العدد 231 - الخميس 24 أبريل 2003م الموافق 21 صفر 1424هـ

«عبدة الشيطان» أحفاد حركة الهيبيين في الستينات!

السلطة في لبنان وعقلية الفزاعة :

قبيل غوص المنطقة العربية في حرب أميركا على العراق، كان لبنان في قبضة موجة مفتعلة من الرعب، اسمها «جماعة عبدة الشيطان». وليس الاسم جديدا. فقد علم الناس في هذا البلد بأمر هذه الجماعة قبل بضع سنوات، عقب انتحار عدد من المراهقين بشكل أثار ريبة الأهالي واهتمامهم، وليست هذه الجماعة قصرا على لبنان، ففي السنة الماضية، ألقت السلطات المصرية القبض على عدد منهم. وفي كلتا الحالتين اهتم الناس والاختصاصيون والتربويون بالمسألة. والمثير في هذه المرة - لبنانيا - تعمد أهل السلطة «النفخ» في صورة هذه الجماعة، إذ ظهروا على شاشات التلفزة ليدلوا بأحاديث هوّلت على الناس بالخطر العظيم الذي تمثله، وأفردت احدى الاقنية التلفزيونية حلقة خاصة بهذا الامر.

واستضافت تلك الشاشة رجلي دين، مسلم ومسيحي ومسئولين أمنين رفيعي المستوى، في غيبة من رأي علماء الاجتماع والفلسفة والاختصاصيين النفسانيين وغيرهم.

وبدل البحث عن جذور المشكلة شرع أهل السلطة بتعميم صورة غير واضحة عن اتباع تلك الجماعة، وبدت تلك الصورة «فضفاضة» إلى حد أن أي شخص يرتدي ملابس «غريبة» أو يستمع الى موسيقى عالية الصوت، يصبح متهما بالانتماء اليها.

هل أنا منهم؟

وأعتقد انه اذا ما طبقت تلك الاوصاف عليّ وبالاخص على الشخص الذي كنته في مراهقتي، فلربما توصل أصحاب العقل الأمني الى القول إنني من اتباع تلك الزمرة. وأخذت أشكك في نفسي، هل أنا كذلك؟

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. لم يخطر ببالي هذا الموضوع من قبل أبدا، ولكن لابد من «الاعتراف».

والأرجح ان الامر يعود إلى زمن الشباب. لكنه «فاجأني» في مدينة «سياتل» الأميركية. ففي خريف العام 2001. قصدت تلك المدينة لمتابعة مؤتمر عن التقنيات المتقدمة في الكمبيوتر، نظمته شركة «مايكروسوفت»، والحال ان حبا «نشب» بيني وبين المدينة لاسباب لا مجال لشرحها. وهكذا دبّت في نفسي قوة جديدة، كنت احسب انني اضعتها الى الابد. وخلال اقامتي فيها، ملت الى التبضع من مخزن اسمه «فيرست ايد فارماسي» (صيدلية المساعدة الأولية). وعلى ما يوحي العنوان فانه يضم بعض الأدوية، ولكنه يبيع كل البضائع التي تستعمل في الحياة اليومية.

وأثناء وقوفي في طابور المحاسبة، وقفت خلفي صبية أميركية في ميعة الصبا، وكانت تلبس بنطلونا أسود قاتم اللون، وفوقه «تي شيرت» وجاكيت من اللون نفسه، وقررت أن أمازحها، منجذبا اليها بكل الدوافع الممكنة: «يجدر بك أن تحذري» قلتها بصوتٍ عالٍ ومن دون أية براءة في الصوت، فأجابت:«أنا في مزاج عال ومتوتر بفعل تناول المنشطات» أكملت الكلمات الاخيرة فيما استدرت كليا نحوها. ونظرت مباشرة الى عينيها. وفي لحظة واحدة. انفجر كلانا بالضحك، وبدأ بيننا حوار. تلك لحظة من البراءة كانت ممكنة في الولايات المتحدة، قبل ان تخطف طائرات وأبراج صورة أمم بأكملها من ذهن الأميركيين. وربما أول ما خطر لها أن تسألني هو لماذا أردت الحديث معها. وأجبتها ان ما جذبني اضافة الى الجمال هو... تمردها!

جماعة فيرمونت!

وأول ما لاحظته فيها هو وضعها حلقا في لسانها، وكذلك وضعها في كل أذن ثلاث حلقات مختلفة. وزاد ذلك من الضحك. وشرحت لها انني من جيل «الهيبيز»، وان مراهقتي جاءت في زمن تمرّد فظيع ما فتئت آثاره تتردد الى الآن، فقالت: «الآن فهمت... أنت تشبه جماعة حي فريمونت». والحال ان هؤلاء هم من «شبيبة» جيل الستينات الذين يعتبرون أنفسهم أوفياء لافكارهم المتمردة في سني المراهقة، والتي ضمت مناهضة التمييز العنصري، وتأييد المرأة واستعمال الجسد، بما في ذلك الجنس، في التعبير عن رفض هيمنة القيم السائدة، وما الى ذلك.

ولمزيد من التوضيح، فان اهل حي فريمونت ليسوا من المتشردين ولا من المهمشين، والحال ان غالبيتهم من الموسرين تماما. وليس من الغريب مثلا ان تجد أحدهم يمتلك سيارة مرسيدس من أحدث طراز، ومع ذلك فانه قد يحتفظ بسيارة «فولكسواجن» قديمة. ربما لانها التي حملته الى حدائق «وودستوك» التي شهدت احد أقوى فصول التمرد الجنسي في الستينات.

ورويت لمحدثتي أن شبابا كثرا في الارض ساروا في ذلك الأمر. وبدت هي على دراية تامة بزمن «البيتلز»، اي الخنافس. وعلى ايقاع ضاحك استعدت كيف كان شكل شباب ذلك الجيل: شعور طويلة وكثيفة ومهملة، ذقون تقتدي بلحية الثائر الاسطوري تشي غيفارا. بنطلونات «تشارلستون» تنافي كل ما ألفه الناس قبلا، قمصان بألوان صاخبة، وملابس تلتصق بالجسد تماما، الرقص العنيف على ايقاع موسيقى «روك اند رول» والجيرك...

وتنبهت محدثتي الى غرقي في التذكر، ولاحظت ان ما يفعله جيل اليوم في الزي والتصرف يملك خيوطا عدة مشتركة مع تمرد مراهقي ذلك الزمان، فالمسألة هي استخدام الجسد وحدوده، بما في ذلك الملابس والموسيقى والرقص، في الاعلان عن ذوق فردي لا يريد الخضوع الى «الاجماع»، ويصر على حقه في فرديته وشبابه، ولم أملك الا موافقة الاميركية الشابة على خلاصتها. وشرحت لي أن مراهقي سياتل، الذين تميل كثرة منهم الى ارتياد نوادي حي فريمونت. يلونون شعورهم بألوان من كل ضرب، ويميلون الى الشعر الاقصر ، ويعتمدون تسريحات تبتعد عن المألوف وتميل الى «البانكس»، ويعطي هؤلاء اللون الاسود مكانة خاصة، ويسمى النوع الغامق بقوة منه بـ «غوثيك»، وترجمتها «القوطي»، نسبة الى الذوق العام لفترة «عصر الباروك» الذي سبق مباشرة عصر النهضة في أوروبا... هل يمكنني الآن، وقد سمعت من التلفزيون ما سمعه كل أهل لبنان من أوصاف أصحاب السلطة عن «عبدة الشيطان» الا ان أعتبر ان ذلك اللقاء في سياتل ينتمي الى تلك الجماعة؟ ولو سار اليوم أحد هيبيي الستينات الى جانب مراهق يرتدي ماسبق وصفه من ملابس مراهقي أميركا، فأي وصف تجده الجهات «الساهرة على الأمن» سوى القول انهم من جماعة عبّاد... العياذ بالله؟

النوم مع الجماجم!

وإضافة الى فعلتي «الشيطانية» في سياتل، اقر بانني قضيت سنوات طويلة من عمري واضعا في خزانتي الشخصية عظاما كثيرة، يمكنها ان تجمع في هيكل عظمي كامل، وأكثر من ذلك فأنا بذلت جهدا كبيرا مع بعض المال، من أجل جمع تلك العظام وتلوينها بألوان شتى.

ورقدت على سطح مكتبي جمجمة لفترات طويلة، وأملك من الشجاعة ما يمكنّني من القول انني مازلت محتفظا بتلك الجمجمة، اعترافا مني بفضلها - مع العظام - علي! فكيف كان لي ان اجتاز امتحانات كلية الطب، وخصوصا في السنة الثانية الشهيرة باحتوائها على علم «التشريح» الصعب، من دون تلك العظام؟ وكيف لي ان أفهم تركيب الدماغ والاعصاب من دون تلك الجمجمة؟ ربما يعترض البعض، لألف سبب وسبب. على تلك الطريقة في تدريس الطب، وتهجره جامعات كثيرة، وتتجه إلى الاعتماد على هياكل اصطناعية مكونة من لدائن منوعة، والارجح ان عقلية «مطاردة الساحرات» التي انفلتت أخيرا في لبنان، لا تهتم بالطب ولا باللدائن. تهويل وتخويف واثارة للرعب، في وقت لا تنقص الناس فيه المخاوف. وترجمة ذلك في السياسة هو المرعب فعلا! ما هو الهدف من رفع فزاعة اســــمها «عباد الشـــــيطان»؟ ولمــــــــاذا الآن؟

العدد 231 - الخميس 24 أبريل 2003م الموافق 21 صفر 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً