العدد 2430 - الجمعة 01 مايو 2009م الموافق 06 جمادى الأولى 1430هـ

نكبة الخنازير

عزوز مقدم Azzooz.Muqaddam [at] alwasatnews.com

ما إن أعلن البنك الدولي عن مؤشرات طفيفة لتحسن الاقتصاد العالمي المتأثر بالأزمة المالية التي ضربت بأطنابها في كل أرجاء المعمورة وأدّت إلى تشريد الملايين من العمال والموظفين وأربكت موازنات الدول الأمر الذي أفضى إلى تعطيل مشاريع حيوية، حتى خرج إلى الملأ إعلان مرض انفلونزا الخنازير. هذه المرة جاء الوباء من أقصى الجنوب الغربي في المكسيك المتميزة بتربية الخنازير في حظائر كبيرة تسع الواحدة منها لنحو 10 آلاف حيوان في بيئة قذرة ويقوم عليها عمال منهكون ملتصقون مباشرة بروث هذا الحيوان النجس الذي حرمت لحمه جميع الأديان السماوية بدءا باليهودية ثم المسيحية حيث جاء على لسان سيدنا المسيح - عليه السلام - أنه بُعث متمما للتشريعات اليهودية وليس ناسخا لها. ثم أخيرا جاء الإسلام الحنيف ليقول القول الفصل في تحريمه بآيات بيِّنات.

أضرَّ شبح الوباء بصناعة السفر والسياحة وهدد المؤشرات الهشة للانتعاش الاقتصادي في أنحاء العالم إذ سيلحق ضررا كبيرا بالتجارة وطاقة إنتاج الصناعات التحويلية. وقد واصلت أسعار أسهم شركات الطيران الانخفاض طوال الأسبوع الجاري نتيجة لمخاوف من أنها قد تشهد انخفاضا شديدا في حركة الطيران. وتراجعت أسواق الأسهم الأوروبية والآسيوية والأميركية جميعا على الرغم من بيانات إيجابية عن معنويات المستهلكين إذ أثرت مخاوف الانفلونزا وأثرها المحتمل على المصارف العالمية على معنويات المستثمرين.

جاء هذا الوباء من هذا الحيوان المثير للجدل ليزيد الطين بلة، فقد نظمت الدول الكبرى الكثير من القمم والاجتماعات وضخت مليارات الدولارات في المؤسسات المالية العالمية والمصارف لكي تتجنب الآثار الكارثية للأزمة المالية. فإذا كان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش حدد نحو 700 مليار لمواجهة الأزمة المالية فإن خليفته باراك أوباما طلب نحو 1.1 تريليون دولار لمواجهة الأزمة. وقد واجه هذا المبلغ معارضة كبيرة من أعضاء الكونغرس الأميركي. وفي ظل هذا الجدل اضطر أوباما أيضا لتقديم طلب آخر بإضافة 1.5 مليار دولار لتعزيز التحرك في مواجهة تفشي انفلونزا الخنازير. بالطبع ينعكس حجم الموازنة الضخمة هذا سلبا على دافعي الضرائب الأميركيين ومن ثم كما ثبت كلما عطست الولايات المتحدة أصيب العالم أجمع بالزكام. فبدلا من تعافي الاقتصاد العالمي في غضون عام كما هو مؤمل ربما استغرق الأمر سنوات أكثر جراء الكارثة الجديدة.

لقد عرف العالم انفلونزا الخنازير منذ نحو قرن. ففي العام 1918 بدأ الوباء في فترة الربيع في الولايات المتحدة ثم اختفى ثم تفجر بكامل قوته في الخريف ليقتل نحو نصف مليون أميركي وتسرب إلى باقي أوروبا ليصل العدد آنذاك إلى عشرين مليون ضحية، وكلف برنامج التطعيم ضد هذا الفيروس 135 مليون دولار في أميركا وحدها. وعرف العالم كوارث الخنازير في الشرق أيضا بتفشي المرض في هونغ كونغ العام 1968 وأدى إلى وفاة مليون شخص.

وفي الوقت الذي يكافح فيه الجميع من أجل مواجهة فيروس اتش.1 إن.1 هناك جهات تجهد نفسها لكي لا يُربط اسم المرض بالخنازير. فقد طلب مسئولون أميركيون و «إسرائيليون» تغيير اسم الوباء من انفلونزا الخنازير إلى «انفلونزا المكسيك» أو «الانفلونزا الجديدة» بحجة زعمهم أن منتجي الخنازير سيتضررون إذا ربط المرض بهذا الحيوان. وبالفعل اعتمدت منظمة الصحة العالمية اسم «الانفلونزا ايه» على هذا الوباء بناء على ضغوط، على رغم من أن حظائر تربية الخنازير كانت المصدر الأساسي للفيروس سواء كان ذلك في المكسيك أو الولايات المتحدة أو هونغ كونغ، كما أن هذه التسمية «انفلونزا الخنازير» تعكس بروتوكولا لتسمية علمية وبالتالي يجب البحث في سبب حمل الخنزير لهذا الفيروس. وهذا يقودنا بالطبع إلى السؤال البديهي لماذا حرمت الأديان السماوية جميعها أكل لحم الخنزير؟

لقد أثبت العلماء المسلمون أن أكل لحم الخنزير ضار بالصحة ولا سيما في المناطق الحارة. ويقول العلماء إن الخنزير نجس نجاسة عين ويتسبب للإنسان بمرض الشعرية أو الترخينية وتسببه ديدان تعيش في هذا الحيوان وأيضا يسبب الإصابة بالدودة الشريطية الوحيدة وهي موجودة في الخنزير بكثرة وتؤدي إلى الهزال وقد تستقر في المخ فتحدث الصرع والجنون أو الموت.

وثبت أيضا أن لحم الخنزير يصيب بالالتهاب السحائي المخي وتسمم الدم الناتج عن الإصابة بالميكروب السبحي الخنزيري وكشف هذا الأمر سنة 1968. ويسبب لحم الخنزير ثعبان البطن الخنزيري «الاسكاري» واكتشف في العام 1982.

ومع ذلك يدعي مروجو لحم الخنزير أن العلم قد تطور في ابتكار وسائل تعقيم حديثة ووسائل طهو متطورة بدرجات حرارة عالية تقضي على خطر الجراثيم والميكروبات في هذا اللحم. ولكن تظل الحكمة من تحريمه قائمة حتى لو تم تعقيمه. فإذا كان الناس احتاجوا إلى قرون طويلة ليكتشفوا آفة أو آفتين في لحم الخنزير فمن يدري ربما تكون هناك آفات أخرى فيه. فخالق الإنسان أعلم بما ينفعه وما يضره «...والله يعلم وأنتم لا تعلمون» (آل عمران: 66).

إقرأ أيضا لـ "عزوز مقدم"

العدد 2430 - الجمعة 01 مايو 2009م الموافق 06 جمادى الأولى 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً