة مهمة عن تاريخ الكرة البرازيلية سافر الصحافي الإنجليزي أليكس بيلوس إلى عدد كبير من المدن البرازيلية وتحدث إلى مجموعة كبيرة من النجوم السابقين وأقارب الراحلين منهم. اكتشف المؤلف أن كل حي له فريق وكل مصنع له فريق حتى فرق صيادي السمك لهم فرق خاصة بهم. وحين أقام السكان الأصليون في الأمازون أولمبياد خاص بهم تم إدخال لعبة كرة القدم وكانت اللعبة الوحيدة التي يمارسها العالم المتمدن. كل فرد في البرازيل يلعب كرة القدم حتى العميان. فقد فاز منتخب العميان بالميدالية الذهبية في أولمبياد المعوقين التي جرت في أثينا خلال الصيف الفائت.
تحدث أليكس بيلوس مع السنيور شيجيا صانع مأساة البرازيل العام 1950 كما تحدث إلى ابنة اللاعب الأسطورة جارنشيا وكذلك إلى نجم المنتخب البرازيلي سقراطيس في الفترة من العام 1982 حتى العام 1986 الذي ينتمي إلى الجيل الضائع إلى جانب زيكو وفالكاو وجونيور وكاريكا الذين لعبوا في بطولتي العالم 1982 و1986 كرة جميلة لكنهم لم يفوزوا بأي لقب. كان سقراطيس لاعبا وكان طبيبا لكنه كان مولعا بالسياسة أيضا. حمل شارة القائد وكان يدلي بتصريحات سياسية ملفتة للانتباه. في العام 1982 انتقد هجوم إسرائيل على لبنان وكان حينها في معسكر التدريب بإسبانيا. قال سقراطيس إن كرة القدم اليوم تعتمد على السرعة وليس على الفن. وقد وصفه بيليه بأنه أفضل لاعب برازيلي يجيد تمرير الكرات. في نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي لعب سقراطيس الذي يبلغ اليوم 50 عاما من العمر لفريق غارفورت تاون أحد فرق الهواة في انجلترا بعد أن توسط في ذلك الصحافي أليكس بيلوس. صفة جديدة ليست متوافرة عند أمة كروية أخرى في العالم. السن ليست له حدود. خلال لقاء كاتب هذه السطور مع بيليه في العام 1987 بمدينة بون قال إنه مستعد للعب 45 دقيقة للمنتخب إذا استدعاه مدرب منتخب البرازيل. وكان هذا قبل ثلاث سنوات على بطولة العالم التي جرت في إيطاليا العام 1990 وكان قد أعلن اعتزاله قبل عقد ونصف من الزمن
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/444816.html