العدد 1613 - الأحد 04 فبراير 2007م الموافق 16 محرم 1428هـ

عصفور أنظمتنا ولا عشرة تطير فوق الأساطيل!

حيدر محمد haidar.mohammed [at] alwasatnews.com

من نافلة القول إنه بوسع العاقل أن يدرك وجود مؤشرات كثيرة لدى النظم السياسية الخليجية في التراجع عن مشوار الاصلاح الذي بدأته غالبيتها قبيل وبعد حوادث سبتمبر/أيلول 2001على قاعدة «أخاك مجبر لا بطل»، فبعد تلك الحوادث وضعت بعض الانظمة السياسية قدمها اليمنى بتردد وقلقٍ كبيرين في قطار الديمقراطية الذي نادت به الادارة الاميركية، ونقلته على الهواء عبر الاساطيل وحاملات الصواريخ المتجهة الى بحر الخليج المضطرب دائما منذ مشارف الثمانينات حتى الآن.

هذه الانظمة تسابقت على اثبات حسن نواياها تجاه المشروع الاميركي الجديد والضروري لواشنطن، وكانت هذه الخطوة -المتأخرة كثيرا والمتلكئة في الوقت ذاته - تشكل غطاء جيدا للوجه القاتم من الصورة، وهي الحملة الاميركية أو المؤمركة التي شنت ليس فقط على تنظيمات وصفت بالارهاب انما تعدت ذلك لتصل في ظرفٍ زمني قصيرٍ إلى حد اجتياح دولٍ مختلفة تحت ذرائع شتى.

للتاريخ فقط، فإن ما أعطته النظم السياسية العربية عموما والخليجية خصوصا لم يكن شيئا كبيرا، ولا يرقى في كثيرٍ من الاحيان لتسميته بـ «العطايا»، لأنه لم يضع شعوب الخليج على عجلة الديمقراطية الحقيقية المنتظرة والتي حلمت بها شعوب شبه الجزيرة العربية منذ عقود، ودفعت بعضها في سبيل تحقيقها مشوارا طويلا من القرابين والتضحيات.

ان خير نعتٍ يمكن أن نفسر فيه الخطوات الانفتاحية الخليجية هو «حكم الواقع»، وبمعنى أشد وضوحا فإن ما فعلته هذه الانظمة كان مجاراة لمباراة الولايات المتحدة مع «المارقين» الذين اكتشفوا السياسة الاميركية منذ وقتٍ مبكر، كما ان دول المنطقة التي حصلت على الضوء الاخضر لرفع بعض القيود غير المؤثرة عن شعوبها لم تنجح في اللحاق بالمشروع الام في اختبار العراق الاصعب، على رغم ان الحكومات الديمقراطية المتتالية في العراق فشلت أو أفشلت في حل المعضلتين الامنية والاقتصادية، والخلل لم يكن في أداء هذه الحكومات وانما لأن «الكبار» لم يريدوا لهذه الحكومات أن تجسد تطلعات الشعب العراقي الحقيقية.

بعد العام 2003 تحديدا تغيرت صورة المنطقة رأسا على عقب، وعلى رغم اننا كشعوب في هذه المنطقة - ونقر بذلك - كنا متلهفين الى النموذج الديمقراطي العراقي، لكننا سرعان ما أدركنا أنه نموذج قاصر ومشوه، لأنه ببساطة لم يراد لملايين العراقين أن يتذوقوا ثمرة معاناة الثلاثين عاما، فالمحتل عمل على زرع بذور العراق الطائفي، وهذه الثمرة الخبيثة رعتها وغذتها أو تغاضت عنها دول الجوار جميعا، وهنا لن نستثني أحدا، فالعراق أصبح - كما كان في عهد الطاغية تماما- مصنعا كبيرا لتصدير القتل والاقتتال العرقي والطائفي والمذهبي والسياسي الى المنطقة كلها.

بعد ستة أعوامٍ من المشروع الاميركي ونصيبنا من الدمار الذي خلفه في الانسجة الاجتماعية لبلداننا، نشعر بحسرةٍ أن رائحة الديمقراطية الحقيقية التي بشرتنا بها الاساطيل من جهةٍ وسماسرة وعرابو المشروع الاميركي من جهةٍ أخرى أضحت بعيدة عنا أكثر من أي وقتٍ مضى، فأميركا اليوم تراجعت عن مشروعها الذي أطلقته قبل سنوات، بل وأرسلت اشارات أو ذبذبات برتقالية حينا وخضراء أحيانا لحلفائها في المنطقة بالتراجع عن ذلك أيضا. وحدنا نحن المخطئون يا سادة، فشعوبنا لم تزن المعطيات بمقياس صحيح، والافضل لنا الآن أن نبقي على القدر المتبقي من رائحة الانفتاح الى حين ان تقرر الآنسة رايس لأنظمتنا ولشعوبنا وصفة جديدة، وبانتظار تلك الوصفة ليس أمامنا سوى الصبر والحفاظ على ما في ذات اليد، فعصفور انظمتنا خير من عشرة عصافير تطير فوق حاملات الصواريخ التي تتهيأ مجددا لارتكاب حماقةٍ أكبر زمانا ومكانا، ولا عزاء لشعوب المنطقة!

إقرأ أيضا لـ "حيدر محمد"

العدد 1613 - الأحد 04 فبراير 2007م الموافق 16 محرم 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً