العدد 1918 - الخميس 06 ديسمبر 2007م الموافق 26 ذي القعدة 1428هـ

الدنيا ما زالت بخير

علي الشرقي ali.alsharqi [at] alwasatnews.com

في جلسة مغلقة ضمت نخبة من المثقفين الخليجيين تناول أحدهم زمام الحديث مركزا على قضية مهمة جدا هي «الفسادين المالي والإداري» التي انتشرت انتشار النار في الهشيم - كما يقولون - في بعض البلدان الخليجية وغيرها.

يقول المتحدث: الفساد المالي واضح وضوح الشمس في كبد السماء، والتلاعب بأموال الشعوب والحكومات لا يحتاج إلى دليل، فهو يتغلغل في أوساط الموظفين الصغار فضلا عن أصحاب المناصب الكبيرة، وإلا ماذا يعني تحول مسئول بين عشية وضحاها إلى مليونير مشهور بعد أن كان «مديونير» و»مرهونير»، وما تفسير انتقال موظف بسيط إلى أصحاب الألوف بعد أن كان يتقاضى راتبا بسيطا، فصار يملك العمارات والسيارات والمزارع والشركات.

وللتدليل على صدق كلامه سرد المتحدث قصة واقعية يبرهن بها على وجود الفساد بأنواعه فقال:

لاعتبارات معينة أسندت إليّ مهمة دراسة مشروع اقتصادي كلفته الإجمالية لا تقل عن عشرين مليون دينار تحت إشراف وزارة خدمية في إحدى البلدان الخليجية، وما يتطلبه ذلك من تكوين لجان دراسة معمقة وغيرها، وقد قمنا بكل ما يتطلبه المشروع من دراسة شاملة لكل الجوانب، وقد أخذ هذا من وقتنا وجهدنا الكثير حتى أكملناه ولله الحمد. وفي أحد الأيام فوجئت بشخصين يدخلان عليّ مكتبي، أحدهما أجنبي، والآخر له صلة بالمشروع الذي أوضح قائلا إن الأجنبي مستشار المشروع، واقترح عليّ القيام بجولة تشمل بعض البلدان المتعلقة بالمشروع، كل ذلك على حساب صاحب أو أصحاب المشروع، كما قدم لي شيكا بقيمة مليوني دينار نظير نصيبي من المشروع المذكور مقابل الموافقة على المشروع كما يريده أصحابه، فما كان مني إلا أن رفضت العرض وما يحيط به من إغراءات يسيل لها لعاب الكثيرين، وسلمت عليهما سلام مودع شانئ لمثل هذه العروض التي تفوح منها رائحة الخيانة لله ولرسوله ومقدرات الوطن والشعب. وكرد فعل على رفضي «الرشوة الكبيرة» ألغي دوري في المشروع وألغيت اللجنة التي تكونت لدراسته وكونت لجان أخرى تنسجم مع المشروع وأصحابه، فحمدت الله أنني لم أرتمس في هذا المستنقع النتن ولم أذق لقمة حرام، كما كنت دائما.

هذا مثال واحد فقط على توغل الكسب الحرام الناتج عن الفساد المالي والإداري وغيرها كدليل يتطلبه المقام وكذلك دليل على وجود مسئولين وموظفين نظيفي اليد، نقيي السيرة، يقظي الضمير، كل ذلك صالح لاتخاذه برهانا على أن الدنيا ما زالت بخير ما دام فيها من يرفض الملايين وما يحيط بها من لذات ومتع الدنيا الفانية والتطلع إلى حياة الجنان الباقية.

إنه درس - وأي درس - يمكن أن يتخذ نبراسا لأصحاب القصور وأصحاب البيوت الآيلة للسقوط، على أن الحرام لا يبقى، وإن بقي دمر، ونحن متفائلون دائما بأن الدنيا ما زالت بخير... اللهم اختم لنا بألف خير.

إقرأ أيضا لـ "علي الشرقي"

العدد 1918 - الخميس 06 ديسمبر 2007م الموافق 26 ذي القعدة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً