العدد 3319 - السبت 08 أكتوبر 2011م الموافق 10 ذي القعدة 1432هـ

شعرية الوجع في «إليك أيها الظمأ كل هذا الارتواء»

عبدالحق ميفراني comments [at] alwasatnews.com

كاتب وناقد مغربي

يمثل ديوان «إليك أيها الظمأ كل هذا الارتواء» للشاعرة فتيحة النوحو والصادر عن منشورات دار البوكيلي للطباعة والنشر في طبعة أولى العام 2008، صوتاً آخر من أصوات القصيدة النسائية في المغرب. والتي أمست تؤسس لمتنها الإبداعي معلنة خصوصيتها الإبداعية ضمن سياق عام يتمثل في القصيدة المغربية الحديثة. ولعل إحدى رهانات ديوان الشاعرة فتيحة النوحو، الى جانب ما يعلنه من دلالات وأفق للقصائد، إرساء جزء من سمات نص شعري طافح بهموم الذات الشاعرة للمرأة في تقعيد لصوتها المختلف.

وعلى عكس ما تعلنه قصائد ديوان «إليك أيها الظمأ كل هذا الارتواء» للشاعرة النوحو من وجع وانكسارات، فكتلة الديوان الأساسية تتجه لإشباع مضمر خفي من خلال اختيار الكتابة الشعرية وهنا يمكننا إعادة قراءة الأربع عشرة قصيدة شعرية ضمن صيرورة هذا «الارتواء الدلالي» الذي تشكله ذات مليئة بتخوم الوجع والانكسارات. إذ تزيدها أوجاع العالم قدرة على السكون كما على التمرد عبر اختيارها الانزواء بعيداً في وجعها لكي تعلن «قلب المعادلات»؛ إذ تشكل لنا صورة أخرى لقدرة الذات الانعتاق ومن داخل وجع النهايات، إلى ذات تعزف على إيقاع هذا العري والجرح: سيان، أفقاً مشتعلاً، يقظاً، وقادراً على شعرنة انجراحاته.

وعكس ما تمثله حقول الديوان المعجمية والتركيبية من طفرة شهوانية، فإن دلالة العري والجسد بحمولاته الإيروتيكية تنأى في اتجاه آخر حيث يصبح العري إدانة صريحة «لمخيال جمعي» وقدرة على الحياة ومن داخل هذا العراء ولو بميسم بوهيمي كي تعلن «حر الوهج». ولعله الصمت الذي لف صوت شاعرة ظلت تخاصم صيرورة لا متناهية من الانكسار، هو من استطاع أن يخلق القصائد زخمها في البوح وفي إعلان «انزياحات» و»تضاد» الذات المنكسرة..

تنتشي أغنيات

عشقي

حين تبيد

تفاصيل

اغترابي/ص25

...

صخب الصمت

يأسرني

تبجح الطبيعة

أنها

أحالتني

أنثى

لن أكونها

أبدا

تثمل من سأمي

البدايات

وتثمل من بداياتي/ص27

...

هذا الصمت

الذي يلغي

لغة

جسدي

ليصافح

السماء

غضبي

ملحمة

للرفض/ص36

تثور الذات على «كينونتها» كي تعيد تشكيل كينونة مفتوحة على صوتها الخاص، وعلى كنه العالم كما تراه. عالم هلامي افتراضي تشكله في عزلتها وتسكن فيه صخبها وصراخها، اللافت في ديوان الشاعر فتيحة النوحو أنه لا ينفتح على شجون «أنثى» تصبغ حضورها، حضورا ّ «ذكورياً» عكسياً ومواجهاً؛ بل تجعل شجونها وآلامها مرآة وأفقاً لقصائدها. لذلك نراها «صوتاً داخلياً» وكأنها تتلبّس اللغة والقصائد. صوت داخلي لذات متشظية تعي تشظيها بل وتعلن عريها وتتطهر منه فهي تثير «دهشة الفراغ»/ص40، لأنها أقدر على تلبس الأمكنة واعتلاء «صهوة النشوة»/ص41.

في النهاية، تصبغ الشاعرة «وجوداً» آخر لوجعها؛ لكنه هذه المرة قبل أن يضم «قصائد»/ البوح؛ إذ يظل الأفق أن تستطيع القصائد صياغة «وجوداً آخر»..ولعله وجود مجازي لذات تتلبس الشعر وتتحرر من خلاله من وجع العالم ومآسيه ومن انكساراتها. ومن داخل شعرية الوجع الذي يسكن تجربة الديوان ككل، نكتشف صوتاً إبداعياً نسائياً لشاعرة تبحث عن خلق خصوصية لافتة لصوتها.

فكم يكفيني

من مضاجع البوح

لكي لا أنتعل الغربة

والرحيل

كم تكفيني

من المنافي

لكي أدفن وجعي

في هوة الغياب/ص32

إقرأ أيضا لـ "عبدالحق ميفراني"

العدد 3319 - السبت 08 أكتوبر 2011م الموافق 10 ذي القعدة 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً