العدد 244 - الأربعاء 07 مايو 2003م الموافق 05 ربيع الاول 1424هـ

في انتظار إعلان وفاة الأمم المتحدة !

محمود حسن جناحي comments [at] alwasatnews.com

-

هل آن الأوان لأن نصرخ وننادي بأعلى صوتنا: عظم الله أجركم في الأمم المتحدة؟

أم أن هناك بصيص أمل في أن تقوم هذه المنظمة الدولية العتيدة بواجباتها التي تأسست من أجلها؟ إن تاريخ الأمم المتحدة، وطبيعة تعاملها مع الأزمات الخطيرة التي عصفت بالعالم، وخصوصا تلك التي تتعلق بقضايا المسلمين، تجعلنا نمضي قدما في الاستعداد لإعلان الوفاة، وإقامة سرادق العزاء! وذلك بعد حياة استمرت 58 سنة، حافلة بكل شيء عدا تحقيق الأمن والسلام والعدل!

في 25 يونيو/حزيران 1945 أعلن مولود جديد سيكون له شأن عظيم، أو هكذا كانت الأماني. أعلن في سان فرانسيسكو تأسيس منظمة الأمم المتحدة، تنفيذا لما اتفق عليه في مؤتمرات تمهيدية سابقة في واشنطن ويالطا، فقد دعت الولايات المتحدة الأميركية إلى عقد مؤتمر في سان فرانسيسكو لدراسة وإقرار ميثاق للأمم المتحدة، المنظمة التي أريد لها أن تكون خلفا ناجحا لعصبة الأمم التي تشكلت العام 1920. بلغ عدد الدول التي حضرت هذا المؤتمر والتي وقعت بالإجماع ميثاق الأمم المتحدة 46 دولة، انضمت إليها فيما بعد خمس دول، وبذلك أصبح الموقعون 51 دولة، وكان من الدول العربية الموقعة: السعودية، مصر، العراق، سورية ولبنان. ومن الدول الإسلامية الأخرى: تركيا وإيران. وقد استغرق المؤتمر الفترة من 25 أبريل/نيسان حتى 25 يونيو 1945.

لعبت الدول الكبرى الدور الرئيسي في إعداد الميثاق والتصديق عليه، وهي التي جعلت لنفسها حق الاعتراض (النقض أو الفيتو) على أي مشروع لا يوافق هواها يعرض على الأمم المتحدة.

هكذا إذن، وبسبب هذا الفيتو الشيطاني، ولد الجنين مشوها. المنظمة التي ستتكفل بتحقيق السلام والأمن العالميين ولدت وهي تحمل علامات الموت البطيء من أول يوم.

وبدأت المنظمة عملها، وبدت علامات السيطرة الاستعمارية، وخصوصا الأميركية واضحة لكل ذي عينين. وكان العرب والمسلمون هم أكثر من عانى من قراراتها الجائرة والمنحازة للطرف الآخر، وأكبر دليل على ذلك كيفية تعامل هذه المنظمة مع القضية الفلسطينية . ففي الثاني من أبريل/ نيسان العام 1947 طلبت بريطانيا، ولأجل إكساب المؤامرة وجها دوليا، من الأمم المتحدة إدراج قضية فلسطين ضمن جدول أعمال الجمعية العامة في دورتها السنوية. شكلت الأمم المتحدة لجنة خاصة بفلسطين مكونة من أحد عشر عضوا انتهت إلى تقديم مشروع بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود!! وفي 27 نوفمبر 1947 فاز القرار المشئوم بالغالبية بعد أن صوت لصالحه 33 صوتا، وضده 13 صوتا.

وكانت الدول التي نادت بالتقسيم هي الدول الصليبية الاستعمارية ومن يلوذ بكنفها. يومها قال الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله معلقا على ما يجري في المنظمة الدولية: «هل يلام العرب والمسلمون من ورائهم، إذا اعتقدوا أنها حرب صليبية، بعض أسلحتها اليهود، وإنها ممالأة مكشوفة على الإسلام». ويقول الكاتب الصهيوني (هورويتز) موضحا تلك الجريمة البشعة، والأساليب الدنيئة: «لقد هببنا جميعا للصراع، وعبرت مكالماتنا الهاتفية المحيطات لتتصل بالمسئولين في كل أنحاء العالم. وغمرنا بسيل من البرقيات كل المسئولين الذين يمكنهم مساعدتنا في كسب الأصوات، وأعطينا شيكات مفتوحة على بياض لكل من كان مترددا في تأييدنا».

وهكذا نفذت المؤامرة. هكذا ركب اليهود هذه المنظمة (الدولية) لتحقيق أهدافهم، وهكذا كان موقف الأمم المتحدة من القضية الفلسطينية: بدلا من أن تطرد المجرم المغتصب من الدار، قالت لأصحاب الدار لكم النصف وللمجرم المغتصب النصف، سواء بسواء!!

واستمرت مآسينا مع الأمم المتحدة. فها هو بطرس غالي، الذي استبشر العرب وتغنوا بتعيينه أمينا عاما، ها هو يعلن في فترة ولايته في بداية التسعينات أن قرار الأمم المتحدة رقم (242) الذي مضى ربع قرن على صدوره غير ملزم لـ «إسرائيل»! وها هو اليوم كوفي عنان يأبى إلا أن يؤكد استمرار المأساة. فبعد أن أحرق هذا الجزار المجرم شارون الأخضر واليابس، ويتم الأطفال ورمل النساء، ها هو كوفي عنان يرسل إليه رسالة (توبيخ). يا سلام ! تمخضت الأمم المتحدة فولدت رسالة توبيخ!!

هذا بالنسبة إلى قضيتنا الأولى: فلسطين الجريحة. فماذا بالنسبة إلى سائر قضايا العرب والمسلمين؟

أليست الأمم المتحدة هي الغائب الأكبر في مآسي الصومال الممزق، والسودان الذي يراد تمزيقه، وكشمير الصابرة، والشيشان المغتصبة. وما هذا التجاهل التام للأمم المتحدة وافتقادها إلى أي دور في حوادث أفغانستان. وجاءت الطامة الكبرى: احتلال العراق وتدميره تحت سمع الأمم المتحدة وبصرها.

لقد جاء في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة: «نحن شعوب الأمم المتحدة قد قطعنا على أنفسنا عهدا أن نجنب الأجيال القادمة ويلات الحرب، وأن نعمل على إيجاد تعاون اقتصادي واجتماعي بين دول العالم، بأسلوب يرتفع بمستويات الحياة الكريمة للجميع، ويحفظ السلم للجميع، ويفض المنازعات بالوسائل السلمية». واليوم، وبعد هذه السنوات الطويلة، لا نجد أمامنا إلا الواقع المرير، فقد شهد العالم في «عهد الأمم المتحدة» حوالي 150 حربا، نتج عنها خسائر بشرية تقدر بحوالي 24 مليون نسمة. كما شهد العالم استخدام مهزلة (الفيتو) أكثر من 80 مرة.

صحيح أن هناك بعض النجاحات للأمم المتحدة، حققتها على الصعيد الدولي لكن أكثرها يصب في المصلحة المباشرة للدول الكبرى، وخصوصا الولايات المتحدة. إن الحقيقة المرة هي أن هناك دولا محدودة تهيمن على هذا العالم، متخذة من المنظمة الدولية مطية لتكريس هذه الهيمنة.

يا سادة، لقد ولد الجنين مشوها حاملا للعلل والأمراض من أول يوم. لقد بان ذلك في العام 1947، واستمر الجنين يمشي على رجل واحدة، حتى أنهكه المرض بصورة واضحة وبدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة مع الهجمة الصهيونية الأخيرة على أهلنا في فلسطين، ثم الهجمة الأميركية الحالية على أهلنا في العراق

العدد 244 - الأربعاء 07 مايو 2003م الموافق 05 ربيع الاول 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً