العدد 1387 - الجمعة 23 يونيو 2006م الموافق 26 جمادى الأولى 1427هـ

العزلة... وأشياء أخرى

إبراهيم المقابي comments [at] alwasatnews.com

.

اختيار العزلة، هل هو الحل الأمثل لاختصار المسافة بين الكينونة وعدمها؟ أم الهروب من واقع التهميش والتطفيش ومن ثم حزم الأمتعة من مواجهة ساحة لم تفتأ تخرج من سقطة حتى تقع في أخرى، لا يساورنا شك بأن الطبخات المعدة في مطابخ الدعثرة متى ما اختلفت مقاديرها مآلها إلى الفشل.

«اسرج حصانك»... هذه الكلمة قالها الممثل انطوني كوين للفارس «علي» في فيلم عمر المختار وأصبحت لا تفارق ذهني، وأكاد اجزم بأنها لا تقال إلا لفارس، وفرسان الكلمة في ساحتنا يعلمون متى تسرج الجياد؟ ولماذا؟ هناك سباق غير ممتع بل متعب أو حرب نفسية يجب أن يواجهونها بحزم الفرسان، ويخوضوا غمارها في تحد صريح. أسبابه ونتائجه لا تقبل القسمة على اثنين.

لم تعد طريق الفرسان مفروشة بالورد، لأن أصدقاء الشوك نثروا أشواكهم فيها، وعبّدوا طريقا أخرى لمن يستأنسون بوصوليته ويفرحون لتقبيله أنوفهم المزكومة بالنفاق ومن ثم تأتي يدهم المباركة لتمسح على رأسه إيذاناً ببدء مشوار يسير فيه على زبَد بحر. هذه الطريق التي تمر أحياناً على منابع تعبئة الجيوب بغير وجه حق.

العزلة أصبحت تربة خصبة تترعرع فيها نبتة الإبداع بعيداً عن سموم المستنقعات الآسنة، ولكن إذا كان فرسان العزلة سيكثرون بهذا الشكل الملحوظ... أليس من الأجدر أن يكون لهم اصطفاف في طابور آخر وتكوين كيان مستقل قائم بذاته... أم سيراودهم الخوف من تكرار تجربة الانتماء تعويلاً على مبدأ «الملدوغ من الحية يخاف من الحبل»... وهل ستبقى هذه العزلة معنونة بعنوان الصمت المفرغ من معنى الحركة؟ علماً بأن أحد الاخوة الشعراء الكبار صارحني بأنه تساوره فكرة إنشاء كيان شعري ثقافي مستقل... ولا يريد فقط إلا حشد الطاقات الموثوق بها للبدء في تأسيس هذا المشروع. والبوح بهذه المعلومة لا يأتي تحريضاً على الانقسام كما سيحلو للبعض اعتباره وإنما هناك حقوق مشروعة ومكفولة بنص القانون والدستور تتيح لأية جماعة تكوين كيان ثقافي أو سياسي... إلخ.

عندما تكون هناك كلمة حق يراد بها باطل فلن نكون من يتبناها ولكن ليعلم الجميع أن الحق لا يخالطه باطل، ومادامت هذه الساحة تتعرى يومياً من حشمتها - بمناسبة أو بغير مناسبة - فعليها أن تكون مستعدة بجسدها لتلقي سهام النقد والانتقاد والإرجاف في أدق التفاصيل. من المؤسف تفسير كل مقال وكل مطلب وكل نقد على أنه انحراف عن الجادة واستعلاء أو استنقاص من شأن «نواخذة» الساحة، وهذا ما تفعله الأقلام المطبّلة والنفوس المريضة التي دائماً ما تستشعر بقرونها أن هناك خطراً محدقاً بمصالحها الشخصية لتعتبر كل نقد أو انتقاد لتصرف غير حكيم هو مروق وكفر.

«بل عجبت ويعجبون» وهذا هو الحاصل، تعجب من مواقفهم ويعجبون من عزلتك وانطوائك في مقام يحفظ لنفسك عزتها وكرامتها (ولتكون أكثر دفئاً مع كل نص تكتبه) كما يعبر الشاعر بدر الدوسري.

لكن... هل ستكون عزلة في مقام الاصطفاف للتفكير في كيان آخر للمنعزلين والمعزولين؟ سؤال يحتاج إلى إجابة..

العدد 1387 - الجمعة 23 يونيو 2006م الموافق 26 جمادى الأولى 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً