العدد: 1279 | الثلثاء 07 مارس 2006م الموافق 06 صفر 1427هـ
رمضان المعتقل
ضمن سلسلة الحلقات التي كتبها عبدالشهيد الثور عن تجربته في السجن أثناء انتفاضة التسعينات التي نشرها على عدد من المواقع الإلكترونية ومنها منتديات حسينية الحاج أحمد بن خميس كان ما يأتي:
تغرب الشمس مودعة نهاراً مضى على محجوبين بين أربعة جدران خرسانية خرساء جدران قدت من قلوب بنائيها... تغرب الشمس غير مرئية، تغرب لتحيل الأفق بشفق أحمر دام لقلوب هؤلاء المحرومين من أريج الحرية الفواح... تغرب منحية النهار في زاوية الغيب جالبة خلفها ليلاً بشدة اسوداده يلفع شكوى الموقوفين خلف أبواب الحديد يلوكون الحرمان.
في الليل تتمدد الساعات بأبعد من مسافاتها... تصبح الساعة عمراً بأكمله على شعب يبحث عن كرامة ينصبها تاجاً على هامته، فلا يجد سوى قيد يسخر من مطالبه... وفي أطراف الليل الأخيرة تبوح الأفئدة بمخزون ذاكرتها لرفقاء ليلها.
أيام الاعتقال الأولى كانت قاب قوسين أو أدنى من شهر رمضان الكريم... أقبل الشهر الفضيل علينا في سفر مكروه... شهر رمضان بعيداً عن هنا كنا نعيشه جميلاً ممتعاً بالعبادة والطاعة... وبالتزاور وقراءة القرآن ليلاً في بيوت القرية داخلين في بيت خارجين من آخر... تعمر المآتم بالوجوه المستبشرة بليالي البركات.
كذلك كنا نقضيه هناك... أما ونحن هنا فالحناجر إن رتلت من وحي ذاكرتها فإنما ترتل مايشجي الخاطر ويؤرق الفؤاد... الأيام الأولى ماكان للمصحف في زنازيننا من أثر.
النزلاء السابقون في زنزانتنا كان لهم فضل علينا كبير. فتشنا ما قد نعتبره مخبأ في الزنزانة لم نجد ما يروي غلتنا ويشفي صدورنا... السابقون صنعوا من الجدار قرطاساً يدونون عليه ما يحتاجون إليه... وأي شيء يحتاج السجين؟! في محنة كتلك لا تتعلق المشاعر بسوى الله ومناجاته.
في كل جانب أودعوا لنا دعاء يأنس وحشتنا أو ذكراً يفرج عن هم يحيق بنا... الجدران مزينة بكم وافر من الأدعية المأثورة... مزينة بحق.. وأي زينة أجمل من ذكر يضفي بلسماً على الروح ويسمو بها في أعلى عليين.
اللهم إني افتح الثناء بحمدك وأنت مسدد للصواب بمنك وأيقنت أنك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة...مع الانتهاء من العشاء كل ليلة استقبل الحائط جهة القبلة.... أحد رفاقنا الذين سبقوا أسدى لنا جميلا حسنا.... لوحة رائعة أبدعتها يده المثابرة على لذة المناجاة... بخط جميل مهذب رسم دعاء الافتتاح كاملاً... بقلم رصاص ناعم جداً...استقبل الحائط لأتنعم في بساتين دعاء الافتتاح... اللهم اني افتح الثناء بحمدك.
تسترسل مشاعري في تلاوة فقرات الدعاء... مقاطع الدعاء تمازج شغاف القلب برقتها وتنقلك إلى فضاء ملائكي ينسيك السجن ومرارته... القراءة بلحن هادئ حزين... هادئ كي لا يتطرق الصوت لاسماع الشرطة المملوئين تحاملاً على عقائدنا... وكي لا يداهموننا نقارف القراءة من صفحة الجدار.
أخيراً وبعد عدة أيام جاءتنا نسخة من القرآن الكريم بصحبة ملابس أرسلت للأستاذ عـ.. كانت فرحتي بوجود القرآن معنا... فرحة لاتعادلها إلا فرحة الظهور من المعتقل... بلى كان الشوق للقرآن شوقاً غامراً... القرآن ذلك الفيض الإلهي... مهما باشرنا في مقاربة آياته نبقى فقراء لرشحات عطائه... لذلك كان الإمام السجاد (ع) يقول: لومات من بين المشرق والمغرب وكان معي القرآن لما استوحشت.
بعد التزود من نمير الدعاء الصافي نقرأ القرآن منشدين لآياته الساحرة بجمال تركيبها... الوقت كريم معنا يتيح لنا فرصة التأمل والوقوف لمرات... نعمة لو أدرك مختطفونا مدى ابتهاجنا بها لما توانوا في حرماننا منها... فكل مايبعث السرور في القلب ممنوع وكل ماكان مباحاً في أيامنا الخوالي بات محجوباً عنا.
الشتاء جاد في أحكام صقيعه على الأجواء... اشتدت البرودة في زنزانتنا... الجدران كصقيع ثلاجة نتجنب الاستناد عليها... وفي الأعلى فتحة تبعث لنا من البحر أول لافح من الشتاء مع تبكير كل صبح جديد... شتاء لا تشابهه إلا برودة المشاعر في جلادينا.
في أحشاء الليل البهيم تنطلق صيحات تنادي الشرطي من أسفل بوابة الزنزانة... بعد اللتيا واللتيات يستيقظ أحدهم... ينفتل متململاً حتى يصل إلى مصدر النداء... يقف قبالة البوابة متسائلاً: شنو في؟ ينبعث الجواب من أسفل البوابة في خجل ملتهب: أنا أريد الاغتسال قبل أذان الفجر، يسخر الشرطي من الطلب قائلاً: شنو هذا ما في ( فندك).
يسخر من رزية يعانيها مسلوب المشيئة في قبضته.... ساعة عن الفجر أو أقل، عليه الاغتسال قبل حلول وقت الإمساك ليدرك الصيام، انصرف الشرطي غير عابئ بحجم المعاناة... اضطر صاحبنا أن يسلك أقصر الحلول... كان يريد الشرطي ليفك (الهفكري) ليتمكن من نزع فانيلته.... لا يستطيع خلعها والكفين مقيدين. اضطر أخيرا للدخول إلى الحمام... خلع الفانيلة من رأسه... وضعها مجموعة في كفيه الأسيرين... أمسك الأنبوب والماء يتدفق من فوهته كالبركان... لو كان الماء مستخرجا من ثلاجة ثلجته بأقصى درجة برودة ماكان إلا ذلك... الماء ينحدر فوق رأسه صقيعاً جلمدا.
النافذة مباحة للهواء يرتادها أنى شاء، ماهي إلا قضبان عمودية لصيقة ببعضها بعضا.... هذه النافذة تبيح الزنزانة لجليد الشتاء... كل هذا وصاحبنا يغسل رأسه والماء ينزلق ببطء فوق رقبته فيطبع فيها وشماً أخضر من أثر الارتعاش الرهيب. أحال الأنبوب للجانب الأيمن صاكاً على أضراسه... قاسراً أعصابه على تحمل مالا طاقة لأعضائه عليها، بات عود جسده ينتفض انتفاض المصروعين من البرد... غالب ضعفه واستمر منصرفاً للجانب الأيسر يكلله بلسعات أضفت خدراً على بشرته، الكف لا يتمكن من إيصال الماء من دون إعطاء الفانيلة نصيبها من الماء... الفانيلة مكورة في كفيه غير منزوعة منهما... أنهى وظيفته الصعبة وأطرافه كالسعفة في الرياح العاتية، ترتعش أطرافه مصروعة على اعتاب الامتهان، قطرات بقت على جسده تكمل مهمة الاعتداء، نشّف القطرات الباقية بباقي ملابسه فلا سواها يزيل صقيع الماء وإلا بقت أطرافه لا يجففها إلا النهار.
الليالي والأيام تعبر متشابهة في التفاصيل... قبل الصباح بعد تقديم وجبة السحور يغلقون باب المعتقل ويحكمون القفل الثقيل فيه... ثم يعود أحدهم يجرد العدد، أحدهم كان أسمر البشرة شديدها، أيام متتالية يأتي لإحصائنا... يدخل يتوسط الزنزانة... يبدأ في العد وبعد ذاك وذياك يتراجع مقفلاً الباب وما يفتأ يعود بعد لحظات ليعدنا من جديد... كلما أطل علينا بتقاسيم وجهه قال الأستاذ عـ...: (جاكم لبلاكي) أحسب المدارس في بلده الأم لا تعتبر الرياضيات من ضمن مناهجها... بناءً عليه يكون خريجوها يحفظون الأعداد بالصفات لا بالتسلسل ومن تردت به المعيشة في موطنه كانت أرضنا أماً تحتضنه وترضعه بنفطها، وتضع في راحة يده عصاً يروض بها الجياع التائقين إلى عيش الكرامة... البقية تأتي.
نفث توفيق الرياش في مدخنته الكثير والكثير من الأدخنة في السماء الملوثة وكان مما نفثه هذا النص:
السيارة مكاني الأوحد للاستماع الى المذياع وسيارتي اللعينة خذلني مذياعها منذ العام الماضي، إذ تعطل المذياع من عرض القنوات إلا من قناة وحيدة هي الـ «بي بي سي» العربية!
وكل يوم اقول: سأقوم بإصلاح هذا العطل، ولكن يخونني وقتي ويغلبني كسلي! والغريب في الأمر أن هناك سؤلاً دائماً أطرحه على نفسي: ما هي أهداف الـ «بي بي سي»؟ ومن يمولها إذا كانت لا تحتوي على إعلانات تغطي كلفتها التشغيلية؟!
الاذاعة العربية تطرح يومياً برامج تحتوي على الكثير من الموضوعات الساخنة التي تحرق المواطن والانظمة العربية! تجعلنا في حال انجذاب وذهول من قوة الكلمة التي نفتقر إلى البوح بها في ظل قوانين أمن الدولة المطبقة في بلداننا العربية منذ وفاة نبي الرحمة محمد (ص) وإلى يومنا الحاضر بمختلف المسميات فتارة باسم قانون الطوارئ وأخرى باسم قانون الأمن الوطني...
نعود للموضوع الأساسي الـ «بي بي سي» وغيرها من القنوات ما هي استراتيجيتها وأهدافها الطويلة الأمد في العالم العربي؟ وكيف نحصل على ما نريد نحن كشعوب منها ونبطل خططها التي تضر ولا تنفع!
أتمنى أن نناقش استراتيجية إعلامية حرة تقوم على أساس واضح هو مصلحة الشعوب
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/548679.html