العدد 1505 - الخميس 19 أكتوبر 2006م الموافق 26 رمضان 1427هـ

«أزمة إيرباص»... أبعد من مجرد تأخير بالتسليم

سمير صبح comments [at] alwasatnews.com

.

قررت مجموعة «أو آ دي إس» الشركة الأم المنتجة لطائرات إيرباص 380-A منذ عدة أيام قبول استقالة الرئيس الجديد المعين منذ ثلاثة أشهر ما سيزيد من إرباك المجموعة التي شهدت أسهمها في بورصتي باريسي وفرانكفورت هبوطاً مستمراًّ منذ ثلاثة أشهر. فباستقالة الرئيس المعين منذ أكثر من شهر ونصف الشهر كريستان ستريف ستضع من الآن وصاعداً ملف إيرباص وأيضاً «أو آ دي إس» بين يدي السياسيين في كل من فرنسا وألمانيا.

يبدو أن هذا الملف قد بدأ يأخذ مسمى مختلفأ أكثر تعقيداً بعد تراجع الرئيس الجديد الذي اكشف باكراً جداً أنه لن يتمكن لأسباب مادية وموضوعية من مواجهة التحديات المفروضة والملحة لإنقاذ المجموعة ومعها إيرباص 380A من الانهيار وتتمثل هذه التحديات بمراجعة جدولة الانتاج والتسويق وأوضاع العاملين والأهم مالية المجموعة. أما الذي زاد في الطين بلة فهو التأخر في تسليم الطلبيات المتعلقة بالطائرة المذكورة إلى الزبائن في المواعيد المحددة.

فخلف الصمت الذي يتحكم في قرارات السياسيين المعنيين بهذا الملف والمناورات الكثيفة الجارية على قدم وساق منذ نحو 4 أيام، بات من المتوقع إيجاد صيغة من النوع لا يموت فيها الذئب ولا تغني الغنم. فالصراع المستمر منذ أشهر عدة بين الرؤساء أضعف وضعية إيرباص 380A أمام منافستها الأميركية بوينغ. في حين تراكمت المشكلات بحيث بات حلها دفعة واحدة أمرأً شبه مستحيل. فعلى رغم محاولات تصحيح الوضع الأمر الضروري لإنقاذ المجموعة وايرباص معها، يتوافق المراقبون في كل من باريس وبرلين على تأكيد أن اللعبة تدور رحاها الآن بين سياسيي البلدين، كما تخضع بالدرجة الأولى لميزان القوى بينهما حتى بعد لقاء القمة الذي جمع جاك شيراك بأنجيليا ميركل.

الآن، وبعد تقديم كريستيان ستريف استقالته من رئاسة الشركة وفقاً لما طالب به عدد من أصحاب القرار ومساهمي المجموعة، فإنه بات من المتوقع وهنا لبّ المشكلة المرتقبة، أن يتم إيجاد بنية لإدارة المجموعة تكون خاضعة للتأثير الألماني، هذا ما لا يمكن ان تقبل به فرنسا التي تتهم علناً الوحدة الانتاجية بهامبورغ بالوقوف وراء المشكلات التي تعرضت لها طائرة ايرباص 380A، فاختبار القوة الصامت بين الشريكين الألماني والفرنسي يضاف إليه الأسئلة بشأن موقف روسيا الفعلي، فالكرملين الذي تفيد المعلومات أنه اشترى في البورصة أسهماً لشركة «أو آ دي اس» بنسبة 5 في المئة يمكن ان تلعب دوراً مؤثراً في الوقت المحدد كفيل بالتأثير في الميزان، فالمقربون من الرئيس فلاديمير بوتين يحاولون إفهام الطرفين بأنه لا غنى عن روسيا بعد الآن، في حين تشير بعض المعلومات إلى ان موسكو اشترت خلال الأزمة الحالية المترافقة مع انهيار سعر سهم المجموعة 5 في المئة إضافية من رأس مالها، في الوقت نفسه تسرب الجهات المقربة من الرئيس الروسي أن الخيار بالوقوف إلى جانب هذا الفريق أو ذاك لم يتخذ حتى الساعة، ما يخيف الأطراف المتناحرة أكثر فأكثر ويجعل من تحديد الرابح اليوم شيئاً صعباً للغاية.

التحديات الثلاثة

ناهيك عن عملية اختبار القوة الجارية والحسابات الخاصة لدى بعض القوى السياسية في الجانبين الفرنسي والألماني إلا أن الأمر يبقى في نهاية المطاف رهناً بمواجهة التحديات التي أعلنها الرئيس المستقيل لايرباص. في هذا السياق، يجب الإقرار بأن طائرة 380A المختصة بالمسافات الطويلة وبنقل 800 راكب التي من المفترض أن تعطي دفعاً قوياً وحاسماً لايرباص مقابل منافستها بوينغ، لن تسلم لأصحابها في المواعيد المحددة، في طليعة هؤلاء المشترين شركة طيران سنغافورة فهذه الأخيرة كانت تتوقع الحصول على طلبتها بنهاية العام 2006 مع تحملها للتأجيل مرتين متتاليتين لكن في الحادي والعشرين من سبتمبر/ أيلول الماضي أعلنت المجموعة الأم «أو آ دي إس» تأخيرات أخرى واردة بالتسليم ما يعني بحسب دراسة قامت بها مؤسسة «مورغان ستافلي» مفادها أن هذا يعني أن جميع الجوانب الفنية الضرورية لإنجاز الطائرة لم يتم وضعها في نصابها حتى الآن. وتضيف إحدى الدراسات لمصرف الأعمال المذكور أن إيرباص لن تسلم إلا أربع طائرات 380A من أصل تسع في العام 2007، و16 في 2008، أي نصف ما كان متوقعاً و25 في 2009 بدل 40 و30 طائرة في 2010 بدل 45. أما بالنسبة إلى شركة طيران «الإمارات» التي تطالب اليوم بتعويضات تصل إلى 200 مليون دولار فإن التأخير بستليمها طلبياتها سيتجاوز هذه المرة عشرة أشهر، ويعود التأخير بالدرجة الأولى إلى التباينات الحاصلة على مستوى التصنيع الإلكتروني بين وحدتي هامبورغ الألمانية وتولوز الفرنسية حيث يتم تجميع الطائرات، فأكثر ما يثير العجب لدى الخبراء هو أن جميع هذه المشكلات قد تم تشخيصها منذ العام 2004 التي بقيت بعلم جميع المسئولين من دون حل حتى وقعت الكارثة. من هنا، يطرح السؤال الآتي: هل لدى هؤلاء مصلحة في اخفاء هذه المعضلات بدلاً من حلها؟ هنا يذهب البعض لإثارة الشكوك لناحية وجود مؤامرة أعدها بعض أقطاب «أو آ دي إس» بهدف كسر ايرباص 380A لصالح منافستها بوينغ. ما ينفيه جملة وتفصيلاً السياسيون في كل من فرنسا وألمانيا، مع ذلك يبقى السؤال قائماً لناحية استبعاد سكاول شامبيون في سبتمبر على رغم كفاحه ومهنيته وبالتالي فرض كريستيان ستريف الذي لم يعمل إلا على ترسيخ سلطاته.

على أية حال، فإن التأخير الحاصل سيكلف بحسب مؤسسة «ماكينزي» للحسابات فرع ألمانيا مبلغ 500 مليون دولار سنوياً على أربع سنوات، ما يحتم بحسب مؤسسة «غولدمان ساخس» أن تتخلى ايرباص عن 7 من أصل 16 مصنعاً موزعاً على أوروبا.

أما التحدي الثاني الذي يجب على ايرباص مواجهته فيكمن في عملية التسويق وخصوصاً بعد أن استفادت بوينغ 787 من حسناتها الاقتصادية لناحية قلة استخدام «الفيول»، ومن التأخير القاتل الذي طرأ على تسليم الـ «ايرباص 380A»، اما التحدي الثالث المتعلق بالنواحي المالية فيعتبر أساساً في استمرارية أداء الشركة على النحو السابق أو الاضطرار إلى تعديله، في هذا الإطار، يؤكد الشركاء في مجموعة «أو آ دي إس» أنه بات من الضروري الدعوة إلى اجتماع عاجل للمساهمين بهدف ضخ أموال جديدة في شرايين المجموعة، لكن هذا الاقتراح لم يجد صدى قوياً وسريعاً بحيث أعلن المدير العام لشركة «بي أي إي» (BAE) البريطانية أنها على استعداد لبيع حصتها البالغة 20 في المئة في المجموعة الأوروبية بقيمة 2.75 مليار دولار، بدل المساهمة في زيادة رأس المال كما هو مطروح بعد الأزمة، وتفسر أوساط بريطانية نية مغادرة BAE هذه لإدراكها أن الخسائر من جراء تأخير تسليم ايرباص 380A في مواعيدها ستتجاوز 500 مليون دولار سنوياً، ذلك في حين انه من المشكوك فيه ايضاً ان تبدأ الشركة بتحقيق أول ارباحها قبل سنة 2010.

ويخشى الخبراء، من ناحية أخرى، ان تتطلب الطلبيات العائدة لطائرة ايرباص 380A مصارف مالية اضافية تزيد بكثير عن الكلفة المقدرة بـ 4 ملايين يورو، وربما تكون الضعف بحسب مورغان ستافلي، فالتأخير بمجمله سيسحب نفسه على صناعة ايرباص بكاملها.

التوازن الفرنسي - الألماني المهدد

من أهم الأسباب التي دفعت بالرئيس المستقيل لايرباص كريستيان ستريف إلى تقديم استقالته هوعدم التجاوب مع اقتراحه إعادة النظر في التوازن الذي كان سائداً بين الفرنسيين والألمان، وبالتالي الحصول على استقلالية أكبر، ففي حين طالب الطرف الفرنسي المتمثل في الدولة وفي الرئيس الشريك في مجموعة «أو آ دي إس» لويس غالوا بأن يخفض من سقف مطالبه، والتخفيف من هجومية مشروعه بهدف تجنب أي خلاف اجتماعي على مشارف الانتخابات الرئاسية الفرنسية، لكن بالاضافة إلى ذلك، فإن الجانب الفرنسي المعني بالملف يريد تجنب أزمة جديدة على مستوى القيادة بأي ثمن وخصوصاً بعد استقالة نويل فورغار في يوليو/ تموز الماضي من رئاسة «أو آ دي إس». فالمساهم الألماني دايملر كرايسلر لا يريد ان يعاقب نتيجة إعادة التنظيم هذه كما انه يعارض أية استقلالية.

على أية حال، فإنه من الصعب ايجاد توازن كامل بين شريكي ايرباص والمجموعة الأم «أو آ دي إس» وخصوصاً عندما يحمل الجانب الفرنسي وحدة هامبورغ الانتاجية مسئولية التأخير الحاصل في تسليم الطلبيات من قبل ايرباص، فلهذا السبب لم يعط مجلس إدارة «أو آ دي إس» الضوء الأخضر لدراسة خطة العمل المقدمة من قبل كريستيان ستريف، كون الأخير الذي ينوي جعل المصانع أكثر تخصصاً من خلال جذب جميع العمليات إلى المصنع الموجود في مدينة كولوز الفرنسية وجعله مركز التصنيع الكامل لايرباص 380A ذلك في مقابل تحويل هامبورغ إلى مركز لتصنيع طائرة ايرباص 320A، هذا الخيار من شأنه إعادة النظر في جميع التوازنات الأخرى بين الألمان والفرنسيين، ومن المؤشرات الاضافية على التوتر الحالي القائم بين الطرفين محاولة الحكومة الألمانية الشراء المؤقت لحصص في مجموعة «أو آ دي إس» ما ترفضه فرنسا جملة وتفصيلاً

العدد 1505 - الخميس 19 أكتوبر 2006م الموافق 26 رمضان 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً