العدد 3454 - الإثنين 20 فبراير 2012م الموافق 28 ربيع الاول 1433هـ

وجدي غنيم! ماذا فعلت في تونس؟

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

لم تكن القاعة الرياضية «قبّة المنزه» الشهيرة بتونس لتتسع لآلاف الحاضرين إلا في أقوى مباريات الطائرة أو اليد أو السلة أو في الحفلات الموسيقية لأشهر الفنانين، لكنّها غصّت بما يفوق العشرة آلاف منذ أيّام حين احتضنت محاضرة دينية للداعية الإسلامي المصري وجدي غنيم. وليس في الأمر إلى حدّ الآن ضير فالمجتمع التونسي المتعدد المشارب فكريا وسياسيا والمؤمن بالديمقراطية حَكَما وحرية التعبير الفكرية ديدنا لن تقلقه زيارات الدعاة إلى البلاد فقد سبق غنيم بعد الثورة دعاة آخرون مثل الشيخ زغلول وعمرو خالد ولم تحدُث الضجة التي حصلت الأسبوع الماضي حيث شهدت البلاد سلسلة من ردود الفعل على إثر زيارة غنيم ومحاضراته الدينية في عدة مدن تونسية. فهل تستحق محاضرات غنيم كلّ ردود الفعل هذه؟ أتُراها أمّ القضايا في زمن الربيع العربي؟ أم هي فرصة للمعارضة في تونس لضرب الحكومة ذات الغالبية الإسلامية خاصة، والتيارات الدينية المتشددة عامة؟

يحسب للثورة في تونس أنها أتاحت الفرصة بشكل واسع للتعبير عن الرأي سواء من خلال تأشيرات وسائل الإعلام الكثيرة أو نشأة الجمعيات الثقافية ومنها ذات المرجعية الدينية، من ذلك جمعية بشائر الخير وأكاديمية الحديث والفرقان لتعليم القرآن والبصائر والدعوة الإسلامية وغيرها. وهذه الجمعيات هي التي وجهت الدعوة لوجدي غنيم لاستضافته في تونس وقد نفت وزارة الشئون الدينية علمها بقدومه في تصريحات للمستشار السياسي و الإعلامي لوزير الشئون الدينية علي اللافي، وحمّل المسئولية في استقبال الداعية وما حصل نتيجة لمحاضراته للجمعيات التي انتشرت على حد تعبيره بصورة عشوائية بعد الثورة.

إذن ليست دعوة رسمية، غير أنّ الثورة التي نادت بحرية التعبير والرئيس الحالي باعتباره حقوقياً لا يستطيعان منع وجدي غنيم من القدوم إلى تونس. فالمسألة في مثل هذه الحالات ليست بالإقصاء وإنما بالمواجهة، لكن هل تكون على طريقة الليبراليين والمعارضة ذات التوجّه اليساري؟

قبل ذلك تجدر الإشارة إلى أمر مهم، فبقدر العدد الهائل الذي استقبل الداعية في المساجد والفضاءات التي تحدث فيها، كان عدد الرافضين له والمنادين بطرده وترحيله عن الديار التونسية، متسائلين عن سبب قدومه في فترة تتسم بعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

أما الشباب التونسي الذين حضروا واستمعوا له فلم تدفعهم إليه أفكاره التكفيرية أو تصديره لآراء شاذة أو تحريمه للديمقراطية وغير ذلك مما استمعوا له وإنما هم شباب متعطش إلى الإسلام وإلى مثل هذه اللقاءات التي حرموا منها ومُنِعوها على امتداد نصف قرن. نصف قرن أو أكثر من ضرب لمعقل الإسلام المتنور جامع الزيتونة، نصف قرن أو يزيد من الحصار على الإسلاميين المعتدلين والمتشددين. نصف قرن من سياسة تجفيف منابع التدين التي اتبعها المخلوع ومن تخريب لمناهج التعليم في المواد الإنسانية خاصة... مدة زمنية كانت كافية لينحسر صوت التحرير والتنوير مع ابن عاشور وينطفئ نور احميدة النيفر وجماعة الإسلاميين التقدميين... فيجد وجدي غنيم وأمثاله من دعاة الفضائيات فرصة أمام الفراغ الذي تسببت فيه تلك السياسات فيدعو في تونس الثورة في القرن الواحد والعشرين وأمام جيل الشباب المتحمس يدعو إلى تكفير الرافضين لقدومه أي لأفكاره وتحريم الديمقراطية التي أفرزت الإسلاميين في الحكم في تونس لأول مرة والتي كانت سببا في دخوله إلى تونس. ولقد ردّ عليه الشيخ عبدالفتاح مورو بلهجة العلماء الهادئين قائلا: «الديمقراطية ليست ضد الإسلام لأنها ليست ديناً. الديمقراطية هي آلية للتعامل مع الواقع».

وأضاف الشيخ مورو وهو محام ورجل علم بالدين ومن مؤسسي حركة النهضة التونسية: «هؤلاء يأتون بفتاوى من خلال المجتمع الذي يعيشون فيه ونقل الفتوى من مجتمع مغاير يعيش وضعا مغايرا هو خطأ جسيم».

لقد أثارت زيارته موجة عنيفة من الغضب والاستياء بين عامة التونسيين وخاصتهم حيث لم تتعوّد عقلية التوانسة على الإقصاء من أي طرف كان، وأغنيتهم الشهيرة إبان الثورة لاتزال ترن في آذانهم وآذان غيرهم: «ما حْلى الثورة التونسية تضمّ الجميع...» ولن يسمح هؤلاء الذين صنعوا الربيع العربي أن يدخل بينهم من يكفّر ويفرّق ويكون سببا في المشادات التي وصلت في بعض المناطق إلى العنف الجسدي، لأن التونسيين في عمومهم يرفضون الشذوذ الفكري.

ولئن كانت مطالبة التيارات الليبرالية السلطات التونسية بطرده ردّا عنيفا لا يليق بحسن الضيافة في بلد مضياف فلأن الداعية تدخّل في ما لا يعنيه: تدخّل بين أبناء الوطن الواحد تدخّل بين الظفر واللحم ليهيّج ويكفر في بلدٍ ثورته تضم الجميع.

ودعوتهم إلى طرده ليست بدعة فقد سبق للداعية وجدي غنيم أن أُبعِد من البحرين العام 2008 ورحل إلى جنوب إفريقيا ومنها سافر إلى بلدان عدة منها انجلترا التي طرد منها ورحل إلى اليمن ثم غادرها إلى ماليزيا...

إن تونس بشبابها المتدين والمتفتح أكبر من أن يقع في مثل هذه المهاترات في زمن البناء، وانتشار التيار السلفي ظاهرة نتفهمها ولا نرفضها ونبحث عن أسبابها ولا نقصي منهم أحدا فهم أبناء تونس وما يلزمنا سوى الحوار معهم وإعادة الاعتبار إلى معالمنا العلمية الدينية. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى زيتونتنا وإلى إسلامنا المستنير لمجابهة هذا المدّ القادم من الشرق عبر الفضائيات المدعومة بأموال لا حصر لها ولا عدّ.

نحن في حاجة إلى استقبال دعاة وعلماء ومفكرين معتدلين فلا نشطّ يسارا بعرض أفلام تمسّ من قداسة الدين والألوهية كما حصل سابقا في السينما التونسية مع فلم لا ربي ولا سيدي لنادية الفاني، ولا في التلفزيون كما حصل من قناة نسمة حين عرضت فيلماً إيرانياً فرنسياً مدبلجاً... ولا نشطّ يمينا باستقبال دعاة لا يحترمون خصوصية البلد وآداب الضيافة حتى لا يقال له: «زر غبّا تزدد حبا» نعم تونس للجميع فكرا لا تكفيرا. إنما نريدها تونس القيروان التي كانت منارة للعلم والمعرفة، فيها تطور المذهب المالكي على يد الإمام سحنون بن سعيد تلميذ الإمام مالك بن انس إمام المدينة المنورة. نريدها تونس الزيتونة ذات الفكر المستنير تكوّن شبابنا المتعطش إلى دينه تكوينا يجعله واثقا من مرجعيته قادرا على الصمود أمام هذه الظواهر الوافدة، وحينها على رأي ماجد البرهومي محلل وناشط سياسي: «لن يجد لا وجدي غنيم ولا غيره طريقهم إلى عقول شبابنا ولن يتجرأ من استضافوه على إعادة الكرة لأن الجسد الإسلامي بمكوناته التونسية سيلفظ إرادياً هذا العضو الدخيل».

حقا ونحن في هذا العصر نرى أن إسلامنا أرحب من أن يدخل في متاهات «ختان البنات» و«تحريم الديمقراطية» و«تكفير المخالفين» في الرأي و«تقسيم المجتمع المتماسك إلى كافر ومسلم» وما قد ينجر عنه من مخاطر لن يكون مسئولا عنها سوى وجدي غنيم ومن استضافه. لقد ضاق عليه الإسلام بما رحب فلم يجد سوى ختان البنات موضوعا يطرحه في بلد له من التشريعات التي تحمي حقوق المرأة وتحفظ كرامتها ونفسيتها ما لم تتوافر عليه دساتير بعض الدول المتقدمة أحياناً

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 3454 - الإثنين 20 فبراير 2012م الموافق 28 ربيع الاول 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 13 | 7:42 ص

      نريد دعاة لا قضاة

      حقا ونحن في هذا العصر نرى أن إسلامنا أرحب من أن يدخل في متاهات «ختان البنات» و«تحريم الديمقراطية» و«تكفير المخالفين» في الرأي و«تقسيم المجتمع المتماسك إلى كافر ومسلم» وما قد ينجر عنه من مخاطر لن يكون مسئولا عنها سوى وجدي غنيم ومن استضافه.

    • زائر 12 | 7:19 ص

      صوت قوى

      اثبت العلمانيين انهم صوت قوى ومن خلفهم اصحاب هدم كل ما هو اسلامى... يا اخواننا هل تاكدتم ان غنيم \\كر موضوع الختان ام كانت مرحلة حرب استباقيه من قبل تلك التيارات التى تكره كل ما هو دينى ... اكاد اجزم ان الجميع يلعبون على وتر واحد بمصالح متتعدده واظن انى لا اريد الخوض اكثر لأن كل لبيب ب الإشارة يفهم........................................................!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

    • زائر 11 | 7:12 ص

      نعم نعم أحسنت

      مع احترامنا لآرائه نحن مثلك نرى أنه في غير وقته وفي غير مكانه بمثل هذه الأفكار

    • زائر 10 | 7:09 ص

      عندما اخضرت تونس الخضراء

      بعد سنين البؤس التى عاشها اشقائنا التونسين وضيق الخناق اللي ذكر ك كل رجل منهم بأول قطره حليب شربها من ثدي امه لمده خمسين عام تقريبا ياتي داعيه ليجزىء مجتمع متماسك خرج للتو من جب الدكتاتوريه ويشغله بامور اتفه من ان تطرح بعد 1400 من بزوغ الاسلام يا استاذ وجدي بارك للتونسين عرسهم الديمقراطي وشاركهم افراح الحريه اما بلنسبه لطرحك المتواضع والبلد في حاله مخاض دستوري مصيري لايحتاج التونسيون دروس في الختان ترى التونسيون يعرفون تكليفهم الشرعي في هل الامور وبس هذا قاصرنهم يا استاذ؟؟؟...ديهي حر

    • زائر 9 | 6:08 ص

      هذا حقا الحل الأسلم

      نريدها تونس الزيتونة ذات الفكر المستنير تكوّن شبابنا المتعطش إلى دينه تكوينا يجعله واثقا من مرجعيته قادرا على الصمود أمام هذه الظواهر الوافدة،

    • زائر 7 | 4:16 ص

      أخذ أكثر من حظه

      والله محظوظ الرجل اشتهر مشرقا ومغربا وصار موضوع الجميع
      الأفضل أن لا نكتب فيه كثيرا

    • زائر 5 | 2:26 ص

      شخصية مثيرة

      القضية في رايي أن يحسن اختيار مواضيعه في البلاد التي يستضاف فيها وأن يعلم خصوصية البلد حتى يكون داعية إلى الخير ولا ينجر من وراء آرائه مشاكل أينما حل سواء قصدها أم لم يقصدها

    • زائر 3 | 11:22 م

      هذا هو الحل الحقيقي

      نحن في حاجة إلى استقبال دعاة وعلماء ومفكرين معتدلين فلا نشطّ يسارا بعرض أفلام تمسّ من قداسة الدين والألوهية كما حصل سابقا في السينما التونسية مع فلم لا ربي ولا سيدي لنادية الفاني، ولا في التلفزيون كما حصل من قناة نسمة حين عرضت فيلماً إيرانياً فرنسياً مدبلجاً... ولا نشطّ يمينا باستقبال دعاة لا يحترمون خصوصية البلد وآداب الضيافة

    • زائر 2 | 11:14 م

      عليه بمراجعة نفسه

      عليه أن يعرف ما سبب رفضه في الكويت، والبحرين، وتونس وطرده حتى في بلد الديموقراطية بريطانيا لأنه وأخوته من ذات التيار أصحاب أفكار شاذة وتوجهات مرفوضة وعليهم أن يراجعوا أنفسهم

    • زائر 1 | 10:47 م

      صحّ لسانك يا أستاذ

      والله كفيت ووفيت احنا بعد لا تدري كم ضايقنا منه
      شكرا على الموضوع

اقرأ ايضاً