العدد 2687 - الأربعاء 13 يناير 2010م الموافق 27 محرم 1431هـ

رسالة العام 1996 والتجنيس!

حسن المدحوب hasan.madhoob [at] alwasatnews.com

.

في ندوة قدمها الأمين العام لـ «وعد» إبراهيم شريف قبل أيام بالمحرق استذكر محادثة وقعت بينه وبين الأمين العام الحالي لجمعية الوفاق الشيخ علي سلمان، حينما كانا في لندن وتحديدا في العام 1996، الأول بصفته قاطنا هناك بعد نفيه والثاني زائرا لعاصمة الضباب، إذ قال له سلمان إن ما يحدث في البحرين حينها - وكانت الأحداث التسعينية في أوجها - رسالة ينبغي على الحكومة الاستماع لها، فرد عليه شريف: ليست المشكلة في فحوى الرسالة بل القضية الأهم هي في «من هو المرسل؟».

شريف حينها كان يقصد أن الحكومة أرادت أن تسبغ على الحركة التسعينية صبغة طائفية لأن من كان يتصدى لها كان جلّهم من الطائفة الشيعية، ورغم أن مطالب هذه الحركة كانت وطنية بامتياز إلا انه فعلا ظلت المشكلة الأكبر هي في «المرسل».

في أية دولة في العالم وليست البحرين بدعا عن تلك الدول، لا مكان لحكومات ناعمة وديعة، فالحفاظ على السلطة يحتاج منك أن تعرف كيف تدير الصراع، فتضرب أي حركة معارضة بنقيضها، فالحكومة مثلا تلقفت المد الديني بشقيه الشيعي والسني بكل رحابة صدر عندما كانت معركتها مع اليساريين في الستينيات وباكورة السبعينيات، وثم قربت جماعاتٍ دينية من طيفٍ معين عندما بدأت الحركة المطلبية التسعينية بالنمو لتحييد تلك الجماعات عنها أولا تمهيدا لاتهام الجهات المتبقية بأنها ذات نزعة طائفية أو فئوية.

التقريب أو الإقصاء عند السلطات ليس هدفا واستراتيجية بحد ذاته، ومتى ما كانت المنفعة في هذا الاتجاه كان لابد من السير في طريقها، ومتى حصل العكس، يبدأ الصد والطلاق.

أجد أن ما قاله شريف كان عين الصواب حينها، وإذا ما نظرنا اليوم بعد عقد ونصف من تلك الكلماV ت، لا يمكننا أن نبتعد كثيرا عن هذه المقولة في ملف التجنيس تحديدا، فالرسالة التي يحملها مناهضو التجنيس تعاني من مشكلة في «هوية المرسل».

أزعم أن من يقوم بالتجنيس ليس هدفه أن يزيد السنة على الشيعة أو العرب على العجم، وربما يكون ذلك إحدى الوسائل لا الغايات، برأيي أن الهدف الأكبر أن تزيد قوى الموالاة على المعارضة، إلا أن طرح الأمور بهذا العنوان لن يكون شاحنا قويا للمواطنين للسكوت عما يجري من تجنيس، لكن الغطاء الطائفي هو «الجوكر» الذي تربح معه الرهانات، فيكفيك أن تلوح باسم هذه الطائفة أو تلك حتى تجد الاصطفافات قد بدأت حتى لو كان ذلك على حساب مضرتها أو منفعتها لا فرق!

ولنكن واضحين، اليوم أغلب المواطنين من أقصى البحرين إلى أدناها يشعرون بداخلهم بالغبن من سياسات التجنيس؛ لأن آثارها لم تعد تقتصر على أهالي سترة أو السنابس، بل أصبحت ممتدة إلى الرفاع والحد وعسكر بل ربما كانت عليهم أشد وأمرّ، وإذا كانت المناطق الأولى المذكورة ترفض التجنيس لأنه يضر بها اقتصاديا، فأهالي المناطق الثانية أكثر رفضا له بعد أن رأوا رؤيا العين مضارها الاجتماعية تحديدا، غير انه رغم وجود هذا الشعور لا تجدهم عندما يحمي الوطيس، ليس لأنهم يظهرون غير ما يبطنون، وليس لأنهم يفتقدون للشجاعة، بل لأن اسم المرسل يدفعهم للتراجع، وهو الوتر الذي تلعب عليه القوى الداعمة للتجنيس التي تحاول بما تملك من إمكانات أن تثبت مفهوم «التجنيس الطائفي» وبرأيي فقد اندفعت خلفها بعض قوى المعارضة في تثبيت هذه التسمية، التي أضرت أول ما أضرت بأصحابها، لأنها شكلت حاجزا نفسيا أمام الآلاف للانضمام إلى الحراك الوطني المناهض للتجنيس، بل ربما دفعت الكثيرين منهم للتمترس في الخانة المضادة ظنا منه انه يدافع عن دينه ومذهبه غاضّا الطرف عما يسببه هذا التجنيس له ولأبنائه من ضرر آني ومستقبلي.

التجنيس الحاصل ليس تجنيسا طائفيا، وإن كان هذا اللون أحد إفرازاته، وبرأيي أن السلطة لديها مشكلة أو عقدة تاريخية مع الشيعة، نعم ربما تكون العلاقة بين الطرفين سادتها مراحل متذبذبة تاريخيا، إلا أن المشكلة بحد ذاتها لم تكن دينية، أو مذهبية، لذلك من الخطأ أن نلبسها غطاء طائفيا، لأنها قضية وطنية بامتياز.

أعتقد - وأتمنى أن لا أكون متجنيا - إن الشعب بأسره يحمل في نفسه بذرة رفضٍ لما يتم من تجنيسٍ سياسي غير قانوني، إلا أن الكثيرين لا يزالون ينتظرون إرسال الرسالة الصحيحة في الوقت الصحيح من الجهة الصحيحة. نعم، ينبغي أن يخرج ملف التجنيس من اللبوس الطائفي، ملفات التجنيس القائمة اليوم على قدمٍ وساق لا تمس بفئة دون أخرى، البحرين اليوم لن تفيض على سكان قرية دون أخرى، ولا مدينة دون أختها، الحرمان من الخدمات كالإسكان والتعليم والصحة والوظائف ليس مقتصرا الآن على جعفر أو عبدالنبي بل يعاني منه حتى عبدالرحمن ودعيج.

المواطنون استمعوا كثيرا إلى العديد من الرسائل، لكن اصطفافهم الوطني يجب أن يبدأ من اصطفافٍ وطني نتمنى أن نراه قريبا.

إقرأ أيضا لـ "حسن المدحوب"

العدد 2687 - الأربعاء 13 يناير 2010م الموافق 27 محرم 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 10 | 5:42 ص

      الأدهى والأمرّ

      الأدهى والأمرّ أن من جنسوا شوهة نظرة إبن الوطن في عقلهم أولا بمعلومات معاكسة للواقع كعدم الولاء وغيره من الإفترءات الكبيرة مثل عدم عروبة شيعة البحرين
      وهذا التشويه ينطوي على خطر كبير فهو يخلق عداء مبطن وفكر أعوج يبني على أساسه أمور خطيرة.
      كما هو الحال بالنسبة للصهاينة وزعم حق الإستيطان
      الأخطر من كل هذا ماذا يخبيء لنا المستقبل جراء هذه العملية التي ستظهر يوما ما يوم لا ينفع الندم على ما فات ولم يكن للتحذير أي قيمة حينها فقد فات الأوان

    • زائر 9 | 4:52 ص

      يوسف ربيع الديهي3

      توجد سلطة في هذا البلد لا تريد أن تسمع من شعبها وليست المشكلة في من يبعث بالرسالة. حري بهذه السلطة أن لا يختلقوا الأعذار ويعتمدوا على تقارير مغلوطة عن التجنيس.

    • زائر 8 | 4:45 ص

      يوسف ربيع الديهي2

      1- العريضة النخبوية المناهضة للتجنيس السياسي لم يوقع عليها طيف واحد أو طائفة واحدة أو حتى مؤسسة.
      2- المسيرة المناهضة... خرج لفيف من هذا الشعب ولم تخرج طائفة لوحدها.
      3- السلسلة البشرية... كذلك.
      4- العريضة الشعبية... أيضاً.
      إذاً المشكلة ليست في المرسل -بحسب قولك- بل المشكلة كل المشكلة في من لا يملك أي لاقط أو مستقبل على الإطلاق بل يتعامى.

    • زائر 7 | 4:45 ص

      يوسف ربيع الديهي1

      سلام عليكم
      ان من يحمل ملفمناهضة التجنيس ليست طائفة أو مؤسسة وانما خليط من مؤسسات وأطياف المعارضة وهذا ما لحظناه في أهم الخطوات التي طرحت في الساحة:

    • زائر 6 | 3:23 ص

      أحيانا يكون اللعب في السياسة كاللعب بالنار

      ربما لا نكون من فقهاء السياسة ونحمد الله على ذلك ولكن ما نعرفه أن هناك كثير من القصص السياسية في التاريخ الماضي والحاضر سبب في هلاك بلادهم وإدخالها في حالة أدت إلى القضاء على الدولة نفسها كما كان
      في الدولة العباسية والدولة الفاطمة وشواهد اخرى المهم أن مسألة اللعب بالتجنيس له كوارث كبيرة بعضها على المستوى القريب وبعضها على المستوى البعيد والأمر الأهم أن بعض الكوارث لا يمكن التنؤ إلى أي مدى ستصل الأمور
      وهل يمكن السيطرة عليهاأم لا!

    • زائر 5 | 1:40 ص

      العرآدي

      موضوع مميز ونشكرك يا استاذ حسن على هذه الجرأه في كتابة مثل هذه المواضع اللتي في واقع الأمر نحن في أمَّـس ِ الحاجه الى مثلها..و أتمنى من كل قلبي ان يعيَ الشعب البحريني هذه العبآرة : أن التجنيس الحاصل ليس تجنيسا طائفيا ً ,,,

    • زائر 4 | 12:56 ص

      نعم

      قراءة واسعة و شاملة لقضية التجنيس ،، و اعتقد انك وفقت في تحليلها كما اتمنى ان ارى الزمان المناسب الذي فيه المرسل المناسب و المستقبل المناسب و حل هذه المشكلة بإذن الله
      شكرا لكم

    • زائر 3 | 12:22 ص

      وطني

      هناك من يحترق بالرفاع و عسكر وغيرها لكن لن يحرك ساكنا ولن ينطق حرفا.
      غريب جدا ان اضر نفسي نكايه بمن يدافع عن نفسه وعني بالوقت نفسه.
      هذا عتبنا على بعض الاخوان. بالخشه يصيحون وبالعلن يباركون.
      الهدف المرسوم يا استاذ حسن هو زياده الموالاه.
      الم تكن ستره والمحرق وجميع البحرين موالاه بعد الميثاق؟!
      كيف تكسب الموالاه؟ اليس باحترام الشعب؟ ام باذلاله واحلال شعب غيره؟
      غريب امر هذا الوطن...كالام تضرب ابنائها وتدني ابناء غيرها!
      المشتكى لله.

    • زائر 2 | 12:21 ص

      مشكلتنا

      هناك من يحترق بالرفاع و عسكر وغيرها لكن لن يحرك ساكنا ولن ينطق حرفا.
      غريب جدا ان اضر نفسي نكايه بمن يدافع عن نفسه وعني بالوقت نفسه.
      هذا عتبنا على بعض الاخوان. بالخشه يصيحون وبالعلن يباركون.
      الهدف المرسوم يا استاذ حسن هو زياده الموالاه.
      الم تكن ستره والمحرق وجميع البحرين موالاه بعد الميثاق؟!
      كيف تكسب الموالاه؟ اليس باحترام الشعب؟ ام باذلاله واحلال شعب غيره؟
      غريب امر هذا الوطن...كالام تضرب ابنائها وتدني ابناء غيرها!
      المشتكى لله.

    • زائر 1 | 11:27 م

      الى متى

      التجنيس السياسي التجنيس الطائفي
      ( ابو الكبائر) عناوين لأكبر مشروع يتم فيه استبدال شعب بشعب اخر من مناطق لا تمت بأي صلة بأهل المنطقة لا في التاريخ ولا الجغرافيا انها الفوضى وهي عملية انتحار مهما اتخذ من تدابير واستغلال الناحية الطائفية لتمرير مشروع تغير التركيبة السكانية

اقرأ ايضاً