العدد 4060 - الجمعة 18 أكتوبر 2013م الموافق 13 ذي الحجة 1434هـ

مسرحية «الزومبي» تحذر من تعليب المسرح وتجمّد الإنسان

عرضت خلال مهرجان مسرح الصواري

ربما كان على الشاعر كريم رضي أن يتريّث قليلاً في الحكم على الجهد المسرحي للصواري في مهرجانه التاسع لا ليكتشف العكس بل ليتأكد من صدق مقولاته، حيث ساق السعداوي في مسرحية (الزومبي) كل ما كان سيسوقه رضي من هجس وحسرة على المسرح لما كان عليه الصواري من إبداع تألق ولا مهادنة. فلو تريث حتى يشاهد الزومبي للتأكد من مدى استبطان الصواري على الأقل في شخص السعداوي من إحساس بتلاشي الألق والخوف من تبدد الجهود في الهباء، وليس أدل على ذلك من مخرج محبط، ومؤلف تتبدد مسرحياته في الهباء، وتتحطم على صخرة الواقع وعصر السوق، وتتحول كل شخوصه المسرحية إلى الزومبي الإنسان الميت الذي يحتاج إلى تعويذة سحرية ليعود للحياة، وإذا عاد كان كالمحنط لا قيمة في حضوره سوى لأكل البقية الباقية الحياة.

الإمساك... السعداوي متلبساً بالمعنى

في «الزومبي» أنت أمام عرض استطاع مخرجه أن يمسك بالمعنى أخيراً عند السعداوي الملتبس دائماً، والذي كان من الصعب الإمساك بالمعنى عنده مباشرة عند تتبعه. ولكنك هذه المرة تحس أنك أمام مخرج استطاع أخيراً أن يقدّم عرضاً مقنعاً؛ رغم تشتت الأفكار ومراوغتها وتأبّيها على الاصطياد عند السعداوي عادة، وذلك بلعبة بسيطة هي لعبة «المسرح داخل المسرح». فمن عادة نص السعداوي التشتت والتشتيت والهروب من فكرة إلى أخرى، ومن حكاية إلى غيرها، رغم الخط الدقيق الذي يصعب عادة اصطياده ولكنك هذه المرة بلعبة المسرح داخل المسرح صار من المبرر الجمع بين كل هذه الحكايات وكل هذا (التنطط) من فكرة إلى أخرى، حيث جمعت «الزومبي» أربع مسرحيات داخلها وما هي إلا إحدى الحكايات التي تعنون العرض بها وتأطر من خلالها.

بين حلم المسرح وواقع السوق

في «الزومبي» أنت أمام مؤلف شاب طامح، يبحث عن مخرج يتبناه ويقتنع بإبداعه ويخرج نصوصه من عالم الأفكار والأوراق إلى العلن ويلبسها لحماً ودماً على المسرح. أنت أمام مؤلف شاب هو محمد الصنديد الذي ظل طوال المسرحية يستنفذ جهوده ويعرض أفكاره وشخوص مسرحه أمام مخرج عجوز محبط ومثقل بالتشاؤم من عودة المسرح إلى ما كان عليه من ألق. كان هذا المخرج هو عمر السعيدي الذي ظل يراوغ الشاب ويناوئ أفكاره ويفككها ويواجهها واحدة واحدة حتى يبددها. ولكن مخرجنا الشاب يصر على إقناع مخرجه بجدوى أعماله وكفاءتها لإيمانه بطاقته وثقته في نفسه وإمكاناته قدرة نصوصه على تمثيل كل ما يدعيه ذلك المخرج المحبط، فيظل يعرض عليه الفكرة تلو الأخرى حتى يقتنع صاحبنا ويعيد إليه شيء من رحمة التفاؤل أمام قسوة التشاؤم المطبقة عليه. ولكن كل ذلك يتبدد وتتهاوى كل المسرحيات التي بناها الفتى أمام واقعية الحياة وتحولاتها وإطباق عصر السوق وتحول الإنسان إلى مجرد رقم بدون قيم ولا تاريخ، ولا حتى إحساس وطمر لإنسانيته أمام جشع المال ورغبة التجار في تحويل المسرح إلى مركز تجاري تتهاوي مع بنائه كل ما بناه الفتى من آمال وأحلام.

السعداوي مفككاً

أحداث المسرحيات التي سردها المؤلف الصنديد وأرانا إياها بلعبة المسرح داخل المسرح والحوار الطويل الذي دار بين المخرج والمؤلف ما هو إلا مداولات للعبة الحجاج والإقناع. والمخرج والمؤلف في هذه اللعبة ما هما إلا تمثيل لمحورين كبيرين متصارعين على مستوى الواقع أساساً هما عالم القيم وعالم المال، عالم السوق وعالم الأفكار، وأن يكون المآل والنصر للمال فهذه هي آفة العصر التي ستأتي على القيم وتحطمها وتتركها فتات وتنثرها في تشتت وتفكك تماماً كما هي أفكار السعداوي الممزقة المتشتتة. فما هذا الرجل سوى الإنسان المحطم أمام آفات السوق وترساناتها القاتلة، وتماماً كما هي مسرحيات هذا الشاب التي تهاوت في الهباء أمام لغة السوق.

مقولات مكرورة

في هذه المسرحية، كعادته سرد السعداوي مقولاته المكرورة، ولكن هذه المرة ربما وجد الشكل الذي كان من خلاله أكثر إقناعاً بلعبة المسرح داخل المسرح. ولعل أهم المقولات التي استطاعت أن تحضر في هذا العرض هي غربة الإنسان وتغرّبه عن الأشياء «فما عادت الجدران تعرفه وفي المقابل ما عاد هو يعرفها وصار ينكرها»، وكل ذلك بفضل الآلة التي شيَّأت الإنسان وحولته إلى آلة مثلها. وبعدها أتى «عصر الإنسان الافتراضي» حيث تحولت هذه الكتلة من اللحم والدم والمشاعر والقيم إلى مجرد كائن افتراضي مضغوط في «إلكترون كهربائي». فالإنسان في العمل مجرد بصمة يضغطها فيكون موجوداً، والبصمة تتحول إلى رقم وهكذا». هكذا لم يعد للإنسان وجود ولا قيمة لإحساسه ولا لقيمه ولا لذاته. ومقولة بعد مقولة يسردها السعداوي ليثبت أن لا جدوى أمام هذا المؤلف الشاب سوى الانصياع لمنطق الحياة القاتل والتلاشي في الهباء وأن يكون مصيره كمصير مخرجنا المحبط المثكول بذاته وبأحلامه المصطدم بصخرة الواقع.

الزومبي وموت المسرح

هكذا تتثبت من مدى الترابط بين الشكل والخطاب في العرض الذي قدمته مسرحية «الزومبي» حيث إن تلاحق المسرحيات وتتاليها واحدة إثر واحدة وفي المقابل تبدد الأفكار وتلاشيها أمام منطق السوق لا يعكس في النهاية مدى الإحباط الذي يعيشه المسرح بقدر ما يقدم صيغة تحذيرية تتنبأ بموت المسرح وتلاشيه وتحوله أشبه بظاهرة الزومبي الذي يحتاج إلى سحر ليعود للحياة ولكنه لن يعود إلا في شكل الزومبي المحنط الذي لا قيمة له إلا في تمويت بقايا الحياة.

العدد 4060 - الجمعة 18 أكتوبر 2013م الموافق 13 ذي الحجة 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً