العدد 3457 - الخميس 23 فبراير 2012م الموافق 01 ربيع الثاني 1433هـ

التعددية السياسية ممكنة في الإطار الإسلامي والتجارب في مراحلها الأولى (2)

راشد الغنوشي comments [at] alwasatnews.com

.

من الاتفاقات السيئة في عصرنا أن اقترنت الآليات المعاصرة للشورى، المعروفة في عصرنا بالديمقراطية، في أذهان المسلمين بأصولها الاستعمارية وبخلفياتها العلمانية، وثقافتها القومية.

وكل ذلك ثقيل على حس المسلم مجاف لثقافته الدينية، وبسبب الملابسات التي أحاطت بورود الديمقراطية إلى بلاد المسلمين، ولا يزال في أذهان المسلمين مقدار غير قليل من الخلط حول الديمقراطية، بين ما صاحبها من علمنة وتفسخ وإلحاد وعدوان على الشعوب، وبين كونها آليات لاستخراج القرار الجماعي في الشأن العام، عبر التعدد الحزبي والاحتكام لصناديق الاقتراع، والتساوي في المواطنة حقوقاً وواجبات.

الديمقراطية والمسلمون

فهل يمكن الإسلام وهو الذي قام بنيانه على توحيد الله ووحدة الجماعة، واعتبار المؤمنين جميعاً حزباً واحداً هو «حزب الله» مقابل «حزب الشيطان»، بما يكون معه التعدد الحزبي غير مؤامرة لتفريق جماعة المسلمين، بينما هي أحوج ما تكون لوحدة الكلمة حتى تواجه أعداءها؟

هل يمكن هذا التعدد الذي تتحدث عنه الديمقراطية أن يجد له مكاناً مقبولاً بل مريحاً في نظام إسلامي وحياة إسلامية؟ وهل من عجب وقد شاب الديمقراطية هذا الركام من الملابسات أن يرفع عدد من رموز الدعوة الإسلامية المعاصرة صوته بالتحذير من التعددية الغربية، مثلما فعل الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله الذي دعا في الأربعينيات إلى حل الأحزاب المصرية والاستعاضة عنها بتكتل واحد ينقذ البلاد من هذا التعفن الحزبي، ويرصها صفاً واحداً لخوض معركة التنمية ومواجهة أعدائها، والمشروع الصهيوني الذي أخذت بذور سمومه الأولى تترعرع في المنطقة.

بين البنا والخميني

وتطور عبر التجارب والمحن موقف الإخوان من مسألة الأحزاب في اتجاه المطالبة باعتمادهم حزباً ومناداتهم بتعددية منضبطة بمبادئ الدستور الذي ينص على إسلامية الدولة والشريعة مصدراً أساسياً للقوانين، وبلغت ممارستهم الديمقراطية في النقابات وفي المستوى السياسي حد الدخول في جبهة للتغيير مع ممثلي الجماعات العلمانية.

أما خطب الإمام روح الله الموسوي الخميني، رحمه الله، فما عرف عنها لا يبشر بتعددية ديمقراطية على رغم حملتها العاصفة على الدكتاتورية، مع أن الرجل أرسى نظاماً للدولة هو مزيج بين الديمقراطية والثيوقراطية، فقد توافر على آليات لانتخابات جادة ظلت تنافسية حامية بين اتجاهين محافظ وآخر إصلاحي للفوز بالنيابة في البرلمان ومجالس البلديات ورئاسة الجمهورية، من دون أن تنتقص بأي طعن في نزاهتها، ولكن، في إطار محدد هو نظام ولاية الفقيه، لم يتسع لاتجاهات أخرى. إلا أن جماعات شيعية في أكثر من بلد باشرت العمل السياسي باعتبارها أحزاباً إسلامية ديمقراطية، فخاضت الانتخابات النيابية ودخلت في تحالفات.

غير أن هذا الموقف السلبي من التعددية الحزبية والديمقراطية الغربية الذي طبع الحس الإسلامي العام في أوساط الحركة الإسلامية لم يكن محل إجماع، بل حتى منتشراً أصلاً لدى الآباء المؤسسين للحركة الإصلاحية المعاصرة في القرن التاسع عشر على يد الثائر جمال الدين الأفغاني وتلميذه المصري محمد عبده. بل كانا أميل إلى الفكر الليبرالي في إعلائه قيمة الحرية وضيقه بالتسلط وحملته ضد الاستبداد السائد في الأمة الذي تمارسه الخلافة ومن على شاكلتها من أنظمة الحكم المتمسحة بالإسلام، تمارسه باسم الإسلام نفسه.

عملت الحركة الإصلاحية على إبراز قيمة الحرية في الإسلام والتشنيع على الاستبداد، ولم تكتف بذلك في مصر مثلاً، بل عملت على تأسيس الأحزاب الوطنية، إذ كانت ترى سر التفوق الغربي وغلبته على أمتنا يكمن في ما يسود الحياة الغربية من حرية وإعلاء لسلطة القانون فوق إرادة الحاكم، وهو ما فتح فيها مغاليق العقول للعلوم والمعارف، على رغم مجانبتهم الدين، وذلك مقابل ما نحن فيه من ضعف وتخلف وتفرق وجهالة بسبب غلبة الاستبداد في حياتنا الذي كبل العقول وألّه الحكام، وكانت رسالة «طبائع الاستبداد» للكواكبي عاصفة عاتية ضد استبداد الخلافة، وإعلاء قيمة الحرية في الإسلام.

غير أن الموجة الثانية من الحركة الإسلامية انطلقت من خيبة أمل في النموذج الغربي بسبب ما نقله إلى الأمة من آفات الاحتلال والاستغلال، وإفشاء المفاسد، فعملت على رد سطوته الفكرية وغزوه الثقافي، من طريق الدعوة إلى الاجتهاد وإلى اكتشاف النموذج الإسلامي للحياة من دون تأثر بالنموذج الغربي.

مع ذلك، لم يتمكن هؤلاء الرواد من النجاة جملةً من التأثر بالنموذج الغربي للحكم، فقد اعتبر الإمام البنا، على رغم دعوته إلى حل الأحزاب، النظام النيابي أقرب نماذج الحكم إلى الحكم الإسلامي، فرشّح نفسه وبعض إخوانه لعضوية المجلس النيابي، أما الإمام الخميني فقد بنى دولةً على غير شبه بنماذج الحكم الإسلامي في التاريخ من خلال الاستفتاء على دستور يفصل بين السلطات ويجعلها كلها تنبثق من صناديق الاقتراع، وهي آليات غربية ولاشك، على رغم الحرص على المضمون الإسلامي، والحملة على النظام الغربي.

أما الموجة الثالثة من الحركة الإصلاحية الإسلامية فقد ساد تيارها العام اقتناع لايزال يتسع يوماً بعد يوم، ويكسب مزيداً من الأنصار إلى صفه، هو نوع من الانعطاف إلى تراث الجيل الأول من الحركة الإصلاحية ومحاولة التوفيق بينه وبين تراث الجيل الثاني من ناحية وبينه وبين النموذج الديمقراطي للحكم من ناحية ثانية. ويشهد على ذلك التطور الحاصل في كبرى الحركات الإسلامية: حركة الإخوان المسلمين وامتداداتها وشبيهاتها في بلاد العرب والمسلمين وبلاد الأقليات الإسلامية, وذلك في اتجاه تطوير نموذج للحكم الإسلامي هو صورة من الديمقراطية المعاصرة تمارس آليات الديمقراطية في الانتخاب والتعدد والتنافس واستقلال السلطات، ولكن بمضمون إسلامي يؤكد الشريعة الإسلامية إطاراً لذلك التعدد والاختيار، ويحرص على غائية للدولة تجعلها في خدمة الإسلام منضبطةً بقيمه وليست مجرد مؤسسة لتحقيق مصالح دنيوية قومية. وذلك في نطاق الالتزام الاختياري أو الاضطراري بالإطار القومي للدولة، ولكنه يحاول ألا يذهل عن قيم الإسلام وشرائعه التي تؤكد أن الحكم إنما جعل لرعاية مصالح الناس في العاجل والآجل، وأن المسلمين أمة واحدة.

التغيير اللاعنفي

إن هذا التوجه الفكري السياسي إلى القبول بآليات الحكم الديمقراطية سبيلاً للتغير بديلاً عن نهج العنف والسرية، ونموذجاً للحكم يستمد شرعيته من صناديق الاقتراع ضمن تنافس مفتوح على تعددية لا تستثني أي اتجاه سياسي مهما كانت خلفيته الأيديولوجية مادام يقبل بمبادئ الديمقراطية وتداول السلطة سلمياً عبر صناديق الاقتراع ويرفض طرائق العنف، إن هذا التوجه إلى اعتماد نهج التغيير السلمي المتدرج يحظى بالمزيد من التأييد في أوساط الإسلاميين ويجد الدعم من مراجع إسلامية كبرى، مثل اتحاد علماء المسلمين وعلى رأسه العلامة الشيخ يوسف القرضاوي وكبريات الحركات الإسلامية، إلا أنه لا يجد ترحيباً من أكثر من جهة خارجية وداخلية.

فمن داخل الصف الإسلامي لاتزال جماعات جهادية تصر على رفض هذا النهج بحجة تكفير الأنظمة واعتبار الجهاد السبيل الوحيد للإطاحة بأنظمة مرتدة وللتصدي للقوى الدولية الداعمة لها، واعتبار الديمقراطية بضاعة كافرة لا مكان لها في الإسلام.

كما أن الأنظمة القائمة، كثير منها ليس سعيداً بل هو مغيظ من هذا التطور في الحركات الإسلامية، لأنه يحرج موقفه في إقصاء الحركة الإسلامية والتعيش من دعوى محاربته للإرهاب تسويغاً لتعطيل عملية التحول الديمقراطي واستجلاباً للعطف والمعونات الخارجية.

أما القوى الخارجية فعلى رغم ما تروجه من دعاوى الإصلاح الديمقراطي سبيلاً لمقاومة الإرهاب وتحصيناً لأمنها القومي ومجالها، فلايزال هاجس الخوف من الإسلام بل العداء المكين له هو الغالب على مواقفها، وقد جاءت العملية الديمقراطية في الجزائر وأخيراً في فلسطين لتكشف ما خفي من تلك العداوة والازدواجية وأزمة الموقف الغربي الأخلاقية.

وبالجملة لايزال الصراع محتدماً بين دعاة السماح بالتعددية في إطار موازين الشريعة الإسلامية وبين قوى المحافظة الرافضة للتعددية جملة بدعوى وادعاء امتلاك الحقيقة الإسلامية المطلقة وتكفير الديمقراطية الغربية والتعدد الحزبي.

غير أن تيار التعددية - بفعل تنامي الوعي بأهمية قيمة الحرية في الإسلام وبأثر الوعي بإكراهات الواقع ومصائب الدكتاتورية - يتسع ويقوى مده غير مستبق على هامش غير قليل من الجماعات الصغيرة تحمل دعاوى بامتلاك الحقيقة الإسلامية المطلقة، بما يجعل المخالف في موقع الضلال والفسق والكفر.

غير أن ما هو جدير بالملاحظة أنه، حتى القابلين بالتعدد الحزبي سواء كانوا من تمكن من انتزاع الاعتراف به من طرف الأنظمة العلمانية المستظلة بظل الديمقراطية أو ممن لايزال يحاول، الغالب على هؤلاء أنهم قد اندرجوا في ظل التعدد الحزبي من دون تأصيل نظري أو اجتهاد إسلامي يفسح لهذا التعدد مكاناً في أرض الإسلام، ما جعل هذه الممارسة الديمقراطية تنافساً حتى مع أحزاب وجماعات علمانية، إن على صعيد الانتخابات النيابية أو على صعيد النقابات فاقدة الأرضية الفكرية الإسلامية التي تمدها بالحياة والنماء، اللهم إلا أن تعتبر عند هؤلاء من باب الضرورات التي تبيح المحظورات، وهو أمر مثير للمخاوف لدى الجماعات المنافسة للإسلاميين من أن الديمقراطية تستخدم هنا لأغراض ذرائعية بحتة، يمكن أن ينقلبوا عليها يوم أن يتمكنوا من تجاوز أوضاع الضرورة. وليس لمنافسيهم العلمانيين أقدام أرسخ منهم في قيم وثقافة الديمقراطية، وهم الوارثون لثقافة الأنظمة الشمولية الماركسية والقومية الوطنية.

والحق أنه، وإن لم يمارس المسلمون في تاريخهم التعدد السياسي الحزبي، فقد مارسوا أنواعاً من التعدد الديني والثقافي والاجتماعي صالحة لأن يتأسس في أرضها التعدد السياسي الذي حال الاستبداد الذي كان روحاً عالمية تأثر بها المسلمون من دون تعبير قيمة الشورى عن نفسها في شكل سياسي.

وما يحصل في الديمقراطيات الغربية العريقة من تداول للسلطة بين حزبين يشتركان في الاختيارات الكبرى ويختلفان في التفاصيل، وتبقى على هامشهما أقليات ذات اليمين وذات الشمال، يذكر بعض الشيء بما يحصل في الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم من تنافس حاد بين تيار الإصلاحيين وتيار المحافظين على أرضية الإسلام، وبما حصل في فلسطين وإن كانت التجربتان في الانتظار، الأولى حتى تستوعب كل مكونات الشعب الإيراني، والثانية حتى يسلم الطرف المغلوب بالنتيجة ولا يستغل الظروف لإفشالها.

فهل يستمر الفريقان على الصبر بعضهما على بعض، والاحتكام إلى الجماهير لحل خلافاتهما عبر صناديق الاقتراع، فيشهد العالم نموذجاً مستقراً مزدهراً للتطبيق الإسلامي المعاصر للشورى؟ أم ستغلبهما مواريث التخلف ويتنادى الفريقان إلى استخدام عنف الدولة أو عنف الجماعات لحسم الخلافات كما حصل في أفغانستان والسودان؟

ذلك هو رهان المستقبل الإسلامي والتحدي التاريخي الكبير، التفوق فيما فشلنا فيه تاريخياًَ ونجح الغرب، إرساء نظام الشورى، جمعاً بين الوحدة والحرية، بين حكم الله وحكم الأمة. (يتبع)

إقرأ أيضا لـ "راشد الغنوشي"

العدد 3457 - الخميس 23 فبراير 2012م الموافق 01 ربيع الثاني 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً