العدد 4021 - الإثنين 09 سبتمبر 2013م الموافق 04 ذي القعدة 1434هـ

في اليوم العالمي لمحو الأميّة... أمّة «اقرأ» لا تقرأ

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

يتزامن إحياء اليوم العالميّ لمحو الأميّة (8 سبتمبر/ أيلول) هذا العام مع عودة طلاب المدارس في مملكة البحرين إلى المؤسسات التربوية، وفي هذا التزامن أكثر من دلالة؛ فوزارة التربية والتعليم، والتي تحتفل بالذكرى الأربعين لإنشاء أول مركز لمحو الأمية بعد أن بلغ عددها حتّى الآن 18 مركزاً، تؤكد أنها الضامن الرئيسيّ لمحاربة الأميّة والكفيل الأوّل بمزيد من تقليص نسبة الأميّة التي انخفضت إلى أقلّ من 2,46 % ما وضع البحرين على رأس قائمة الدول العربيّة في مجال محاربة الأميّة.

إلاّ أنّ ناقوس الخطر في الوطن العربي قد دقّ منذ سنوات، على حدّ تعبير المدير العامّ السابق للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، وذلك لجهة تزايد عدد الأميّين عربيّاً، علماً أنّ المقصود بالأمية هنا ليسوى معناها التقليدي أي الجهل بالقراءة والكتابة.

ووفقاً لأحدث بيانات معهد اليونسكو للإحصاء، نجد أنّ معدل الأمية في الدول العربية (للأفراد 15 سنة فأكثر) بلغ 23.1 % خلال الفترة 2005-2011؛ حيث بلغ عدد الأميّين في العالم العربي حواليْ (47.6) مليوناً منهم 31.5 مليون من الإناث، بواقع 31.6 % بين الإناث مقارنة بـ15.3 % بين الذكور، وبذلك فإنّ عدد الأميين الإناث يعادل ضعف الذكور. وأضافت الألكسو في بيانها أنّ تقرير الرصد العالمي للتعليم للجميع لعام 2011 يُشير إلى وجود 6.188 مليون طفل وطفلة غير ملتحقين بالتعليم في الدول العربية ممّن هم في سنّ الالتحاق بالتعليم. ورغم الثورة التعليمية في المنطقة العربية، فإنّ أعداد الأميين الذين يزيد سنهم عن 15 سنة في تزايد مستمر خلال ثلث القرن الماضي، إذ ارتفعت من 50 مليوناً سنة 1970 إلى 61 مليوناً سنة 1990 ثم إلى 70 مليوناً في مطلع الألفية الثالثة، أي بمتوسط يزيد عن 35 % من السكان، فيما يقل المتوسط العالمي عن 19 %. وتشكّل هذه الأرقام واحداً من أكبر الأخطار التي تعترض التنمية البشرية والاقتصادية والإنسانية في الوطن العربيّ. وقد حضّت الألكسو البلدان العربية على زيادة الجهود من أجل الوصول إلى المتوسّط العالميّ.

وإذ يدخل العالم العربي الألفية الثالثة بهذه الأرقام المفزعة، فإنه يواجه بكل مؤسساته السياسية والاجتماعية والثقافية كارثةً إنسانيةً حقيقيّةً تهدّد المستقبل التعليمي والثقافي العربي، حيث تُعدّ جهوده خجولةً في هذا الصدد. هذا وقد وضعت المنظمة لنفسها ومنذ تأسيسها العام 1970 رؤيةً مستقبليةً لمحاربة الأمية، ضمّت «أول استراتيجيةٍ لمحو الأمية في البلاد العربية العام 1976»، كما أنشأت «الصندوق العربيّ لمحو الأميّة وتعليم الكبار» العام 1980.

وقد أشار تقرير الألكسو إلى أنّ الدول العربية أخفقت في بلوغ الهدف لخفض معدل الأميّة إلى النصف لدى الراشدين في العام 2000 كما كانت تعهدت في المؤتمر العالمي الأول حول التربية للجميع في 1990 في جومتين بتايلاند.

وتنتشر الأمية على نطاق واسع في بلدان العالم العربي والإسلامي، سواء في أوساط البالغين؛ أو الأطفال البالغين سن الدراسة الذين لا يملكون فرصة للذهاب إلى المدارس، ولئن كانت الوفيات بطبعها تقلل من عدد الأميين، بحكم أن الأمية تنتشر بين كبار السن عادة، فإنّ الانفجار السكاني زاد من عدد الأميين بسبب تقصير بعض الدول في مجال مكافحة الأمية والانقطاع المبكر جداً عن التعليم، فضلاً عن عدم توفر حلول لمجابهة ظاهرة العزوف عن الدراسة.

وقد حذرت «الألكسو»، من ارتفاع نسبة الأمية في المنطقة العربية، بسبب عدم وجود تقدّم حقيقي بالنسبة إلى ملفّ محو الأمية. وهذا التحذير، إضافةً إلى تحذير المنظمات الدولية كاليونيسيف، واليونسكو، يعتبر مؤشراً خطيراً، وسينجرّ عن هذا التخلف الثقافي والتعليمي تخلفٌ شاملٌ من النواحي الاقتصادية والسياسية، وحتى الاجتماعية، وسيشمل قطاعات التربية والصحة والبيئة، بل وضعف تعليم الأجيال القادمة أيضاً، ما سيكلّف المجتمعات والدول أضعاف ما لو تمّت مكافحة الأمية؛ فاستمرار الأمية يكلّف ثمناً أعلى من تكاليف محوها.

إن الأعداد الكبيرة للأميين في الدول العربية، تعبّر عن فجوة بنيوية عميقة تؤثر على تطور المجتمع العربي، وما تزال جهود عديد الحكومات العربية بسيطة، ما يؤكد ضرورة إعادة النظر في الجهود المبذولة منذ نصف قرن للحد من هذه الظاهرة التي تشكل عائقاً حقيقياً أمام التنمية المستدامة. وقد جدّدت الألكسو دعوتها إلى أن ترتقي الدول العربية بملف مكافحة الأمية وتعزيز تعليم الكبار إلى صدارة اهتمامها باعتباره يمثل قاعدة التنمية ويؤشر على مدى جديتها في تنفيذ خطة تطوير التعليم في الوطن العربي. كما تدعو جميع المهتمين بالتنمية العربية من أفراد ومؤسسات ومنظمات مجتمع مدني وقطاع اقتصادي وجمعيات أهلية، إلى المساهمة الفاعلة والعمل الدؤوب من أجل دعم جهود محو الأمية في الدول العربية والعمل على تعميم التعليم الأساسي وتوفير فرص وصول جميع الأطفال إليه للحد من ظاهرتي الرسوب والتسرب.

وحثت كذلك المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) الدول الأعضاء فيها إلى اعتماد سياسات جديدة لمحو الأمية، تسخّر كل الإمكانات التربوية المتوافرة، موضحةً أن تضافر جهود الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمنظمات الدولية والإقليمية وغيرها، من شأنه إعطاء المزيد من الزخم لبرامج محو الأمية في البلدان الإسلامية. وحثت الإيسيسكو الدول الأعضاء على وضع الخطط والبرامج ذات الصلة وتنفيذها بما يتلاءم وواقعها الاقتصادي والثقافي، مع الحرص على الإفادة من التجارب الدولية الناجحة.

لئن شرعت بعض البلدان العربية في إطلاق مبادرات لمحو الأميّة الالكترونية والتكنولوجية وجسر الفجوة الرقمية على غرار مملكة البحرين والإمارات العربية المتحدة وغيرهما، فإنّ دولاً عربيّةً أخرى لا تزال تتعثر في إنجاح مشاريع محو الأمية، والبعض الآخر ربّما يعاني من استفحال الأمية، فما بالك لو أخذنا بالمقاييس الجديدة للأمية (مدى التطور التكنولوجي والالكتروني والرقمي)! ألا تكون نسبة الأمية في الوطن العربي أكثر بكثير؟

وربطاً للأمور ببعضها، يحدّثنا تاريخنا المعاصر ومنذ حوالي أربعين سنة، عن حوارٍ دار بين الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة والعقيد القذافي رئيس ليبيا السابق؛ ففي الوقت الذي كان فيه بورقيبة يعتمد 45 % من ميزانية الدولة للتعليم، ويحثّ جاره القذافي أن يفعل الأمر ذاته، كان القذافي ينفق كل ماله في التسليح خشية الانقلاب عليه. لقد كانت للقذافي وجهة نظر قاصرة حيث يرى أن قيادة شعب جاهل أفضل من قيادة شعب متعلّم قد يقوم بثورة فتزيحه عن السلطة. ولكن بورقيبة ردّ عليه وقال: «ثورة المتعلّم تعزلك. وثورة الجاهل تقتلك».

ومرّت السنون وتأكدت نبوءة بورقيبة: مات القذافي مقتولاً بالسلاح الذي اشتراه لشعبه.

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 4021 - الإثنين 09 سبتمبر 2013م الموافق 04 ذي القعدة 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 7 | 2:41 م

      اللهم الطف بنا : الناس لجدام واحنا لوراء

      ارتفعت من 50 مليوناً سنة 1970 إلى 61 مليوناً سنة 1990 ثم إلى 70 مليوناً في مطلع الألفية الثالثة، أي بمتوسط يزيد عن 35 % من السكان، فيما يقل المتوسط العالمي عن 19 %.

    • زائر 6 | 2:34 م

      الأمية داء

      داء ينخر الأمة العربية
      وبتعاون كل الأطراف مع الإرادة السياسية نحقق قفزة نوعية

    • زائر 5 | 3:57 ص

      إلى زائر 3

      الولة يا أمة سخرت من جهلها الأمم
      نرجو عبر برامج محو الأمية أن نرقى إلى أمة قارئة غير جاهلة كي نفهم مقصد كلامك في تعليقك
      وشكرا

    • زائر 4 | 1:47 ص

      بين القذافي وبورقيبة

      ومرّت السنون وتأكدت نبوءة بورقيبة: مات القذافي مقتولاً بالسلاح الذي اشتراه لشعبه.

    • زائر 3 | 1:28 ص

      أمم أمثالكم قد تشبهكم وقد لا تشبهكم و الأمم خوات أو أخوة

      قيل كل أمة جاءت لعنت أختها أخوة أو خوات يعني؟ كما قد يقال أمة قد سخرت منها الأمم - قال جحا لماذا؟ أجابا قرعويه لأنها لا تعرف أن العربي تقليدي – يعني تغلبه العادة والتقليد والأعراف مثل الجاهل يعني يقلد من هو أكبر منه. أما عن الأمه والأمم السابقة واللاحقة فقد أوضحها وبينها وفصلها أن الدواب على الأرض كما الطيور والأنعام والهائم – كلها أمم أمثالكم قد خلقت. فهل إختلفت أو تخلفت البشرية لكي لا تميز ما بينها وبين الحيوان؟

    • زائر 1 | 1:03 ص

      «ثورة المتعلّم تعزلك. وثورة الجاهل تقتلك».

      حكمة بالغة فهل يهتدي من له قلب أو ألقى السمع؟؟؟؟؟؟

اقرأ ايضاً