العدد: 911 | الجمعة 04 مارس 2005م الموافق 23 محرم 1426هـ
ردا على "الرد المرضي على بنت الجمري"... ورجاء من إذاعة القرآن الكريم
ردا على المقال الوارد في صحيفة "الوسط" بتاريخ 26 فبراير/ شباط الماضي "العدد 904" والمعنون "الرد المرضي على بنت الجمري".
لا أعرف إن كان الأخ من القائمين على إذاعة القرآن الكريم، وان كان كذلك فأغتنم هذه الفرصة لتقديم شكري وتقديري له ولكل العاملين في هذه الإذاعة مع تحفظاتي على بعض ما يذاع فيها، هذا من باب الإنصاف. ولن أتعرض هنا لموضوع الذوق الفني واختيار القراء، ولكن ساءني وقوع الأخ كاتب المقال فيما حذر منه في بداية مقاله إذ قال: "يشهد الله أني لا أريد أن ادخل في سجالات لا نجني من ورائها إلا الفرقة والشتات في الوقت الذي نريد أن نكون متحابين..." وذلك عندما عاد يكرر الحديث الذي يقول: "ان أبا طالب مات ولم يتلفظ بالشهادة وانه في أدنى منزلة من النار"، ولا يخفى على المطلع بان هذا الحديث موضع اختلاف كبير بين الطائفتين الكريمتين، ولا أدري ما السبب الذي من أجله تذاع الأحاديث الخلافية في إذاعة القرآن الكريم وهي التي توقع في ما حذر منه الأخ الكريم، إذ إن مثل هذه الأحاديث هي التي تفتح باب السجال الطائفي وتوقع البغضاء والشنآن في قلوب المسلمين على بعضهم. لماذا لا يستعاض عن أمثال هذه الأحاديث بمئات بل آلاف الأحاديث المسلمة لدى الفريقين والتي هي موضع قبول عند الجميع... لماذا الإصرار على تطعيم هذه الإذاعة "التي نحترمها ونقدر جهودها" بأحاديث غير مقبولة وتتعارض مع مسلمات الطرف الآخر؟
وسأسكت هنا عن الدفاع عن أبي طالب "رض" وفي فمي ماء وفي حلقي شجا، خوفا مما أشار إليه أخي الكريم من الدخول في سجالات ضررها اكبر من نفعها. ولكن أشير إلى الظلم الذي لحق بوالد النبي إبراهيم عليه وعلى نبينا وآلهما أفضل الصلاة والسلام إذ قال الأخ: "هل يمكن أن نسيء إلى نبي الله إبراهيم لأن أباه كان مشركا"، فأقول: "إن والد النبي إبراهيم كان مؤمنا بالله مسلما له ولم يكن مشركا قط، هذا هو اعتقادي الذي أدين به بحق جميع آباء الأنبياء والرسل". أما آزر الذي يشير إليه فلم يكن سوى عم النبي إبراهيم عليه السلام ولم يكن والده. والإشكال الوارد بأن الآية الكريمة تصرح بأبوة آزر لإبراهيم "ع" مردود عليه بأن لفظ الأبوة في القرآن الكريم ورد أيضا لغير الوالد الحقيقي "الوالد الذي أنجب الولد من صلبه". يقول أحكم القائلين راويا قصة نبي الله يعقوب "ع" عندما حضرته الوفاة وحوله أولاده "أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإلـه آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون" "البقرة: 133"، والشاهد هو رد أولاد يعقوب بأنا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم "الذي هو جد يعقوب" وإسماعيل " الذي هو عم يعقوب" وإسحق "الذي هو والد يعقوب". فنرى هنا ان أولاد يعقوب عدوا إسماعيل أبا ليعقوب بينما هو في الحقيقة عمه. وهناك دليل آخر على إيمان آباء الأنبياء من القرآن الكريم وهو قوله تعالى "وتقلبك في الساجدين" "الشعراء: 219"، إذ تصرح هذه الآية بما لا مجال للشك فيه بأن سلسلة آباء النبي الكريم محمد "ص" كلهم كانوا مؤمنين بالله يسجدون له وحده ويعبدونه "راجع تفسير القرطبي إذ ذكر "وقال ابن عباس: أي في أصلاب الآباء، آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيا"" فابن عباس يقول: "وهو من هو في العلم" بان أصلاب آباء النبي كلها كانت لساجدين موحدين، من عبدالله بن عبدالمطلب مرورا بإبراهيم ونوح حتى آدم عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام. وكذلك روى العلامة القندوزي في ينابيع المودة والثعلبي في تفسيره، عن رسول الله "ص" قال: "أهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم وجعلني في صلب نوح في السفينة وقذف بي في صلب إبراهيم ثم لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام المطهرة حتى أخرجني من بين أبوين لم يلتقيا على سفاح قط". فنرى النبي الطاهر محمد "ص" يصف أصلاب آبائه الطاهرين بالكريمة المطهرة "من آدم إلى عبدالله بن عبدالمطلب" وهذا حتما وصف لا يليق بالمشركين! إذ يقول الله تبارك وتعالى "إنما المشركون نجس" "التوبة: 28".
وأحيلك إلى ما قاله الإمام علي بن أبي طالب "ع" في خطبة له يبين فيها فضل الأنبياء "الخطبة 93 من نهج البلاغة" "فاستودعهم في أفضل مستودع، وأقرهم في خير مستقر، تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهرات الأرحام، كلما مضى سلف، قام منهم بدين الله خلف. حتى أفضت كرامة الله سبحانه إلى محمد "ص"، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا، وأعز الارومات مغرسا، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتجب منها أمناءه".
ولا أظنك أخي الكريم تدع قول علي "ع" رابع الخلفاء، وتأخذ بقول المفسرين المتأخرين مهما علا كعبهم، في القول إن والد أحد أنبياء الله كان مشركا والعياذ بالله، الإمام علي يقول: "إن الله عز وجل أودع أنبياءه في أفضل مستودع وخير مستقر وأكرم الأصلاب وأطهر الأرحام"، ومن اليقين الظاهر الجلي بأن هذا الوصف لا ينطبق على من هو مشرك والعياذ بالله.
أختم بالدعاء للمسلمين بالوحدة والتكاتف والتآزر ونبذ الخلاف والفرقة المذهبية والطائفية، وأدعو الإخوة الكرام القائمين على إذاعة القرآن الكريم تجنب إذاعة بعض الأحاديث النبوية غير المتفق عليها عند جميع المذاهب والتي تدعو الطرف المقابل للتحفز للرد عليها ما يوقع الأمة في النهاية في سجالات لا نجني من ورائها إلا الفرقة والشتات كما وصفها أخي الكريم كاتب المقال.
أنور ميرزا عبدالرضا
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/452248.html