العدد 2179 - السبت 23 أغسطس 2008م الموافق 20 شعبان 1429هـ

عالم ما بعد حروب الأنابيب القوقازية!

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

كل شيء بات موضوعا على طاولة المفاوضات للمساومة بين الدول الكبرى وبينها وبين القوى الاقليمية الطامحة لدور ريادي في المعادلة الدولية، منذ أن غرر الأميركيون بالرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي للدخول في مغامرة ضم أوسيتيا الجنوبية إلى بلاده ورميه إلى المجهول كما عملوا بالرئيس العراقي صدام حسين عشية تغريره بغزو الكويت!

حتى الأمم المتحدة وأمينها العام بان كي مون كانا من بين المغرر بهم أميركيا في السياق نفسه، حيث كان ثمة قرار قد خرج عن المنظمة الدولية في الرابع من أغسطس/ آب، شمت منه القيادة الجورجية أن ثمة ضوءا أخضر قد انطلق منها لصالح اجتياح الإقليم الانفصالي، هذا فيما كان الأمين العام للمنظمة الدولية قد اتخذ قرارا قبل ذلك بأسبوعين يقضي بتعيين ممثل خاص له في القضية، ما فهم على أنه تشجيع إضافي باتجاه الخطوة الحمقاء.

لكن كل ذلك كان مخططا له بعناية بحسب العارفين بشئون خريطة القوقاز الجيوسياسية والجيواستراتيجية، باعتبار أن مثل هذه الخطوة ستكون استفزازية للروس بامتياز، الأمر الذي سيدفع بموسكو إلى إحدى حالتين: إما أن تسكت على الخطوة وتكتفي ببيانات الاستنكار لاعتبارات الشراكة بينها وبين الأطلسي من جهة والتعاون الكبير المفتوح منذ مدة بينها وبين الأميركيين من جهة ثانية ولمناسبة انشغال العالم كله بالألعاب الاولمبية في الصين من جهة ثالثة، وقد قام هذا التحليل بناء على تجربة استقلال كوسوفو على ما يبدو، وإما أنها ستغضب فعلا ولكن غضبها لن يذهب بها إلى ابعد من مواجهة محدودة مع تبليسي تبقى محصورة دون أن تقلب الوضع الميداني العام بما يعكس خريطة جديدة للقوقاز فتضطر عندها الأطراف مجتمعة للجوء إلى مجلس الأمن الدولي والذي سينتصر بدوره لصالح وقف إطلاق النار بين المتحاربين لما فيه مصلحة الطرف المدعوم من واشنطن كما جرت العادة حتى الآن في غالبية القضايا الدولية.

غير أن روسيا المتحفزة أصلا تجاه التجبر الأميركي منذ مدة والمتحينة لفرصة ظرف يشبه ظرف «القشة التي قصمت ظهر البعير»، كما يقول المثل العربي لتواجه فيها كل الحالة الغربية المفرطة في استضعاف موسكو والموغلة في تطويق المجال الحيوي الروسي في أكثر من ملف وأكثر من موقع... ما جعل قيادة الكرملين تلتقط اللحظة التاريخية الذهبية وتقرر سحق الحملة الجورجية، بكل ما تعني الكلمة من معنى، وذلك في إشارة صريحة وواضحة وقوية لواشنطن، إلى أن زمن الاستضعاف قد ولى وجاء زمن التعددية القطبية، أي إعادة الحياة للدب الروسي ليس في مجاله الحيوي التقليدي فحسب بل وعلى المسرح الدولي برمته.

وهكذا بدأ العد العكسي عمليا لما يتمناه الكثيرون من أعداء وخصوم ومنافسي واشنطن في العالم، والذي يمكن تسميته بدحرجة الأحادية الأميركية باتجاه هاويتها المطلوبة وإن ببطء، ولكن بإحكام.

ولكن لماذا كان خيار جورجيا والإصرار من قبل جماعة ديك تشيني ومن بقي من المحافظين الجدد معه، هو الميدان هذه المرة الذي ظنوا أنهم سينجحون من خلاله في إنقاذ ما تبقى من ميراث رئيس الدولة العظمى المنهكة؟!

إن الجمهورية الجورجية الحالية كانت قديما مملكة مسيحية ارثوذكسية مستقلة، ولأنها تقع في محيط حيوي مهم للامبراطوريات التاريخية القديمة فقد تنقلت في تاريخها الحديث من سيادة إلى أخرى في حروب الامبراطوريتين الروسية والإيرانية القديمتين إلى أن استعادت استقلالها من جديد في العام 1992 من القرن الماضي على اثر انهيار الاتحاد السوفياتي السابق.

ولأنها تقع في النقطة الفاصلة أو الرابطة بين آسيا وأوروبا وهي النقطة التي تسمى أوروآسيا فإن لها موقعا جيوسياسيا مهما للروس من جهة كما للأتراك والإيرانيين من جهة ثانية كما للغرب الحالم بالاستيلاء على كل موارد العالم الحيوية سلما أو حربا.

فكيف إذا ما صارت هي الجسر الرابط لتدفق نفط وغاز الجمهوريات القوقازية وتلك الواقعة في آسيا الوسطى الحديثة الاستقلال عن روسيا وفي المقدمة منها جمهورية اذربيجان، إلى المياه الدولية الحرة من سواحل البحر الأسود.

فمنذ أن اكتشف العالم الغربي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مخازن وموارد الطاقة الكبيرة في كل من تركمنستان واذربايجان ويومها سموا تركمنستان بـ «كويت» بحر الخزر، بدأ التنافس عمليا على القوقاز والذي ظل خفيا في البداية ثم سرعان ما انتقل إلى العلن بين كل من إيران وتركيا وروسيا على من سيكون الجسر الذي منه تعبر أنابيب الطاقة القوقازية لإيصاله إلى المياه الحرة فيتحكم من خلالها بشريان الحياة الغربية، إلى أن تمكن الغربيون من التحكم في جورجيا عبر ما سمي بالثورات الملونة وكان من بين ما كان الأنبوب الذي ينطلق من باكو (عاصمة اذربيجان) ليمر بتبليسي (عاصمة جورجيا) وصولا إلى ميناء جيهان التركي الواقع على البحر الأسود.

وهذا الأنبوب هو ثاني أكبر انبوب نفطي في العالم انشأته شركة نفطية بريطانية هولندية مشتركة في إطار كونسورستيوم دولي الهدف منه تقليل اعتماد الغرب على النفط الروسي، قالت شركة الـ «بي بي» البريطانية النفطية إنه سيعمل لمدة سبعة أيام ثم يتم إغلاقه.

هذا إضافة إلى خطين آخرين احدهما للنفط والآخر للغاز يمران من الأراضي الجورجية أيضا وللغرض نفسه وقد تم إغلاقهما بسبب عدم الاستقرار وتفاقم النزاعات في الجمهورية الحديثة الولادة.

إيران كانت ولاتزال تحلم بأن تمر جميع أنابيب الطاقة من آسيا الوسطى والقوقاز عبر أراضيها إلى المياه الدافئة جنوبا لتتحكم بأسواق أوروبا، وهو ما حاولت وزيرة خارجية أميركا مادلين أولبرايت بتفويض من بيل كلينتون يومها أن تساوم عليه إيران سياسيا من دون جدوى.

روسيا هي الأخرى حاولت بجهد كبير أن تتحكم بهذه الأنابيب أو بجورجيا كلها حتى بعد الاستقلال ولكن من دون جدوى أيضا.

لكن الغرب نجح بالمقابل في اختطاف هذا الموقع الجيوسياسي المهم ومن ثم الأنابيب عبر شركاته المتعددة الجنسية فربحت تركيا العضو في حلف الناتو.

الآن وبعد أن اندلعت الحرب بين الغرب وموسكو على الأنابيب وعلى الموقع الجيوسياسي لجورجيا، ثمة من يعتقد أن ذلك من شأنه أن يشكك من جديد بنجاعة فكرة نقل الطاقة من آسيا الوسطى والقوقاز عبر الأراضي الجورجية إلى المياه الدولية، ولاسيما في ظل نذر حرب باردة أميركية روسية قد تطول.

وهنا بالذات ثمة من يتكهن باحتمال عودة بروز فكرة مساومة إيران على خطوط أنابيب بديلة كانت أولبرايت قد عرضتها على طهران، في ظل تزايد احتمالات عودة الديمقراطيين للحكم، والإشارات اللماحة الصادرة عن طهران تجاه واشنطن.

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 2179 - السبت 23 أغسطس 2008م الموافق 20 شعبان 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً