كثر الحديث منذ انطلاق الموسم الجديد بشأن قدرة العداء الأميركي تايسون غاي العائد بقوة إلى المضمار بعد غياب طويل بسبب الإصابة، على إيقاف الإعصار الجامايكي اوساين بولت واستعادة هيبته والولايات المتحدة على السباق الأكثر أهمية وشهرة في رياضة أم الألعاب، لكن «الملك» بولت فند كل هذه الأقاويل بانجازه التاريخي ورقمه الخرافي على الملعب الاولمبي في العاصمة برلين.
أكد بولت بما لا يدع مجالا للشك بأن منافسه الوحيد في المضمار هو الزمن ولا أحد سواه، والدليل ان الدور النهائي للسباق 100 م في بطولة العالم الثانية عشرة المقامة حاليا في العاصمة الألمانية، ضم نخبة الاختصاصيين من دون ان ينجح أي منهم في تشكيل ولو خطورة نسبية على العداء الجامايكي الذي بلغ خط النهاية بارتياح كبير بعدما خفف من سرعته في الأمتار الخمسة الأخيرة وراح يلقي نظرات حول منافسيه الذين كان بينهم 4 عدائين خاضوا إلى جواره الدور النهائي في دورة الألعاب الاولمبية في بكين عندما سطر انجازا رائعا على ملعب «عش الطائر» بإحرازه 3 ذهبيات ومثلها أرقام قياسية عالمية في سباقات 100 م و200 م والتتابع 4 مرات 100 م.
وخاض بولت السباق النهائي بجدية كبيرة خلافا لعادته اذ يخفف من سرعته في منتصف السباق وهو ما فعله في الأدوار التمهيدية آخرها الدور نصف النهائي إذ لم يبذل عناء كبيرا في التصفيات وحقق 9.89 ثوان وهو الأفضل بين العدائين الذين خاضوا نصف النهائي.
ويبدو بولت الذي سيحتفل بعيد ميلاده الثالث والعشرين في 21 أغسطس/آب الجاري، في طريقه إلى تكرار الانجاز ذاته على الملعب الاولمبي في برلين ليعيد إلى أذهان العالم بأسره والألماني خصوصا انجاز الأميركي جيسي اوينز الذي أحرز 3 ذهبيات على الملعب ذاته قبل 73 عاما وتحديدا في دورة الألعاب الاولمبية العام 1936، بيد ان انجاز الجامايكي سيكون أروع بكثير كونه مرشح لان يكون مصحوبا بثلاث أرقام قياسية عالمية.
لم يكن الرقم القياسي العالمي الذي سجله بولت وهو 9.58 ثوان يخطر على بال احد، حتى هو نفسه أكد بان «هدفي لم يكن الرقم القياسي العالمي بقدر ما كان يهمني اللقب العالمي»، بيد انه سطر تاريخا جديدا للسباق سيبقى خالدا لفترة طويلة ويبقى الجامايكي وحده القادر على تحسينه بالنظر إلى سرعته الخارقة التي لو يستغلها من البداية حتى النهاية لحقق رقما عالميا اقل بكثير من التوقيت الذي سجله أمس الأول.
وأشاد رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى السنغالي لامين دياك بانجاز بولت قائلا: «أنا فخور بحضوري هذه الأمسية على هذا الملعب الرائع. إنها صفحة جديدة في تاريخ رياضتنا. إنهم أبطال كبار لكن أيضا أشخاص رائعون. لديهم مسئوليات تجاه الشباب ورياضتنا».
وفضلا عن ذلك فان استعدادات بولت للموسم الجديد لم تكن مكثفة لأنه تعرض لحادث سير في ابريل/نيسان الماضي واضطر إلى الخضوع لعملية جراحية فابتعد عن المضمار لمدة لا بأس بها.
في المقابل، دخل غاي إلى البطولة العالمية وهو يملك أفضل توقيت هذا العام هو 9.77 ثوان في لقاء روما لكنه بدا «لا حول له ولا قوة» أمام الإعصار الجامايكي الذي أبدى رغبته مرات عدة قبل المونديال في مواجهة غاي في إحدى اللقاءات الدولية للوقوف على مدى قوتيهما قبل العرس العالمي دون جدوى قبل ان تسنح الفرصة في الملعب الاولمبي في برلين وتعود الكلمة الأخيرة إلى بولت.
ووصلت الإشادات حتى العداء الأميركي السابق موريس غرين حامل الرقم القياسي للمسافة ذاتها سابقا، إذ قال ما شاهدناه هذا المساء (الأحد) انجاز رائع ولا يصدق. ما حققه أكبر بكثير من كل ما تحقق في رياضة العاب القوى في السابق. لكن بإمكانه ان يركض بسرعة أكثر لأنه يتعلم ويتحسن شيئا فشيئا»، مضيفا «من جهة أخرى، ما يحققه بولت أمر مخيف. من يدري كم سيحقق في سباق 200 م الآن؟ بالنسبة إلى (الأميركي غاي) تايسون، صراحة لا يمكنه تحقيق 9.5 ثوان في سباق 100 م. بولت قوي وكبير. ليس تايسون».
وبالتأكيد فان بولت بات أفضل عداء سرعة في كل الأزمنة وهو ما كان صرح به غاي قبل بطولة العالم قائلا: «الفائز بالسباق النهائي لمسافة 100 م في 16 أغسطس/آب الجاري سيكون أفضل عداء في التاريخ».
وعموما، فان بولت بات قريبا من التوقيت الذي حدده الخبراء العلميون وهو 9.50 ثوان، علما أنه هو نفسه أكد قبل المونديال الألماني بأنه قادر على قطع المسافة في زمن 9.40 ثوان. وقال: «اعتقد أنني قادر على تسجيل 9.40 ثوان لكني أتوقع ان تقف أرقام الإنسان عند هذا الرقم».
وأضاف «كل شيء ممكن في العاب القوى، فسباق اليوم قطعته في 33 خطوة فقط وهذا الرقم يبدو مستحيلا في الوقت ذاته، لكن هدفي ليس تحطيم الأرقام القياسية بل الفوز بالسباقات» مشيرا إلى انه عانى كثيرا هذا الموسم بسبب حادث السير وتأخر بدء استعداداته للاستحقاقات المقررة في العام الجاري.
وقال بولت: «كنت أعرف جيدا ان باقي العدائين جاهزون جيدا للمونديال خصوصا ان مستواي في برلين ليست له أية علاقة بمستواي الرائع في بكين، وبالتالي قررت أخذ المبادرة بمفردي فسارت الأمور بشكل رائع»، مضيفا «كانت انطلاقتي جيدة وعندما بلغت الخمسين متر الأخيرة أدركت جيدا بأنه سيكون من الصعب حرماني من المركز الأول خصوصا وإنني أكثر قوة في الـ50 م الأخيرة، فالتفتت خلفي إذ يوجد تايسون الذي أحب مواجهته دائما».
وأشار إلى ان «المنافسة مع تايسون وباول مثيرة وهي تزيد من أهمية رياضة العاب القوى، وبالتالي يجب ان نواصل المنافسة بهذه الطريقة».
وفي معرض رده عن سؤال حول ما إذا كان يعتبر نفسه أسطورة، قال بولت «أنا أسطورة؟ يبدو انني سأصبح كذلك بعد عامين، أعتقد أنه يتعين علي تحقيق مثل هذه الانجازات مرات عدة».
وبشأن اعتباره أفضل عداء سرعة في تاريخ العاب القوى، رد قائلا: «لا أعرف، لكن الأمر بيد الناس والمشجعين، فهم وحدهم قادرون على تحديد ذلك».
وبات بولت محبوبا لدى الجماهير أينما حل وارتحل ليس فقط بسبب انجازاته التاريخية ولكن بحركاته البهلوانية وابتساماته وتجاوبه مع المشجعين قبل بداية أي سباق حتى ان البعض يرى بان ذلك قد يؤثر على تركيزه، بيد ان «البرق» الجامايكي أكد ان ذلك «ليس له أي تأثير لان العداء عندما يصل لهذه المرحلة يكون أنهى استعداداته وتدريباته فلماذا يبخل عن التجاوب مع الجمهور. التركيز المهم هو عند الانطلاقة وليس قبلها».
وقد تكون طريق بولت إلى الثلاثية مفروشة بالورود الآن خصوصا ان غاي متحفظ بشأن مشاركته في سباق 200 م بسبب الإصابة في عضلات الحالب، وبالتالي فان مهمة بولت ستكون سهلة في إحراز اللقب العالمي الثاني في مسيرته.
وقال بولت في هذا الصدد: «لا أعرف ما سيحصل في سباق 200 م، لدي شك في مدى قدرتي على تحقيق رقم عالمي جديد مثلما كان الامر في بكين (19.30 ثانية)، سيكون السباق صعبا وتايسون سيعود بقوة وسيكون من الصعب التفوق عليه».
واعترف باول بقوة مواطنه بولت، وقال: «اوساين (بولت) يعرف كيف يتخلص من الضغوط ويجب ان نستخلص العبر منه». ونجح باول للمرة الأولى في الصعود إلى منصة التتويج.
العدد 2538 - الإثنين 17 أغسطس 2009م الموافق 25 شعبان 1430هـ