العدد 2144 - السبت 19 يوليو 2008م الموافق 15 رجب 1429هـ

سمير القنطار هو البيان الوزاري للبنان والعرب!

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

ما حصل في لبنان خلال الأيام القليلة الماضية كان حدثا جللا بكل المعاني سيكتب عنه التاريخ يوما أنه غير ليس وجه لبنان فقط بل وجه العالم أيضا.

لقد كان العالم كله حاضرا في عملية التبادل أو ما سموها صانعوها وأهلها بعملية الرضوان، فهل تريدون انم نقرأ سويا معنى ما حدث؟

إليكم بعض دلالات ذلك العرس الوطني والقومي والإسلامي والإنساني الذي كنا نحن الباحثين المدعوين من جنسيات عربية وإسلامية مختلفة للمشاركة فيه تحت عنوان المؤتمر الدائم لدعم لمقاومة، شهداء عليه:

أولا: لقد أذعن العدو وأقر صاغرا بضرورة تحرير عميد الأسرى اللبنانيين والعرب المناضل الكبير سمير القنطار الذي من أجله خطف الجنديان وبسببه اندلعت الحرب ضد لبنان قبل عامين، عن طريق التفاوض غير المباشر والتبادل، أي تماما كما وعد قائد المقاومة الإسلامية منذ اللحظة الأولى، نعم لقد عاد سمير المحكوم بأكثر من مؤبد وبمئات السنين محررا ومعززا ومكرما ومعه الأسرى الأربعة من مجاهدي حزب الله الذين أسروا من أجل تحريره دون منة من أحد أي أحد، ولكن بفضل الله ومنه ودماء الشهداء وعرق المجاهدين فقط لا غير.

ثانيا: لقد احتفى بالمقاومين المحررين لبنان كل لبنان من حكام ومحكومين وبإجماع وطني قل نظيره في تأريخ الشعوب المناضلة و «صادف» أن كان يوم التحرير هذا هو اليوم نفسه الذي اجتمعت فيه حكومة الوفاق الوطني أو الشراكة الوطنية لتدرس بيانها الوزاري فكان عنوانه بامتياز هو «سمير القنطار» بكل ما يحمل سمير القنطار من أفكار ودلالات وعناوين وإشارات «جامعة مانعة» كما يقول الفقهاء.

ثالثا: إن هذه العودة المظفرة لسمير القنطار حملت في ثناياها دلالة «التشريع الدولي» الموقع بخط الأمين العام للأمم المتحدة كما بخط الوسيط الألماني إضافة إلى خط قيادة العدو مجتمعة وهي كارهة و صاغرة طبعا، على أن من حق العرب كل العرب أن يجتازوا حدود بلادهم مع فلسطين المحتلة من أجل الدفاع عن فلسطين وهو اعتراف خطير من حيث الأهمية والدلالات القانونية والعرفية في بروتوكولات وتشريعات المجتمع الدولي سرعان ما سيكتشف العالم تداعياتها على نضالات الشعوب في المستقبل القريب.

رابعا: وأما إعادة الذاكرة الفلسطينية الشاهدة والشهيدة على جرائم العدو الصهيوني بحق الفدائيين الفلسطينيين والفدائيات، وذلك من خلال استعادة رفات أولئك المقاومين والمقاومات وفي طليعتهم الفدائية العملاقة دلال المغربي مما سمي بمقابر الأرقام وإعادة تجليلهم وتكريمهم على رغم مرور عقود على نسيانهم في تلك المقابر، فإنه يحمل هو الآخر دلالات لا تقل أهمية عن تلك الخاصة بعودة سمير القنطار، ففي هذه الفقرة من صفقة التبادل إنما يقر العدو صاغرا ومكرها أيضا، ومعه العالم كل العالم من خلال الأمين العام للأمم المتحدة ووسيطه الألماني بحق كل اللاجئين والنازحين الفلسطينيين من أهل الشتات بحقهم القانوني والشرعي والعرفي في اجتياز كل الحدود العربية مع فلسطين المحتلة من أجل استرجاع أرضهم.

خامسا: إن ما صرح به المناضل العربي الكبير سمير القنطار بقوله: إنه والله ما عاد إلى لبنان إلا ليعود إلى فلسطين ثانية ودفاعه الحازم والقاطع عن نهج المقاومة وسلاح حزب الله واعتباره هذا السلاح سلاحا إنما أعد أصلا من أجل ما بعد بعد مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، إنما هو كلام سيقلب التوازنات اللبنانية الداخلية رأسا على عقب وسيكون بمثابة دعم وإسناد قويين لفكرة وجوب الأعداد لمنظومة التحرير والدفاع الوطني اللبناني على قاعدة انتماء إلى بنان لمحيطه العربي والإسلامي بامتياز.

سادسا: وأخيرا وليس آخرا وربما هو فصل الخطاب فيما سمعناه هنا في لبنان خلال هذا العرس العالمي الذي شهده لبنان في الأيام القليلة الماضية، وهو تقديم سماحة السيدحسن نصرالله باعتباره صانع هذا الانتصار الكبير، خطابا جديدا متفاوتا عما نعرفه سابقا حول مقولة المقاومة عندما اعتبر أن المقاومة وثقافتها ستبقى هي الثابت الأساس وأن عناوينها وإعلامها وأحزابها وفصائلها إنما تتغير طبقا للمراحل والعصور وتغير الأزمان، وأنه ليس بالضرورة أن تكون الطبقة أو الفئة الحاملة لهذه الثقافة فئة أيديولوجية أو طائفة بعينها، ما يفتح الباب واسعا أمام تخيل خيارات متعددة وإشكال متنوعة من المقاومات التي قد تشهدها الساحة اللبنانية أو الساحات العربية مستقبلا خصوصا بعد أن ربط هذه المقولة بفضاء عابر للحدود كما للخصوصية اللبنانية.

تبقى مسألة أخيرة وخطيرة أيضا ولا تقل أهمية عن كل ما سبق، وهي أن تيارا لبنانيا «مسيحيا» انعزاليا كان حتى الأمس القريب بمثابة التيار الغالب وهو الذي يصبغ العمل السياسي المسيحي العام، فإذا به يتراجع خلال السنتين الماضيتين ليصبح تيارا منعزلا ومحدودا ومحصورا، مقابل ظهور وتبلور تيار جديد حازم في خياراته وواسع النطاق في انتشاره يحمل ليس فقط إرادة حازمة وصارمة في التغيير والإصلاح للنظام اللبناني ومحاربة الفساد المستشري فيه، بل ويبدي تعاطفا وتفهما وتفاهما متناميا مع المقاومة اللبنانية الإسلامية بما قلب موازين القوى الداخلية اللبنانية أيضا رأسا على عقب، وخلق لبنانا آخر تماما غير لبنان الذي عرفه العرب أو الأجانب على مر السنين، ألا وهو التيار الوطني الحر.

هذا التيار الوطني الحر كان هذه الأيام مثله مثل الجماعة التي حملت البندقية دفاعا عن البلاد والوطن والحرية يحتفل بهذا النصر العظيم، ومثله كان كبار ضباط الجيش اللبناني، بل ومثلهم كبير أحرارهم الجنرال الحر ميشيل عون الذي التقيته وهو يشرح لي زهوه بهذا النصر الكبير وكأنه من صناعه المباشرين و كيف أن اللبنانيين كانوا ينتظرونه بمثابة حلم كان ينتظره اللبنانيون، وهكذا الأمر مع سليمان بيك فرنجية الذي شرح لي مطولا مدى شغفه واعتزازه وفخره بصداقة عماد المقاومة وصانع الانتصارين الحاج عماد مغنية، وكذلك الرئيس المقاوم فخامة الرئيس العماد إميل لحود الذي اعتبر نفسه معنيا مثله مثل أي مقاوم في هذا النصر المظفر، وهذا غيض من فيض مما يجري من تغيرات جوهرية في الساحة اللبنانية منذ كانت المقاومة ولا تزال هي عنوانها العريض وجاء تحرير سمير القنطار ليكون بيانها الوزاري كما أسلفنا.

العالم كله كان حاضرا وشاهدا في لبنان هذه الأيام أيضا من خلال شاعر الفقراء والمستضعفين والجياع والمتمردين الأديب الكبير المصري أحمد فؤاد نجم، الذي جاء ليحتفل مع جمهره العريض والكبير وإلى جانبه شاعر الأجيال الصاعدة والجريئة والطامحة في التغيير، الشاعر الفلسطيني الكبير تميم البرغوثي الذي وصف نصر تموز الثالث أي تحرير الأسرى بأنه أشبه باتساع رقعة كساء النبي - نسبة إلى حديث الكساء على حد قوله - لتشمل ليس فقط كل لبنان بل وكل الوطن العربي بل والعالم كله.

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 2144 - السبت 19 يوليو 2008م الموافق 15 رجب 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً