العدد: 1500 | السبت 14 أكتوبر 2006م الموافق 21 رمضان 1427هـ

المفكر العربي عبدالوهاب المسيري في حوار خاص مع«الوسط»:

هجرت المادية التاريخية... بعد أن زادت «الرقع»

نشأ في حضن الإخوان المسلمين حتى الخامسة عشرة، أو حتى “استوى على سوقه”. بعدها، خاض بحور المادية التاريخية، واعتنق الماركسية كمنهج سياسي لعشرين عاما. يقول: “أنا أكثر من سأل عن وجود الله!”.

عاد إلى الفطرة، إلى وجود الله ووحدانيته في علاه. يقول: “كنت كلما واجهتني مشكلة رددتها إلى المادية وتفسيراتها، حتى زادت الرقع في الثوب، فلم يعد الثوب هو الأصل، بل الرقع”.

أحد مؤسسي حزب “الوسط”، والذي يصفه بأنه حزب مدني ذو مرجعية إسلامية، فالحزب يؤمن بدخول أي مصري فيه، كما أنه من الممكن، أن يدعم (الحزب) لتولي منصب “قاضي” أو نائب، بل ورئيس للجمهورية.

ساهم في تأسيس حركة “كفاية”... يتصدر وزوجه مسيراتها ومظاهراتها واعتصاماتها. وبشأن انضمامه وزوجه في “كفاية” يقول مازحاً:”أنا دخلت (كفاية) على أمل أن البوليس (يأخذ مراتي ويسيبني)”... وتتعالى ضحكات الرجل ذو السبعة عقود ونيف.

كان لـ”الوسط” ان تلتقي بالمفكر عبدالوهاب المسيري في هذا اللقاء الخاص:

هل لفكرة الثأر في الايديولوجية الصهيونية علاقة بالثأر القبلي - إن صح التعبير- والمنهج التدميري الشامل الذي ارتكبته دولة الكيان الصهيوني ضد لبنان، فهل هناك تفسير إيديولوجي للمسألة، أم مجرد ردة فعل على تراجع تل أبيب عن احتلال لبنان في العام 2000؟

- الايديولوجية الصهيونية لا تختلف عن أي ايديولوجية استعمارية، فلننس مسألة الثأر أو مرجعية يهودية أو توراتية. الاستعمار حوّل العالم إلى مادة استعماليه، يوظفها القوي لحسابه، والقوي هو الإنسان الأبيض، والإنسان الأبيض حينما بدأ التشكيل الاستعماري اعتبر أن العالم كله مادة استعمالية. وأن البشر الذين يقيمون في هذا العالم يمكن إما إبادتهم كما حدث في أميركا الشمالية، أو تسخيرهم كما حدث في جنوب افريقيا وهذا كان هو التصور بالنسبة الى الصهاينة حينما استوطنوا في فلسطين قالوا: “إنها أرض بلا شعب وإن كان هناك شعب فهو ليس له حقوق”.

الذي حدث للصهاينة انهم استوطنوا في منطقة يسكنها شعب له تراث، ومتماسك حضارياً، وتدعمه بقية الشعوب العربية والإسلامية.

المسألة مختلفة عن الهنود الحمر تماماًَ، ومن ثم أصابهم (الصهاينة) الذهول، وأخذت المقاومة تتصاعد على عكس ما كانوا يتصورون! فقد تصوروا انه بعد عشرين سنة سيموت الآباء وينسى الأبناء الوطن. ولكن ما حدث هو العكس.

من هنا ردة الفعل التدميرية الإبادية، وأنا دائماً أقول ان الإنسان ينظر إلى الواقع من خلال خريطة إدراكية، فالخريطة الإدراكية الصهيونية هي انها أرض بلا شعب وانه شعب هزيل جسداً، وأسوأ ما يحدث للإنسان أن تهتز الخريطة الإدراكية وهذا ما حدث للصهاينة. حينما تهتز الخريطة الإدراكية يتحول الإنسان إلى وحش كاسر. ومن هنا، الشراسة في غزة والضفة الغربية والمذابح التي ارتكبوها العام 48 وبعد ذلك، ولبنان بالذات (في الإطار الصهيوني) كانوا متصورين انها نقطة الضعف عند العرب وإنها ستسقط أول ما سيسقط وتتحول إلى دويلات “سنية” و”شيعية” و”مارونية”...الخ، ولكن ما حدث هو العكس إن لبنان بالذات أصبحت هي النقطة التي هزموا فيها، وانسحبوا من لبنان ثم من جنوب لبنان انسحاباً مذلاً على يد حزب الله، فقرروا، وأميركا دفعتهم إلى هذا، إذ أميركا كانت تريد أن تمحو الهزيمة في “العراق” و”افغانستان” بأنها تريد تطبيق السيناريو على لبنان ففشلت.

هل تتوقع أن يكون لفشل تل أبيب في تحقيق أهدافها في الحرب الأخيرة انعكاسات ايديولوجية على الذهنية اليهودية، والسياسة الصهيونية ومستقبل الدولة العبرية في المنطقة؟

- أنا أفضل استبعاد مسألة الذهنية اليهودية لأتحدث عن الرؤية الصهيونية، أنا اعتقد أن الصهاينة أدركوا حدود القوة، الجماهير الإسرائيلية أدركت أشياء كثيرة، ومن هنا يتحدثون لأول مرة عن التفاوض مع سورية، ومن الممكن التنازل عن “الجولان”، يعني أشياء لم تكن مطروحة على الأجندة أصبحت الآن مطروحة.

كيف تقرأ مقاطعة الدولة العبرية لـ”حماس” وعدم استعدادها للقبول بها كطرف مفاوض يمثل الجانب الفلسطيني؟ برأيك هل لهذه المقاطعة صلة بالمصالح أم هي لدوافع عقائدية تتصل بعقلية التفسير (الترحيل)؟

- من مصلحة الدولة الصهيونية كدولة صهيونية أن يتم ترحيل العرب، حتى يمكنهم الهيمنة على الأرض، وتسخير ما تبقى بالعمالة الرخيصة وهكذا، فالواحد ليس منفصلاً عن الآخر، واعتقد هذا يفسر شراسة الصهاينة في قمع “الانتفاضة” وعدم التفاوض مع “حماس”. إذ الأخيرة تطرح المبدئيات (حق العودة، تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وعدم الاعتراف بـ”إسرائيل” لأنها دولة عنصرية).

هناك مسألة عقدة الخوف التي تذرعت بها اليهودية في القرن التاسع عشر بتأسيس الصهيونية ومطالبة أوروبا بالمساعدة على إقامة دولة لليهود. هل لاتزال العقدة موجودة؟ أم أعيد تحوير ذاك الهاجس القديم بهدف استخدامه ضد العرب والمسلمين لاغراض استراتيجية لا علاقة لها بالدين ومسألة الخوف؟

- أنا عادة لا ألجأ إلى التفسيرات النفسية، بمعنى أن الحال النفسية مركب من الأسباب، أما أن نرد كل الظاهرة إلى الحال النفسية أنا اعتقد انها شكل من أشكال الاختزال للظاهرة. الظاهرة الصهيونية طبعاً تعبر عن نفسها بشكل عقلية معينة لكن ما هو أساس هذه العقلية؟ أنا اعتقد ان الصهاينة بالتعاون مع الاوساط الاستعمارية وجدوا أن جماعات يهودية في الغرب أصبحت “جماعة وظيفية” بلا وظيفة، وقرروا توظيفهم لصالح الحضارة الغربية.

تصادف ظهور “المسألة اليهودية” مع ظهور “المسألة الشرقية”، وهي قرار الغرب تقسيم الدولة “العثمانية” والعالم الإسلامي، وقد وجدوا، أنه استراتيجياً، لا بد ان يكون هناك في “فلسطين” دولة لا تنتمي إلى المنطقة لتكون قاعدة للاستعمار الغربي. وهذا ما حدث إذ تم توطين اليهود بعض اليهود، حتى يمكن إنشاء هذه الدولة العميلة الوظيفية التي تشكل “وتد” كما قال نعوم سيكلوف في أحد مؤلفاته “ان الدولة الصهيونية ستكون بمثابة الوتد يفصل العالم العربي - الجزء الشرقي عن الجزء الغربي الجزء الافريقي عن الجزء الآسيوي - ويصبح قاعدة لتقسيم العالم العربي والإسلامي”.

بناء الجدار العنصري الفاصل في الأراضي المحتلة. هل يمكن أن نجد دلالات رمزية أو إشارات نفسية لبناء مثل هذا العازل (الفيتو) بين دولة اليهود والمحيط العربي المسلم؟

- التفسيرات النفسية تفسيرات اختزالية، يعني كل الجيوب الاستيطانية لجأت الى مثل هذا، أنا عدت لتوي من “جنوب افريقيا” مسألة العزل العنصري رهيبة، ولم يكونوا يهوداً وإنما كانوا مستوطنين. في الافلام الأميركية دائما حينما يأت الهنود الحمر تلتف العربات بشكل دائرة هذا هو جدار الفصل العنصري.

كيف تقرأ موقع الصهيونية الآن في التجمعات الأوروبية والأميركية؟ هل لاتزال الحركة الصهيونية تلعب دورها كما كان أمرها سابقاً؟ وفي السياق ذاته، هل ترى أن تأثير الحركة الصهيونية ترجع نسبياً بعد قيام دولة اليهود في فلسطين؟

- الصهيونية كايديولوجية داخل “إسرائيل” لا تلعب أي دور. يوجد دولة استيطانية لها مصالح، لكن حتى تكتسب شرعية لنفسها أمام نفسها وأمام العالم تلجأ إلى الاختزاليات والديباجات الصهيونية اليهودية (أرض الميعاد والعودة وما شابه)، والدول الغربية والتي تبحث عن قاعدة لها تقوم بتمويلها ودعمها على رغم أنها تخرق كل المقاييس والقيم الإنسانية والدولية حتى يمكنها أن تبرر هذا أمام جماهيرها تقبل وتروج لمسائل مثل التوراة “اليهودية المسيحية”، وانها دولة يهودية وحيدة بين واحد وعشرين دولة عربية، إنها واحة الديمقراطية.

كل هذه الطروحات الصهيونية التي يروج لها الإعلام الغربي، هل تسمي هذا ايديولوجية، أنا أسميها نوعا من أنواع “البروبغندا” الزائفة، فالايديولوجية الصهيونية كايديولوجية داخل “إسرائيل” لا تلعب أي دور مهم.

الموسوعة الموسومة بـ”اليهود واليهودية والصهيونية” والتي قمت بتأليفها، هل من الممكن أن تعطي للقارئ البحريني فكرة موجزة عن الموسوعة التي قضيت الوقت الكبير في إصدارها. مدة العمل بها، محتوياتها... الخ؟

- كنت أصدرت العام 75 موسوعة من مجلد واحد عنوانها “المفاهيم والمصطلحات الصهيونية - رؤية نقدية” أزعم أنني في هذه الموسوعة قمت بعمل تفكيكي، أي بينت التحيزات الكامنة في المصطلحات الصهيونية، حينما بدأت في تحديثها كنت متصوراً ان عملية التحديث ستستغرق عامين، وستكلف عشرة آلاف جنية أي نحو ألفي دولار، لكنها استغرقت خمسة وعشرين سنة وكلفتني خمسمئة ألف دولار.

عنوان الموسوعة، كما أشرت، “نموذج تفسيري جديد” المهم هنا أن الموسوعة الاولى تبين أن “الشعب اليهودي” هذا وجود له، وآتي بالأدلة على ذلك. لكن ما هو البديل؟ لم آت به في الموسوعة الأولى وهذا هو التأسيس. الآن أقول: انه لا يوجد “شعب يهودي” وإنما توجد جماعات يهودية تستمد كل جماعة خطابها الحضاري من المجتمع الذي تعيش فيه.

ومثالاً على ذلك “الدياسبرا” (أو المنفى) تعني أن اليهود أرغموا على الخروج، وأنا آتي بأدلة أنهم لم يرغموا على الخروج، وانهم خرجوا من فلسطين قبل هدم الهيكل. وأشير أيضاً إلى أن الدولة الصهيونية تم تأسيسها منذ خمسين عاماً ولاتزال غالبية اليهود في أوطانهم لا يذهبون إلى هناك. ولذلك، بدأت “الدياسبرا” (أو المنفى) تتحدث عن انتشار الجماعات اليهودية في العالم.

كيف تعاملت معها المؤسسات الرسمية العربية ومؤسسات المجتمع المدني من جهة مع “الموسوعة”، ومن جهة أخرى كيف كان وقعها على الأكاديميين والمعاهد العلمية اليهودية؟

- بالنسبة الى العالم العربي فوجئت أنها نفذت بعد عام ونصف العام لكن من اشتراها هم الافراد وليس الحكومات! وطبعاً هناك استثناء، فالشيخ سلطان القاسمي، الأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود والأمير عبدالعزيز بن فهد آل سعود هؤلاء ساهموا، كما ساهم بعض الأصدقاء من الفلسطينيين المقيمين في “لندن”، ولست في حل من ذكر أسمائهم فالمسألة خطيرة جداً.

أما بالن


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/680852.html