العدد 2116 - السبت 21 يونيو 2008م الموافق 16 جمادى الآخرة 1429هـ

عالم يرحل بمرارة... وعالم ينهض بالصبر!

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

ثمة انطباع متنامٍ في طهران بانّ العالم من حولها ومن حول حلفائها يتغيّر باتجاه خيارات حروب باردة على حساب الخيارالعسكري الذي كانت ولا تزال الإدارة الأميركية المنتهية ولايتها وشريكتها الإسرائيلية المترنّحة تهدد بها وتتوعد.

وعليه فإنّ طهران أحمدي نجاد التي تعتقد أنها تمكّنت من تجاوز مضيق التصادم العسكري الكبير والشامل مع الخصم وتثبيت دور إقليمي يحسب له حساب في اللعبة الدولية رغم أنف أميركا, أخذت منحى تفاوضيا معقدا ومتشابكا مع «القارة العجوز» حول مستقبل الدور الإيراني الممكن بمظلة نووية محلية أو وطنية هي من صنع ذلك الصبر الاستراتيجي الذي بدأ يؤتي ثماره الآنَ.

على هذه القاعدة من التفكير والقراءة الإيرانية جاء سولانا إلى طهران حاملا ما يسمّى برزمة المحفزات الغربية المتجددة مقابل ما بات يُعرف بسلّة التصوّر الإيراني التي قدّمت له في إطار معادلة تفاوضية مختلفة نوعيا عن سابقاتها بين الطرفين.

أمامنا الآنَ إذا عدّة شهور حاسمة لكنها لن تكون عصيبة ولا مأزومة ولا عالية التوتر بين هذه القارة العجوز التي لطالما توسّلت الطرق الملتوية مع واشنطن لتجنب المواجهة العسكرية مع إيران دفاعا عن مصالحها الاقتصادية المهددة وبين الدولة الحديثة الدخول الى نادي القوى الكبرى والتي لطالما وظفت الزمان والمكان و»دبلوماسية حياكة السجاد» للوصول إلى بر الأمان من شر «الشيطان الأكبر».

قد يكون من الصعب القطع أنّ زمن الحروب الاستباقية على الطريقة الأميركية التي ابتدعت بعد 11 سبتمبر/ أيلول قد ولّى, لكن القدر المتيقن هو أنّ زمن الاستخدام المفرط للقوّة واعتبار القوّة وحدَها هي العامل الحاسم في حل النزاعات إنْ لم يكن قد ولّى فهو في طريقه إلى التراجع والانكفاء.

أميركا اليوم لم تعد وحدَها هي اللاعب القوي, والعالم لم يعد أحاديا. صحيح أنه لم يترتب بعد على أساس عالم متعدد الأقطاب, لكنه يعيش مناخ اللا قطبية الأحادية ما يفتح المجال واسعا أمام ما بات يُعرف بالقوى الفاعلة من خارج صندوق النادي الدولي التقليدي.

وكما يقول ريتشارد هيرس في مقاله الأخير في الـ»فورين افيرز» بانّ على أميركا أنْ تعرف بان ثمة ما يسميه بـ»قوى فاعلة غير حكومية» باتت لاعبة أساسية في عملية صياغة العالم الجديد ومن بين أهمّها حزب الله اللبناني وحماس و... الخ, فإنّ الإيرانيين الذين هم على تماس فاعل وحيوي مع هذه القوى باتوا ربما هم المستفيد الأكبر إنْ لم يكن الوحيد في المنطقة منها في معركة إعادة تنظيم المسرح الدولي الذي بدأت ترتسم ملامحه منذ أنْ فتحت طهران معركة «توطين» تكنولوجيا الطاقة النووية أو بتعبير آخر بمعركة الكفاح من أجل نيل الاعتراف.

لم يكن قولا جزافا إذا أنْ يتطرّق احمدي نجاد إلى ما سمّاه انتقال الدور الإيراني من معركة الداخل الى «معركة إدارة العالم» مع كلّ ما يحمله هذا التعبير من طوباوية ظاهرة, وما حمله من انتقادات لاذعة من خصومه المحليين أو الإقليميين أو الدوليين.

ليس الآنَ هو الوقت المناسب للحكم على أداء احمدي نجاد الخارجي, تماما كما ليس هو الآنَ الوقت المناسب لإصدار الحكم النهائي على إدارة بوش العالمية, لكن حتى مجرد اسم الرئيس الأميركي القادم وبالطبع الأداء الحكومي الأميركي المقبل و الذي سيكون مختلفا بالتأكيد عن أداء الإدارة الأميركية الحالية سيسلط الأضواء على ما يجري حاليا في الأروقة الخلفية من المسرح الدولي من مفاوضات علنية أو سرية على حساب الأحادية الأميركية المتكسرة على سندان القوى غير الحكومية الفاعلة.

من جهة أخرى فإنه لم يعد أحدٌ في طهران يتوقع مواجهة شاملة في الأفق ما دام الفريق الحربي الأميركي ووكيله الإسرائيلي في طريقهما إلى الرحيل من المسرح السياسي الدولي قريبا حاملين معهما «خفي حنين».

هل يعني هذا إنّ معركة «تأميم» الطاقة النووية أو بتعبير آخر «الكفاح من أجل الاعتراف» بالدور الإيراني والموقع الذي تعتقد طهران أنها تستحقه في المعادلة الدولية قد انتهى؟!

بالتأكيد الجواب كلاّ , لكنّ القدر المتيقن من الإنجاز هو أنّ طهران استطاعت أن تجبر أصحاب نظرية الحروب الاستباقية الذين اختطفوا المجتمع الدولي على مدى الثماني سنوات السابقة ومعهم المتهورون الاقليميون من عتاة الإرهاب ومرتكبي جرائم الدولة المنظمة على ترحيل سيناريوهات المجابهة الشاملة في الأقليم إلى حلفائهم حاملين معهم وهم يغادرون المسرح الدولي حسرة تكرار السيناريو العراقي مع طهران.

قد يرى بعض المتتبعين لهذا الملف, أن في وجهة النظر الآنفة الذكر الكثير من المبالغة في تقييم الأداء الإيراني والكثير من التفاؤل غير المبرر في انتفاء سيناريو الحرب فيما تبقى من عهد المحافظين الجدد وفريق عمل العسكريتاريا الامريكية الاسرائيلية, لكن الأشهر القليلة المتبقية ستثبت لنا جميعا كم كان هذا البعض مسكونا بماكينة الدعاية والحرب النفسية التي صرف عليها الفريق الحربي الآنف الذكر عشرات الملايين ان لم يكن مئات الملايين من البترودولار الدولي والاقليمي.

ليس الآنَ هو الوقت المناسب لإصدار الحكم النهائي على أي من الفريقين كان على الصواب , لكن اتفاق الدوحة اللبناني رغم تعثراته الظاهرة وسيناريوهات محاولة إعطائه صفة «مع وقف التنفيذ»! كان ولايزال الملمح المهم في رسم الصورة المتاحة لعالم ما بعد المتهورين الدوليين والاقليميين والمحليين في كل قطر من اقطار ماحلمت به الآنسة رايس من شرق أوسط جديد.

لقد سقطت نظرية «سطوة القوة الغاشمة «او المفرطة, والتي ظن الكثيرون انّ باستطاعتها تطويع كل الإرادات المحلية في العالمين العربي والإسلامي في إطار ما كان ينظر له من نظرية الدومينو على خلفية غزوة تورا بورا وحرب التضليل والخديعة الكبرى ضد بلاد الرافدين.

فقد صمدت دمشق رغم كل ما أصابها من أعراض الصدمة الأولى, وتصدّت بيروت لكلّ سيناريوهات الفتن المتنقلة والفوضى البناءة والتي كان يهئ لها كبديل للخيار العراقي المتهافت, وتجاوزت فلسطين وغزّة هاشم حصار «شعب أبي طالب», وهاهي طهران تعبر آخر مضائق الحصار وسيناريوهات الحرب الشاملة رغم كلّ التسخين والتهديد والوعيد بتكرار السيناريو العراقي.

هذا فيما يستعد المتهور الدولي ورفيقه الاقليمي في مغادرة المسرح الدولي بزيارات وداعية للرفاق من «أوروبا العجوز» الى رواد ثورة الأرز, مربتين على أكتاف حلفائهم بأنهم لايزالون عند وعودهم رغم «اتفاق الدوحة التسووي» كما قالت الكوندا رايس في جولتها التوديعية للبنان و»على الوعد يا كمون» كما يقول المثل.

العارفون ببعض خبايا التنافس الخفي بين «أوروبا العجوز» - بحسب وصف كولن باول طبعا - ورواد الحروب الاستباقية من المغامرين الجدد, لطالما حملوا الرسائل الخفية إلى العواصم الاقليمية المعنية وفي مقدمتها طهران والتي مفادها أن اشتروا الوقت بقدر ما تستطيعون, فإن أوروبا هي الأخرى بحاجة الى هذا الوقت الذهبي حتى تمر العاصفة بأقل الخسائر الممكنة.

والآنَ ثمة من يرى في الأفق نوعا ما من أنواع «معادلة ربح ربح» في المفاوضات الجديدة التي بدأت بين أوروبا وإيران انطلاقا من زيارة سولانا الأخيرة لطهران على خلفية «الرزمة الإيرانية» مقابل «الرزمة الأوروبية» وذلك على حساب معادلة «ربح خسارة» التي سعت أميركا في فرضها على أجواء المفاوضات طوال السنوات الماضية لكنها أخفقت حتى في إقناع الحليف الأوروبي على تبنيها الكامل ناهيك في إخضاع طهران لها.

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 2116 - السبت 21 يونيو 2008م الموافق 16 جمادى الآخرة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً