العدد 4315 - الإثنين 30 يونيو 2014م الموافق 02 رمضان 1435هـ

بغداد... والأزمنة الصعبة

وسام السبع wesam.alsebea [at] alwasatnews.com

لا يبدو أن حظوظنا كعرب مع مُدننا الكبرى سعيدة أبداً. فالقاهرة فقدت بريقها الحضاري في دنيا العرب بعد أن كانت يوماً ما قبلة القوميين وموضع عزّهم، وعنها انطلقت الأهازيج الشعبية، وبالنشيد القومي الحالم برجل فوق الأهرام وأمامه بساتين الشام.

وبيروت التي أعطت بأنغامها أحلى الألحان وأشجاها، وأهدت للعرب أجمل القوافي وسيلاً من الدواوين، وصحافة حرة وأدباً مهجرياً غزيراً وأصيلاً، وجبران والريحاني... لازالت تداوي جراحات سنوات الدم في حربها الأهلية، وتقاسي شهوة الانتقام التي تستبد بتنظيمات تكفيرية يغيظها جمال الحياة عند ضفاف المتوسط فتقرر نشر الخراب.

وبغداد، الجرح النازف، والألم الغائر في قلب العروبة، التي يقول عنها الخطيب البغدادي: «إن الصناعة بالبصرة والفصاحة بالكوفة والخير في بغداد».

وعندما سأل الإمام الشافعي صاحبه يونس: يا يونس أدخلت بغدد؟ قال: لا، قال: يا يونس ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس.

وفيها صدحت فيروز على مسارح السبعينات:

«بغداد والشعراءُ والصورُ

ذهب الزمانُ وضوءه العطرُ

يا ألف ليلة يا مكملة

الأعراس يغسل وجهك القمرُ

وعلى ما لبغداد من مكانة في دنيا العرب وما تمثله في تاريخهم الحضاري، إلا أن هذه المدينة العتيقة أُرهقت تماماً بعد تأسيسها بخمسة قرون بما جرى عليها وفيها. أرهقتها المكائد والإغفال والإهمال فضعفت قدرتها على الممانعة. وكانت أسهل مدينة دخلها التتار في زحفهم نحو العراق!

وتلا سقوطها في منتصف القرن السابع للهجرة، أربعة قرون من العزلة والتخلف، فكانت أسهل مدينة يدخلها الانجليز العام 1917، فيما استمرت ممانعة المدن بينها وبين البصرة لما يقرب من ثلاث سنوات، وهي أول مدينة تسقط عند دخول الاحتلال الأميركي في 2003! وتوشك اليوم أن تقع بين مخالب تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام وتحت أنصال حناجرهم المتعطشة دائماً للذبح.

وعلى ما يرى حسن العلوي في كتابه «شيعة السلطة وشيعة العراق... صراع الأجناس»، فإن هذا الانهيار السهل والمتتالي لبغداد أمام الغزوات الخارجية هو نتيجة «ضعف الممانعة» بسبب ما كانت تعانيه هذه المدينة من إرهاق نتيجة خلل كانت السلطة العراقية البعثية مسئولة عنه.

فالأيدلوجيات المتحكمة في الشارع العراقي والتي وصل معظمها إلى السلطة، لا تنظر إلى بغداد كمدينة لمشروعها السياسي، فالسيادة الفكرية للحزب الشيوعي العراقي وتحوله إلى مدرسة وطنية منذ منصف ثلاثينيات القرن الماضي، لم تتجه إلى هذه المدينة، فيما مدينة الحلم الأيدلوجي في موسكو، مدينة الحزب ومركز الثورة الأممية، وبدرجة تالية بكين عاصمة الصين الشعبية في الوجدان الشيوعي.

إن مدينة القوميين هي القاهرة، وليست بغداد، ومسقط رأس الحزب دمشق، والنموذج الليبرالي الذي يحلم به العراقيون الليبراليون هو لندن، ولندن أيضاً مدينة الحاكم في العهد الملكي، أما باريس فكانت مدينة العلمانيين الأولى.

وحتى ربع قرن من تأسيس العراق الحديث كانت مدينة رجال السلطة هي اسطنبول وليست بغداد.

وعلى ما تعرضت له بغداد العباسية من خراب القرون، منذ الموجة التترية وما تبعها من موجات خضعت فيها لحكومات وافدة من بلاد الأناضول وآسيا الوسطى وإيران، فإن المدن العريقة ومنها بغداد، لا تفقد منظومتها النفسية وعمقها الحضاري إلى الأبد، وإنها لابد أن تنهض من كبوتها.

حدث هذا خلال ثلاثة أعوام، وبعد ثلاثمئة عام من العزلة، عندما انتدب لولايتها مدحت باشا، فانتعشت عروق المدينة وتشكلت بؤر ثقافية، وأصدرت جريدتها الزوراء بعد أن دخلت إليها المطبعة الآلية.

وحدث أكبر من ذلك وقد مرت على العراق أربعة قرون تقريباً من الانهيار، عندما توّج الملك فيصل الأول فاستعادت بغداد في اثني عشر عاماً جوانب من عصورها الغابرة.

وسنشهد ما بين الستينيات والثمانينيات عبقريات بغدادية تتفجر في مختلف العلوم والآداب والفلسفة والتاريخ والشعر، وتفيض مكتباتها بالنتاج النوعي لمبدعين لم يتكرروا منذ عصر المأمون، فالشاعر العباسي مستمر في الجواهري، وطه باقر يفك رموز اللغة السومرية ويترجم جلجامش إلى العالم، ومهدي المخزومي يعيد مدرسة الكسائي ويجدّد نحو الكوفة، وشيخ اللغويين محمد بهجت الأثري يعتكف عشرين عاماً مع الادريسي وخارطته ومعجمه، وعبدالعزيز الدوري مرجع العرب في التاريخ الاقتصادي للعصور العباسية، ونازك الملائكة ترسي مدرسة متفردة في الشعر، وعبدالوهاب البياتي يصول على منصات الشعر في العالم، أما علي الوردي فقد بويع إماماً لعلم الاجتماع، وعلي جواد الطاهر إماماً للنقد الأدبي، وعبدالرزاق الحسني وقد زحفت به السبعون ما زال حي الذاكرة، وكان جعفر الخليلي وسالم الألوسي يشكلون محوراً في الثقافة المنفتحة.

أما المعماري العباسي الطموح الذي جدد جامع الخلفاء محمد مكية فقد طورد وأقام مشروع الكوفة في لندن، ولم يستفد منه العراق لأن السلطة لم تكن معنيةً بمعمارية بغداد العباسية بل بتماثيل القائد الضرورة.

أما التطور الأسوأ في منحنى انهيار بغداد العباسية حدث بين عامي 1979- 2003 ثم استمر بعد الاحتلال، عندما بدأ تنظيم القاعدة نشاطه في تفجير الأحياء الشعبية والجسور البغدادية العريقة.

ورغم مرور أكثر من عشر سنوات داميات للعراق، فإن الأمل بنهوض بغداد من كبوتها لازال قائماً، وسنظل نشدو مع الشادين:

عيناك يابغداد أغنية

يغنى الوجود بها ويختصرُ

لم يذكر الأحرار في وطن

إلا وأهلوك العلى ذُكروا.

إقرأ أيضا لـ "وسام السبع"

العدد 4315 - الإثنين 30 يونيو 2014م الموافق 02 رمضان 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 6 | 7:40 ص

      الامة

      امة عربية واحدة دات رسالة خالدة
      وحدة حرية اشتراكية البعث طريقنا الانسانية رسالتنا

    • زائر 5 | 7:28 ص

      البعث هوالحل

      مجي البعث مرة اخري الي السلطة في العراق هو الحل لمادا لانة سوف تكون المواطنة الحقيقية في العراق هي المعيار وليس فتاوي الوهابية اوالسستانية هي المعيار

    • زائر 4 | 4:02 ص

      أزمة بغداد

      إن كان العراق بلداً ديمقراطياً ؛ فلا يتدخل المرجع في أي شأن من شئون السياسة!

    • زائر 3 | 2:59 ص

      أمة عربية واحدة .. ذات رسالة خالدة..

      وحدة.. حرية.. إشتراكية..

    • زائر 2 | 2:22 ص

      بغداد الجوهرة

      وفقت أستاذي وسام باختيارك مدينة بغداد فجوهر بغداد الحضاري يعود إلى توقده الدائم.. مدينة لا يفقد المرء فيها قياسه الإنساني تشمخ علوًا وتنبسط أفقيًا ويبقى الإنسان هو السيد فيها متناغمًا مع ما يبدع ويوجد كل يوم من فكر وفن.. فبغداد تعود ساحرة وملهمة حتى أن أصابها الضرر وجال عليها الزمن وتربص بها المتربصون لأنهامدينة حية تتجدد دائمًا رغم المحن.. ومن يعود إلى تاريخها يرى ذلك واضحًا كما تجلى ذلك في مقالك المدعم به ،،،

اقرأ ايضاً