ختمتْ المؤلفة الموسيقية والمغنية الأوبرالية هبة القواس، الاستعراض الفني الكبير الذي أعدّه وأخرجه الكوريغراف وليد عوني بمناسبة عيد الجلوس العاشر والعيد الوطني لمملكة البحرين ليل السابع عشر من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، وقد شعشعت الساحة التي تتوسط برجي البحرين للتجارة العالمية والبحر شمال المنامة.
عرض مُبهر أقامته وزارة الثقافة والإعلام ممثّلة بوزيرتها الشيخة ميّ بنت محمد آل خليفة، تحت رعاية عاهل البلاد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة. وقد استند العرض إلى تاريخ البحرين العريق الحامل في طياته ستة آلاف سنة من تعاقب الحضارات والثقافات. هذا التاريخ الذي تسعى وزيرة الثقافة بجهودها وانفتاحها إلى نشره في العالم، وقد أدرجته في قائمة التراث العالمي للأونيسكو، لذلك ستكون مملكة البحرين البلد المضيف للجنة التراث العالمي للأونيسكو في العام 2011.
سبعون دقيقة حاول العرض أن يجسد فيها ملحمة إنسان هذه الأرض عبر التاريخ وصولا إلى زمننا الراهن، وذلك من خلال المؤثرات الصوتية والبصرية الحاملة تواقيع خبراء من ألمانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا وسنغافورة وفيتنام ومصر، ظهرت على مبنى البرجين الماليين كخلفية للمسرح الكبير والمدرج الذي اتسع لخمسة آلاف متفرج.
أما المشاهد الراقصة التي صممها وليد عوني وأدّاها حوالي ألف راقص وراقصة من مصر (فرقة الرقص المسرحي الحديث - دار الأوبرا المصرية وأكاديمية الفنون المصرية - المعهد العالمي للباليه وفرقة فرسان الشرق) ومن سورية (فرقة أورنينا للمسرح الراقص) ومن البحرين (فرقة TNT الاستعراضية)، فقد روت في سياق أسطوري مشاهد رمزية ثمانية، بدءا بولادة جزيرة اللؤلؤ، أرض المحبة والخلود والحوريات، حيث زهرة الخلود تُشكل هدف بحْث الإنسان عن قدره، مرورا بالطوابع والأختام الحضارية من سومرية ودلمونية وأشورية وتايلوسية وبابلية وهيلينية، وصولا إلى تطريزات من معلَقة شاعر البحرين طرفة بن العبد.
تتابعت المشاهد مع الفتح الإسلامي وزخارف الفن الإسلامي، وعروض الفروسية أمام الأطماع البرتغالية في قلعة البحرين، قبل تجسيد التحول الذي أصاب البحرين مع انبثاق عصر النفظ والانتقال من اقتصاد اللؤلؤ وحياة الغوص إلى مرحلة الازدهار والحداثة. وقد ترافقت العروض الراقصة مع مقاطع أوركسترالية من موسيقى هبة القواس.
مع المشهد الثامن والأخير، أطلّت القواس بثوبها الفضي المرصّع باللآلئ والأصداف (من تصميم داني أطرش)، لتؤدي دور ملكة اللؤلؤ ضمن مشهدية أوبرالية باللغة العربية، وموسيقى أوركسترالية وأصوات الكورال، يتقدمها صوتها الصادح الذي غنى «مملكة الحلم، لها أتجدّد كاللحظة، أولد ثانية في شكل الكلمات المغزولة بالألحان».
وقد تفّتح صوتها تارة «رهيفا كربيع الليمون»، وجارفا طورا كطوفان مبتهج، محاطة بفريق الراقصين والراقصات كاملا، والألوان المتوهّجة والأضواء المحتفلة بالعيد الوطني، وختمت الحفل وسط تصفيق الآلاف المحتشدة داخل المدرج وخارجه. أوبريت «أجمل من كلِّ الجنات» الذي ختم به العرض، ألّفت موسيقاه القواس خصيصا للمناسبة مستندة إلى قصائد الشعراء: أمين صالح، علي الشرقاوي، قاسم حداد وغازي القصيبي. عزفت الموسيقى واحدة من أهم أوركسترات أوروبا وهي «أوركسترا روما سينفونيتا» بقيادة فرنشيسكو لانزيلوتا. أما الكورال الذي شاركها الغناء فهو كورال دار الأوبرا المصرية «أكابيلا».
هي المرة الأولى التي ألّفت فيها هبة القواس مشهدا مسرحيا سيمفونيا، شكّل بداية تنفيذ حلمها بتحقيق أوبرا عربية متكاملة نصا وموسيقى وأداء. كما هي الحلقة الأولى من حلقات تسعى إلى تجسيدها على مساحة العالم العربي، حيث ستبحث لاحقا عن أصوات أوبرالية شابة تكون نواة لأول أوبرا عربية، وليس أوبرا باللغة العربية كالمحاولات التي حصلت في بعض بقاع العالم العربي، إنما أوبرا تحمل الحرف العربي بعيدا جدا في دروب الموسيقى العالمية، وأوبرا تنبض بروح الشرق وقلبه وجذوره، مخترقة الحدود الجغرافية والحواجز الموسيقية واللغوية، من أجل توحيد الموسيقى بعيدا عن القوالب الجاهزة والشكوك الكابحة لتلك المغامرة الطموحة.
العدد 2671 - الإثنين 28 ديسمبر 2009م الموافق 11 محرم 1431هـ