العدد 4522 - الجمعة 23 يناير 2015م الموافق 02 ربيع الثاني 1436هـ

الفريضة الغائبة

ياسر حارب comments [at] alwasatnews.com

في جلسة مع مجموعة من المثقفين، هاجم أحدهم تنظيم «داعش» وتشويهه لوجه الإسلام السمح، فنهره آخر قائلاً: «وما يُدريك لعلّهم على صواب؟». سألته وكيف يكونون على صواب؟ فقال إنهم لم يفعلوا شيئاً يُخالف الدين، اقرأوا تاريخكم لتعرفوا أنهم إنما يُعيدون إحياء تاريخ إسلامي درسنا عنه في المدارس، وقرأنا عنه في الكتب المعتمدة، ثم إذا ما رأيناه يُطبّق أمامنا قُلنا إنه ليس من الدين!

وفي العام 1980 وضع محمد عبد السلام فرج كتاباً سمّاه «الجهاد... الفريضة الغائبة»، أصّل فيه لمبدأ الجهاد، ليس الخارجي فقط، بل في داخل الدول الإسلامية. حيث اعتبر محمد عبد السلام الحكومة المصرية، إبان حكم السادات، حكومة كافرة ويجب جهادها حتى يسدّ المجاهدون ثغر الداخل ويتفرغوا للثغور الخارجية. ويعتبر ذلك الكتاب النقطة التي انطلقت منها التنظيمات الجهادية في العالم الإسلامي، من «جماعة الجهاد الإسلامي» في مصر، حتى «القاعدة»، وصولاً إلى «داعش» والتنظيمات الإرهابية التي تعيث فساداً في المنطقة.

ولقد تأثر محمد عبدالسلام فرج بفكرة الحاكمية التي أنشأها أبو الأعلى المودودي، ثم أعاد صياغتها بصورة أدبية سيّد قطب وقدّمها حُجّةً على طبق من ذهب لتكفير الحكومات والمجتمعات التي «لا تحكم بما أمر الله»، وحَكَمَ عليها بـ «الجاهلية»، فاستباحت التنظيمات الجهادية دماء المسلمين في الشرق والغرب. ومن يقرأ كتاب «فرسان تحت راية النبي» لأيمن الظواهري، سيجد قوله: «فلقد كانت ولازالت دعوة سيد قطب إلى إخلاص التوحيد لله والتسليم الكامل لحاكمية الله ولسيادة المنهج الرباني، شرارة البدء في إشعال الثورة الإسلامية ضد أعداء الإسلام في الداخل والخارج، والتي لازالت فصولها الدامية تتجدد يوماً بعد يوم».

أما ابن تيمية، فإن كتاب الفريضة الغائبة مليء بمقولاته حول الجهاد، كقوله: «كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين. فإذا أقرّوا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يُصَلّوا (...)». ولا ينفكّ يسرد أحاديث شريفة تُعزّز فهمه لمبدأ الجهاد، كحديث: «بُعِثْتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي (...)» وحديث: «من مات ولم يَغْزُ ولم يحدّث به نفسه مات على شعبة من نفاق»، وغيرها من الأحاديث النبوية الشريفة.

ولا يسعُ الإنسان البسيط إن قرأ الكتاب، الذي يستشهد كاتبه بآيات كثيرة منها: «قاتِلوا الذينَ لاَ يُؤمنونَ باللهِ ولا بِاليومِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُون ما حرَّمَ اللهُ ورسُولُهُ ولا يَدِينونَ دينَ الحقِّ من الذينَ أُوتُوا الكتابَ حتَّى يُعْطُوا الجِزيَةَ عن يَدٍ وهم صاغِرُونَ». وآية: «قَاتلوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بأَيدِيكُمْ ويُخْزِهِمْ وينصُرْكُم عليهِمْ ويَشْفِ صدورَ قَومٍ مُؤمنينَ»، إلا أن يُسلّم بما جاء فيه لقوة حُجَجِه. تلك الحُجَج التي يُناضل كثير من علماء الدين المُعتدلين اليوم لدحضها وتبيان ملابساتها.

فلو أخذنا هذه النصوص وغيرها بظاهرها، لما أمكن لأحد منا أن يتنطع بمقولة «الإسلام دين سلام». فالتعامل مع النصوص الشرعية لا يحتاج فقط إلى فهم عميق للغة وللدين، بل للواقع الذي نعيشه اليوم. فمصيبة العقل الإسلامي الكُبرى اليوم أنه لا يفهم بأن الواقع هو الحقيقة التي عليه أن يستوعبها لا أن يُغيّرها، ثم يُلائم فهمه للنصوص الشرعية مع تلك الحقيقة، من خلال إفراد مساحة أكبر للعقل والمنطق لنقد مقولات وأفهام كثير من علماء الدين الذين جَنَت أفكارهم على واقعنا بالمأساوية.

ومن خلال تشريح الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية التي نزلت فيها النصوص الشرعية، ثم محاولة إعادة فهمها حتى نَبْتُر الصراع بين العقل والنقل بتبنّي عقلانية معرفية قائمة على الإيمان، لا مناهضة له. عقلانية لا تُقَوِّض الدين بل تسند دعائمه، وتبحث عن الحقائق لا عن العبث.

يُحكى أنه في أيام هارون الرشيد، طلب الفلاسفة الهنود عالماً مسلماً ليُحاجّوه في قضية وجودية. فأرسل الرشيد قاضي قضاة بغداد، فسألوه: «هل إلهك قادر؟» قال نعم، فقالوا: «إذا كان قادراً فهل يقدر أن يخلق مثله؟»، فارتبك الرجل وقال: «هذه قضيةٌ من علم الكلام، ولقد منعنا الكلام في بلادنا منذ زمن».

عاد وأخبر الرشيد بما جرى، فغضب وقال: «أما لهذا الدين من يدافع عنه؟»، فقال له أحدهم: «بلى، بِشْرُ بن المعتمر»، وهو مُعتزليٌ كان مُلقى في السجن. فأُخرج وأُرسل إلى الهنود، وعندما سألوه قال: «هذا سؤال خاطئ في أصله، فالخالق قديم والمخلوق مُحدَث، ولا يمكن أن يكون المُحدَثُ مثل القديم». ورغم أن إجابته لم تكن قاصمة، إلا أنها أيضاً يصعب الرد عليها أو نفيها.

هذه ليست دعوة لعودة المُعتزلة، فلقد ولّى زمانهم، ولكننا نحتاج إلى إعلاء قيمة العقل مثلما فعلوا، ونواجه تُراثنا ونقول إن هناك لَبْساً عارِماً يعصف بالعقل الإسلامي فيما يختص بقضايا الجهاد والقتل، ما يُشرعن العنف ويدفع الناس إليه.

نحن في حاجةٍ إلى عقلانية تبحث عن الرُّشْد، وتتحلى بالشجاعة الكافية لترد على تأصيل التيارات الإرهابية للقتل، فربما تكون هي مخرجنا الوحيد من هذه الأزمات الراديكالية التي تعصف بنا في داخل بيوتنا وكتبنا ومدارسنا ومنابرنا، فالعقلانية اليوم هي الفريضة الغائبة.

إقرأ أيضا لـ "ياسر حارب"

العدد 4522 - الجمعة 23 يناير 2015م الموافق 02 ربيع الثاني 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 8:48 ص

      داعش ليست شاذة عن التاريخ و لكنها شاذة عن الحضارة المعاصرة

      البدائل لفكر داعش و الاسلام الاصولي عامة موجودة و هي أقوى حجة و دليل مثل ما قدمه فرج فودة أو محمد شحرور أو عبد الكريم سروش ، و لكن استبعد أن تقبل المؤسسات الرسمية إدخال هذه الأفكار العقلانية في المناهج الدراسية.

    • زائر 3 | 2:13 ص

      الفريضة الأهم هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

      الفريضة الغائبة وهي الأهم من كل الفرائض واساس مصائب المجتمعات وهي فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي يجب ان تطال أعلى المؤسسات في الدولة وان لا يكن الامر بالمعروف مجرد جهة تقوم بحث الناس على الصلاة
      والذهاب للمسجد وتسكت عن مناكر كبيرة تنخر في جسد الأمة

    • زائر 2 | 1:24 ص

      أحسنت

      مقال جميل سلمت يداك

اقرأ ايضاً