العدد 4161 - الإثنين 27 يناير 2014م الموافق 26 ربيع الاول 1435هـ

تونس واللحظة التاريخية... ميلاد الجمهورية الثانية

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

أمام التغيّرات الهائلة التي شهدتها المنطقة العربية في السنوات الثلاث الأخيرة، وما رافقها من أحداث عنف وإرهاب وما ترتّب عنها من فوضى تكاد تكون شاملةً في بعض البلدان، لا يسع المتابع العربي إلا أن يبارك التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي وذلك حين ضرب موعداً جديداً مع التاريخ من خلال المصادقة على الدستور الجديد وتشكيل الحكومة الجديدة، وتشكيل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات كأفضل هديّةٍ قدّمها السياسيون في مطلع هذا العام الجديد للشعب التونسي، وربما تكون أيضاً درساً جديداً للتعقل السياسي والتوافق الوطني من أجل مصلحة البلاد.

نعم، السادس والعشرون من يناير 2014 تاريخٌ لا يمكن أن يمّحيَ من ذاكرة كل تونسيّ، بل من ذاكرة كل محب للتوافق في العمل السياسي في العالم. السادس والعشرون من يناير ليلة بألف ليلة في تونس، مسرحها المجلس التأسيسي حيث تمت المصادقة على دستور الجمهورية الثانية بعدد 200 صوت نعم، و12 صوت لا، و4 أصوات متحفظة ليُشكّلَ شبه إجماع وسط أجواء احتفالية كبيرة بالمجلس الوطني التأسيسي، وبحضور إعلامي محلّي وأجنبي هائل.

وتأتي مصادقة المجلس التأسيسي على الدستور الجديد للبلاد المتكون من «توطئة» (ديباجة) و149 فصلاً، بعد ثلاث سنوات من اندلاع الثورة؛ حيث كان من المقرّر أن ينتهي المجلس التأسيسي من وضع مسودة الدستور خلال عام بعد انتخابات أكتوبر 2011، لكنه تأخر بسبب الخلافات السياسية في البلاد. ومن المقرّر أن يقام يوم الاثنين (27 يناير2014)، تاريخ كتابة هذا المقال، احتفال ضخم يتمّ فيه ختم الدستور من طرف رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس المجلس التأسيسيّ.

وتفاعلاً مع المصادقة على الدستور الجديد، دستور الجمهورية الثانية، قال رئيس المجلس التأسيسي التونسي مصطفي بن جعفر في كلمةٍ أولى «هذا الدستور يبني دولة مدنية ديمقراطية ويحقّق حلم التونسيين وعدة أجيال». وأضاف بن جعفر «هذا الدستور هو نجاح للثورة وللنمط المجتمعي التونسي، ليست تونس وحدها من تتابع هذه التجربة بل العالم كله يتابعها بإعجاب».

وبمجرد المصادقة على الدستور أشاد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بالجهود التأسيسية للتجربة التونسية، معتبراً أنها «مرحلة تاريخية»، ودعا إلى إكمال المرحلة الانتقالية الديمقراطية في البلاد، واعتبر أنّ العملية الانتقالية الديمقراطية في تونس قد اجتازت مرحلة تاريخية جديدة بالمصادقة على دستور جديد». وأضاف أنّه «مقتنعٌ بأنّ المثال التونسي قد يكون نموذجاً للشعوب الأخرى التي تتطلع إلى إجراء إصلاحات».

وتشجّع الأمم المتحدة الأطراف السياسية في تونس على أن تتم المراحل المقبلة للعملية الانتقالية بشكل سلمي وشفاف وشامل. كما اعتبر بان كي مون أنه «سيكون من المهمّ العمل كي يكون النمو الاقتصادي بشكل عادل ودائم». وجدّد دعم الأمم المتحدة لتونس، كما شجّع الأسرة الدولية على زيادة دعمها للجهود التي يبذلها هذا البلد من أجل ترسيخ ديمقراطيته ومواجهة التحديات الاقتصادية المستقبلية.

وتزامناً مع هذه الخطوة التأسيسية، وتنفيذاً لخارطة الطريق، أعلن رئيس الوزراء المكلّف المهدي جمعة تشكيلة حكومته المستقلة التي ستحل بدل حكومة الترويكا، حيث كانت الأغلبية فيها لحزب حركة النهضة ذات التوجهات الإسلامية، والتي التزمت بدورها بخارطة الطريق. وأعلن رئيسها علي العريض استقالتها وذلك في تلازم شديد بين المسارين التأسيسي والحكومي لدعم الانتقال الديمقراطي في مهد الربيع العربي، وتمهيداً لتكليف رئيس الوزراء الجديد الذي تمّ التوافق بشأنه من قبل معظم الأحزاب والكتل البرلمانية في البلاد بقيادة الرباعي الراعي للحوار الوطني وعلى رأسه الاتحاد العام التونسي للشغل. وسوف تقود هذه الحكومة الجديدة المستقلة والتي تزخر بالكفاءات المشهود لها عالمياً ووطنياً، في قراءة أولية لأسمائها، إلى انتخابات تشريعية ورئاسية سوف تكون على الأرجح في أكتوبر/ تشرين الأول 2014.

وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده على إثر تقديم تشكيلته الحكومية لرئيس الجمهورية المنصف المرزوقي، صرّح رئيس الوزراء المكلّف المهدي جمعة بأنه اعتمد معيار الاستقلالية والكفاءة والنزاهة في اختيار أعضاء فريقه الحكومي، ونظراً لصعوبة المهمة طالب بالتفاف الجميع حول هذه الحكومة، وتمنى أن تكون آخر حكومة انتقالية قبل المرور إلى الحكومة المستقرة.

ويعلّق الشعب التونسي على حكومة المهدي جمعة آمالاً عريضةً للخروج من الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب. وينتظر أن تلقى هذه الحكومة الدعم الشعبي والسياسي لها، لا لكونها مسنودةً بحزب سياسي معين، ولكن لأنه مدعومةٌ بتوافق وطني لم تحظَ به أية حكومة من الحكومات الأربع التي سبقتها بعد الثورة.

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 4161 - الإثنين 27 يناير 2014م الموافق 26 ربيع الاول 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 5:50 ص

      تونس واللحظة التاريخية... ميلاد الجمهورية الثانية

      مقال خفيف وجميل

    • زائر 3 | 3:21 ص

      تجربة فريدة

      تجربة تونس فريدة بدءا ومنتهى

    • زائر 2 | 3:02 ص

      مبروك لتونس

      هذا الدستور يبني دولة مدنية ديمقراطية ويحقّق حلم التونسيين وعدة أجيال». وأضاف بن جعفر «هذا الدستور هو نجاح للثورة وللنمط المجتمعي التونسي، ليست تونس وحدها من تتابع هذه التجربة بل العالم كله يتابعها بإعجاب».

    • زائر 1 | 11:19 م

      هذا أملنا

      وينتظر أن تلقى هذه الحكومة الدعم الشعبي والسياسي لها، لا لكونها مسنودةً بحزب سياسي معين، ولكن لأنه مدعومةٌ بتوافق وطني لم تحظَ به أية حكومة من الحكومات الأربع التي سبقتها بعد الثورة.

اقرأ ايضاً