العدد 4365 - الثلثاء 19 أغسطس 2014م الموافق 23 شوال 1435هـ

بين داعش وعكاشة

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

لمّا حدّثني أكثر من شخص منذ خمس سنوات عن محتوى البرامج التي يعدّها ويقدّمها «الإعلاميّ» المصريّ توفيق عكاشة في قناته الخاصّة، كنت ألجأ إلى تكذيب ما أسمع لكون ما يروى عنه وعن أخباره وتعليقاته وتحليلاته أغرب من الخيال، لكن حين فتحت صدفةً بعض مقاطع الفيديو وقفت على الحقيقة المرّة.

ومرّت سنوات ولم أعبأ بمثل ما يقوله لأكثر من سبب. لكن حين يصل الأمر إلى إفساد العلاقة بين الدول الشقيقة، وحين تصل به الجرأة إلى تحريض الشعوب الصديقة على الحروب، والدعوة الصريحة إلى الاقتتال بين الدول، والاستهانة برموز وطنية ومؤسسات إحدى الدول العربية الصديقة لمصر، فإنّ الأمر آنذاك يختلف ويدعو إلى البحث الجاد في حدود حرية الرأي، ومدى علاقة مثل هذا الخطاب الإعلامي بالإرهاب؟

لئن لم يتفاجأ أحدٌ بما قاله، ولن يتفاجأ أحد بما يمكن أن يقوله توفيق عكاشة، فإنّه من المؤسف أن يصدر عن إعلامي مصري مثل هذه التصريحات بحق دولة عربية شقيقة ذات سيادة؛ حيث حرّض مصر على شقيقتيها ليبيا وتونس وهو ما لن يحدث بإذن الله. نعم، سوّلت له نفسه أن يخاطب الشعب التونسي ليخفّف عنه ممّا ابتلي به، كما يعتقد هو، من حكومات ما بعد الثورة في إشارة صريحة إلى دور حركة النهضة الإسلامية بالذات فيها، ثمّ يدعو الجيش المصري في تصريحٍ له على إحدى القنوات التلفزيونية قائلاً: «إنّ تونس لا يوجد فيها جيش وطني يحمي شعبه بل يوجد فيها إرهاب يحكمها»، وقد هدّد باجتياح الجيش المصري لتونس بعد أن يدخل ليبيا ويسيطر عليها.

ويذكر أن توفيق عكاشة قد عرف بتصريحاته المثيرة للجدل والمشبوهة، إذ أنّه سبق أن وصف أهل غزة وهم تحت القصف بالإرهابيين.

إنّ مثل هذا الخطاب يؤكد أنّ بين الرداءة وحرية التعبير فرقاً شاسعاً؛ فالعدول عن وظيفة الإعلام الرئيسية والمتمثلة في تقديم المعلومة وتحليلها بشكل موضوعي لإنارة الرأي العام، نحو تصفية الحسابات وتضليل الناس بل والتحريض على الاقتتال بين الدول الشقيقة والتناحر بين الشعوب الصديقة، لهو مدعاةٌ إلى التنبه لخطر هذا الإعلام؛ ذلك أن تحليلات بل شطحات هذا الإعلامي قد أثارت الرأي العام في تونس خصوصاً، ودفعت الكثيرين من رجال السياسة في تونس إلى الردّ عليه بل ومطالبة الحكومة المصرية بالاعتذار عن مثل هذه التصرفات غير المسئولة.

كما استثار العديد من المدونين وأسال الحبر في الكثير من صفحات التواصل الاجتماعي التي تحوّلت فيه بعض التدوينات إلى سباب بين الأشقاء، الأمر الذي لا تحتمله المرحلة، ولا يمكن أن يقع فيه العقلاء، لكن ينساق الشباب بسهولة وراءه.

نعم، لا يزال الإعلام العربي وخصوصاً في بعض دول الربيع العربي، مثل تونس وليبيا ومصر، يعاني من مشاكل قد يعود بعضها إلى مخلفات الزمن الماضي، وقد يرجع بعضها الآخر إلى قلة الخبرة في التعامل مع هامش الحرية الإعلامية الكبيرة التي أصبح يتمتع بها الإعلاميّ، وخصوصاً في تونس، كما قد يتصل بعضها الآخر بعدم فهم رسالة الإعلام على حقيقتها، لكن رغم بعض هذه النقائص لم يصل بأي إعلامي إلى أن ينحط بخطابه إلى مثل هذا المستوى من التحريض والاستهانة بالعلاقة العظيمة والتاريخية التي تربط بين الأشقاء العرب المسلمين وغير المسلمين في تونس وليبيا ومصر، ولم يدع يوماً داع إلى مثل هذه الدعوة التي لن تكرّس سوى التباغض والتطاحن بين العرب، وهذا ولا شك هو عين ما ترغب فيه الصهيونية وتكرّس له الأقلام المأجورة لترويجه.

إن الحضور الإعلامي لتوفيق عكاشة وأسلوبه في الخطاب يذكّرني بالخطباء والدعاة التكفيريين، فلا أرى فرقاً كبيراً بين خطابه وخطاب «داعش»؛ ذلك أنه حوّل منبره إلى فضاء للسب والشتم ونشر الفتنة والتحريض على الاقتتال والانتقام والاستهزاء بشخصيات تساهم بشكل إيجابي في صنع مرحلة جديدة في تاريخ بلدانها سواءً ببناء عماد دولة قوية مثل أردوغان في تركيا، أو بمقاومة المحتل الصهيوني مثل «حماس» وقياداتها في الداخل والخارج، أو بالمساهمة في تركيز حكم ديمقراطي مثل المرزوقي في تونس.

ولئن كان من المتوقع أن يصدع توفيق عكاشة وأمثاله بمثل هذه الأقوال، وأن يخرج علينا بين الحين والآخر بخطابٍ يؤجج نار الفتنة بين الأخوة العرب، في خدمة غير مباشرة لمصالح الصهيونية العالمية، فإنه من غير المنتظر أن يقع السكوت على هذا الفضاء الإعلامي الذي يفترض أن يقع التعامل معه بحزم ومهنية حتى لا تتكرر مثل هذه الخطابات الهدامة.

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 4365 - الثلثاء 19 أغسطس 2014م الموافق 23 شوال 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً