العدد 2158 - السبت 02 أغسطس 2008م الموافق 29 رجب 1429هـ

عندما تحتفل دمشق وطهران بخريف الصهيونية!

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

نحو سبعين وزيرا من وزراء مجموعة دول عدم الانحياز اجتمعوا في العاصمة الإيرانية (طهران) الأسبوع الماضي في إطار الدورة الخامسة عشرة للمجموعة، ولسان حالهم جميعا كان يتحدث بلغة واحدة القدر المتيقن والمشترك فيها هو أنه كفى تفردا وكفى هيمنة على مقدرات هذا العالم تحت أية ذريعة كانت وباسم أية دعاوى حتى لو كان اسمها إشاعة الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهذا الكلام يذكرني بالمجاهد الجزائري الراحل عبدالحميد باديس الذي قال يوما وهو يقاوم المستعمر الفرنسي ما مضمونه: والله لو قالت فرنسا لا إله إلا الله، ما كررت ذلك خلفها ولا قلته.

ومن جهة أخرى فإن طهران اليوم منشغلة بقمة استثنائية تجمع بين الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس محمود أحمدي نجاد في ظل حملة شرسة على كل من سورية وإيران؛ الأولى لكونها المتهمة في رعاية ما يسمونها بمنظمات الإرهاب العربي الفلسطيني (أي فصائل المقاومة الفلسطينية والجهاد الفلسطسيني ككل)، والثانية لأنها باتت بمثابة البنك المركزي الراعي للإرهاب العالمي، وذلك لأنها وضعت في أولى أولوياتها دعم الكفاح والنضال العالمي ضد ما بات يعرف بالشيطان الأكبر أي أميركا في صدر جدول أولوياتها. في هذه الأثناء فإن اللحظة التاريخية التي يمر بها العالم باتت في أوج انقلاباتها وتحولاتها العظيمة، وذلك للأسباب الآتية:

أولا: أن القضية الفلسطينية وهي القضية المركزية التي منها انطلقت كل معانات هذا الشرق العربي والإسلامي الحالية منذ نحو ستين سنة على الأقل باتت اليوم محط أنظار كل إنسان حر شريف في العالم العربي على الأقل مهما اختلف أو تفاوتت نظرته مع الجهاديين والإسلاميين الفلسطينيين أو غير الفلسطينيين في تصوراتهم ورؤيتهم للنضال والكفاح المسلح، وهو اليوم يريد حلا جذريا لهذه القضية الإنسانية التي باتت تؤرق الضمير الإنساني الحر ولم يعد الحد الأدنى المقبول من الحل سوى إعادة هؤلاء المنفيين والمنتزعين والمقتلعين من أرضهم بقوة السلاح إلى ديارهم الأصلية، وهو ما جاء على لسان الجنرال العماد ميشال عون وهو المؤمن المسيحي بامتياز، حيث أعرب في آخر تصريحاته بصراحة عن ضيق صدره الواسع بما اختلقته ولاتزال المَكَنَة الدعائية الغربية من «تجليط» أي كذب وتدجيل في هذا الشأن على امتداد الستين عاما الماضية، كما ورد على لسانه بالحرف الواحد.

الأمر الذي يعني فيما يعنيه أن هذه القضية المقدسة لم تعد مجرد مشكلة سياسية خلافية بين الكيان الصهيوني ومجموعة من الفلسطينيين الإسلاميين المسلحين الفارين من وجه العدالة الدولية كما تحاول أن تصفهم وتتهمهم الدول الغربية الكبرى وحكومة تل أبيب وتوصمهم بالإرهاب وتتهم سورية باحتضانها غير المشروع لهم، فيما تتهم طهران بدعم وإسناد هذه المجموعات بكل ما أوتيت من قوة، ما يجعلها تأخذ صفة البنك المركزي للإرهاب بحسب مواصفات الدول الغربية الكبرى أيضا مقابل أن تنعت هي نفسها وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الأميركية بالدول التقدمية والديمقراطية الحرة.

ثانيا: لقد تحول لبنان ذلك البلد الضعيف والمستضعف منذ ما يقرب من الستين سنة أيضا إلى بلد يفاخر به ليس فقط الشعب العربي اللبناني وقواه الحية إلى أي طائفة أو مذهب أو دين أو معتقد انتمت، بل وكل جمهور الشعب العربي من أقصاه إلى أقصاه والأمة الإسلامية من طنجة إلى جاكارتا، بل والعالم الحر الشريف في كل مكان من جهات الكرة الأرضية الأربع، حتى بات المثال الأبرز إن لم يكن الوحيد في هذا العصر لمقولة: «كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله...» (البقرة: 249)، الأمر الذي أشاع ثقافة المقاومة وإمكانية الانتصار على الأقوياء بفضل الإيمان المدجج باليقين كما تقول وسائل إعلام العدو نفسها، قبل وسائل إعلام الصديق، وهو ما جعل لبنان في صدر قائمة «الدول العظمى» إن لم يكن في صدر العالم ومركزه، على رغم صغر مساحته الجغرافية وقلة عدد سكانه وافتقاره إلى الإمكانات المادية المشهورة والمعروفة من ذهب أصفر أو أسود أو ترسانة أسلحة فتاكة، وهي الإمكانات التي عادة ما تتباهى بها الأمم هذه الأيام.

ثالثا: وأخيرا وليس آخرا فإن الكيان المصطنع والمسخ الذي زرعه مرة أخرى ذلك المجتمع الغربي الغريب الأطوار عنوة وبقوة الحديد والنار قبل نحو ستين عاما من الآن أيضا، في قلب وطننا العربي والإسلامي بات اليوم يعاني من الشيخوخة والهرم البائنين والواضحين لكل لبيب، وهو يمر في فصل خريفه الذي لا يختلف اثنان على بدئه حتى داخل الكيان نفسه بعد أن تزايدت الدراسات والتحقيقات والتكهنات التي تقول إنه لم يبق من الكيان إلا ذلك الشريط الساحلي الضيق الممتد من حيفا إلى عسقلان مرورا بمنطقة تل أبيب كما ورد في دراسة متأخرة لأحد قادة الموساد السابقين وهو متاي شتاينبرغ في كتاب أخير صدر له تحت عنوان «يقفون أمام مصيرهم»، وذلك بعد أن أحاطت به جموع الحانقين ضده واللافظين لوجوده بينهم وهم الفلسطينيون، أو أنه بات يحمل بذور فنائه في داخله كما جاء على لسان الرئيس الأسبق للكنيست الصهيوني أبراهام بورغ.

الأمر الذي يعني فيما يعنيه أننا أي العرب من مسلمين وغير مسلمين والعالم الإسلامي بكل خريطته المتنوعة والمتعددة والموزعة في إبداعاتها الحضارية والثقافية والدينية بتنا اليوم أمة المستقبل وإن بدا المظهر قاسيا ومؤلما ومشوشا أو مشوها أو حتى مترهلا بعض الشيء بسبب إصابات المرض البالغة الخطورة، فيما يبدو الكيان الذي زرعوه في قلب وطننا الكبير والكبير جدا أشبه بالغدة السرطانية التي تنتظر الإزالة والقلع والكي عما قريب، وإن بدت قوية أو شرسة أو مستشرية أو منتشرة أو حتى في حالة «هجوم» ضد جميع الخلايا الحية والسليمة والنظيفة في جسمنا الكبير.

مرة أخرى، إننا أمام جسم يبدو عليلا ومريضا بسبب إصابته البالغة بالسرطان ولكنه يتماثل إلى الشفاء العاجل والعاجل جدا بعد أن اكتشف «الفيروس» المقاوم لهذا المرض بل وجرب بكل نجاح على جسم لبنان الحبيب الذي ها نحن نراه يتعافى بسرعة هائلة، مقابل جسم يبدو قويا ومتماسكا وصلبا في ظاهره بسبب الحقن الاصطناعي المتلاحق والمستمر من فيروسات من أمثاله، لكنه منخور من الداخل ومحاط من كل جانب بكل أنواع «فيروسات» المقاومة القادرة على تفتيته واستئصاله كما تستأصل كل سرطانات الدنيا التي اشتهرت منذ أيام الحرب العالمية الثانية مثل النازية والفاشية والعنصرية.

في مثل هذه الظروف يجتمع اليوم الرئيسان بشار الأسد وأحمدي نجاد في طهران وذلك بعد أن أنهت العاصمة الإيرانية اجتماع دول عدم الانحياز بحضور نحو سبعين وزيرا قالوا جميعا بضرورة قطع واستئصال مرض الهيمنة والسيطرة والنهب المنظم لمقدرات البلدان والشعوب والأمم المستضعفة، وإعادة الحياة لنظام العدالة والتوازن الدولي والعلاقة المتكافئة بين الأمم التي تعطي لكل ذي حق حقه ومن اجل احتفال العالم بموت الصهيونية باعتبارها آخر أمراض العصر الحديث وعودة السلامة الكاملة إلى العلاقات الدولية بعد طول تعثر وغياب.

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 2158 - السبت 02 أغسطس 2008م الموافق 29 رجب 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً