العدد 3198 - الخميس 09 يونيو 2011م الموافق 08 رجب 1432هـ

حول إشكالية البرنامج الاقتصادي لدى الإسلاميين (3)

راشد الغنوشي comments [at] alwasatnews.com

.

فهل تستجيب الحكومات التي تريد الإصلاح؟ ولأن السياسة الاقتصادية هي في أرفع مفاهيمها، تحتاج مع التخطيط ومع التشريعات ومع الاستثمارات ومع التعليم والتكوين المهني...وربما قبل ذلك كله إلى جو سياسي مشجع، ومناخ نفسي مساعد، وظروف اجتماعية هادئة، وقوانين عادلة، فإن الحكومات التي أفرزتها ثورات عارمة ضد الفساد والاستبداد مرشحة لأن توفر ذلك.

ويمكن تلخيص كل ذلك فيما اصطلح على تسميته بالديمقراطية في معناها الواسع والشامل، فبقدر ما تكون الحياة السياسية شفافة وواضحة، يعرف فيها كل فرد ومؤسسة وتنظيم وهيئة... مكانه وحدوده وواجباته وحقوقه، تكون الحياة الاقتصادية والأنشطة المنتجة كذلك.

لهذا نقدّر أن الشرط الأساسي لنجاح سياسة اقتصادية أن يسود المجتمع جوّ الجدية والثقة والأمان والطمأنينة، إلا أن ذلك لا يكفي وحده لإنتاج القمح والأدب والمواد الاستهلاكية، بل هو مجرد حافز لا غنى عنه.

وذلك ما لم تنطلق السياسة الاقتصادية من برامج ومخططات واضحة الأهداف والوسائل، ومدد التنفيذ يجب على المتصدين للسلطة إسلاميين وغيرهم أن يتقدموا بها للناخبين وتناقش في وسائل الإعلام والمنتديات حتى يقبلها الناس عن بينة ويتحمسوا لها ويرشحوا أصحابها لتنفيذها، أو يردوها ويرفضوها وأصحابها، من دون أن ينال ذلك من دينهم وهويتهم ووطنيتهم.

ومع ذلك فنحن نؤكد في السياسات الاقتصادية ارتباط الاقتصاد بجملة المفاهيم العقائدية الإسلامية التي تؤطر كل مؤسسات المجتمع الثقافية والتربوية وسياسات الدولة الداخلية والخارجية.

الملاحظة السابعة: وأخيرًا، لابدّ من التذكير بأن السياسة الاقتصادية المثلى هي التي تسن لصالح السواد الأعظم من المواطنين وبموافقة غالبيتهم في جوّ من الحرية والشفافية، وأن كل ما عدا ذلك استبداد لفئة معينة على جمهرة الشعب، ما يهدد التوازن والسلم الاجتماعي ويدمر مؤسسات المجتمع والبيئة ويضع البلاد في حرب أهلية أو على حافتها.

وهو عين ما يحدث الآن في معظم بلاد العرب باسم الإصلاح الهيكلي تحت ضغوط منظمات دولية بدعاوى تحرير الاقتصاد، وهي السياسة ذاتها التي اقتضت الدعم الغربي لأشد الأنظمة دكتاتورية وفسادًا، فطبقت سياسات الطوارئ -معلنة أو غير معلنة- في أكثر من بلد مثل مصر وتونس وسورية والعراق والجزائر، وسحقت صناديق الاقتراع ومعها الفائزون مثل جماعة الجبهة في الجزائر، والنهضة في تونس، والحركة النقابية والجمعياتية والصحافية والسياسية في مصر وسورية... من أجل تسهيل تمرير السياسات الرأسمالية الدولية، وسحق أمل الشعوب في تنمية مستقلة لصالح الشعوب وحرياتها وانعتاقها من التبعية.

وإذن، فإن أول الإجراءات الواجب اتخاذها في حكومة ديمقراطية، هي إعادة الكلمة إلى المجتمع والمواطن لتنظيم صفوفه من أجل المساهمة الحقيقية في تطوير الحياة الاقتصادية وإطلاق المبادرة في إطار قيم الإسلام وعدالته، وفرض الحريات العامة والخاصة، ودعم مؤسسات المجتمع، والحد من الهيمنة السياسية للدولة على المجتمع، وتعبئة عناصر المقاومة والتحدي لدى شعوبنا من أجل تنمية مستقلة متوازنة في أطر وبواعث عقدية وسياسية معبرة عن إرادة وضمير أمتنا، تعيد التوازن بين الدولة والمجتمع إلى صالح هذا الأخير، واستقلاله واكتفائه واستغنائه عنها في معظم مقومات حياته.

فينهض العمل الاقتصادي ضمن نهضة شاملة، تضمن تحرير الفرد والمجتمع من هيمنة الدولة ومن نهم التنين الرأسمالي العولمي، بما يقصر تدخل الدولة على سد الثغرات وتحقيق التوازن بين الجهات والفئات والمبادرة للاستثمار حيث تجبن المبادرات الفردية، ولكن من دون المس بحرية الأفراد ومبادراتهم الفردية والاجتماعية، بما يؤسس ويدعم سلطة الأمة على حكامها في تحريرها من التبعية إلى الخارج، وتحقيق عزتها ووحدتها، وتحرير أراضيها وإرادتها، ونصرة كل مظلوم، وإطعام كل جائع وسَتْر كلِّ عار، ومداواة المريض، وتعليم كل جاهل.

على أن تتم عملية تحجيم الحكومة بالتدرج على قدر ما يحققه المجتمع من استقلال واستغناء... ذلك أن عدم توافر الكفاية للمواطن يفرض وضعًا استثنائيًّا تستباح فيه الملكية الخاصة؛ إذ الأولوية في مثل أوضاعنا للحرية والعدالة والوحدة وتحرر الأمة من الاحتلال والهيمنة الأجنبية

إقرأ أيضا لـ "راشد الغنوشي"

العدد 3198 - الخميس 09 يونيو 2011م الموافق 08 رجب 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً