العدد 4560 - الإثنين 02 مارس 2015م الموافق 11 جمادى الأولى 1436هـ

دور الحوزات العلمية في الحركة الفكرية قديماً

وسام السبع wesam.alsebea [at] alwasatnews.com

يتواصل الموضوع الذي طرحناه في المقالات السابقة حول الأدوار التي نهضت بها الحوزات العلمية في القرنين السابع والثامن عشر الميلاديين (الحادي والثاني عشر الهجريين)، قرنَي ازدهار الحركة العلمية في البحرين، وقد بيّنا بعض هذه الأدوار، وهنا نستكمل الحديث.

أصبحت دور بعض العلماء في البحرين ملتقى للعلماء وتلاميذهم، ومكاناً لانعقاد المجالس العلمية والمنتديات الثقافية، الأمر الذي أسهم في إغناء نشر العلم والمعرفة في المجتمع البحراني.

وقد ضمّت مجالس المناظرات العلمية أعداداً من العلماء والفقهاء، ومما لاشك فيه أن تلك المناظرات عُدّت واحدةً من الأساليب التي أعطت العديد من الميادين العلمية دفعةً إلى الأمام، وأثّرت على نحوٍ واضحٍ في تطور الحركة العلمية والثقافية في البلاد.

الإفتاء والتوجيه الديني: الدور الأبرز الذي نهض به علماء الدين وطلبة العلوم الدينية كان يتمثل تحديداً في نشر ثقافة الأحكام الشرعية وإيضاح العقائد الدينية بلغة ميسرة لعامة الناس، كما تتضح معالم هذا الدور لطبقة علماء الدين في الإفتاء الشرعي وتبيين أحكام المسائل الخاصة بسلوك المسلم في العبادات والمعاملات، والوعظ والإرشاد الديني.

ويذكر الشيخ البلادي أنه «اتفق أن فاتحة أقيمت لبعض أشخاص البحرين في مسجدها المسمى بالمشهد ذي المنارتين، فاتفق فيها حضور ثلاثمئة أو يزيدون من العلماء الأفاضل في وقت من الأوقات، فأتى رجل يسأل عن مسألة مهمة في دينه فقصد المشار إليه من بينهم فسأله عنها فأحاله على الذي عن يمينه فسأله فأحاله على الذي إلى جانبه وهكذا لم يزل يحيل كل واحد على الآخر حتى أتى على آخر ذلك الصف، ثم أحالوه على الأول، أي المسئول أولاً، فأحاله على الذي كان على يساره فسأله فأحاله على الذي بجانبه وهكذا حتى أتى على آخرهم، فأحالوه على الأول فرجع إليه وأجابه عن مسألته». والذي يعنينا من النص السابق - بقطع النظر عن ما يعتريه من مبالغات - هو التأكيد على الدور الذي كان يقوم به علماء الدين في نشر الأحكام الشرعية والتصدّي للفتوى والإجابة على الاستفسارات الدينية والعلمية للناس.

ولقد كان القضاء الشرعي ومباشرة عملية الإفتاء الشرعي في قضايا الأحوال الشخصية وإقامة صلاة الجمعة والجماعة والوعظ والإرشاد في المناسبات الدينية، كانت جميعها تشكل روافد وعناوين يطل منها علماء الدين على المجتمع بكافة شرائحه الاجتماعية.

تولي القضاء الشرعي: إن المكانة العلمية الرفيعة التي وصل إليها عدد من علماء البحرين دفع أولي الأمر أن يبوئوهم مناصب إدارية ولاسيما القضائية، فمنهم من قبل بها وآخرون امتنعوا واعتذروا عن قبولها، لإيمانهم بأهمية تواصل مسيرتهم العلمية في التدريس والتأليف، فمثلاً تقلّد الشيخ محمد بن الحسن بن رجب المقابيّ (كان حياً في العقد الخامس من القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي) القضاء الشرعي، وكذلك فعل السيد عبدالرؤوف الجدحفصي (ت 1650م/ 1060هـ)، والشيخ علي بن سليمان القدميّ (ت 1653م/ 1063هـ)، والشيخ محمد بن سليمان المقابيّ، والشيخ محمد بن ماجد البحرانيّ (ت 1693م/ 1105هـ)، والسيد هاشم البحراني (ت 1697م/ 1109هـ)، والشيخ محمد بن عبد الله البحراني (كان حياً 1716م/ 1128هـ).

أما في خارج البحرين، فقد تسنّم موقع القضاء الشرعي في إيران والهند السيد محمد بن عبدالحسين بن إبراهيم بن أبي شبانة البحرانيّ، المعاصر للشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزيّ (ت 1710م/ 1121هـ)، والشيخ جعفر بن كمال الدين البحرانيّ (ت 1677م/ 1088هـ)، والشيخ صالح بن عبدالكريم الكرزكانيّ (ت 1686م/ 1098هـ) وغير هؤلاء.

الوراقة (استنساخ الكتب): تُعد مهنة الوراقة بمثابة دور النشر والطباعة في عصرنا، ولاسيما أن مهمة أصحابها نسخ الكتب وتصحيحها وتجليدها، وتكشف مكانة الورّاقين وأعدادهم الكبيرة حجم ومكانة الفكر والعلم الذي عاشته البحرين وقتئذٍ. وقد ذكر المحدّث السماهيجي في إجازته الشيخ داود الجزيري الذي «كتب كتباً كثيرة بيده المباركة، ووقفها مع كتب كثيرة، بخطه وخط غيره، تقرب من أربع مئة كتاب في المدرسة التي بناها ببيته بالجزيرة». ما يؤكد على حقيقة ما كانت تؤديه المدارس العلمية في نشر الكتب ونفائس التراث العربي والإسلامي وإتاحته للمهتمين والدارسين.

والذي يتضح من خلال فهارس المخطوطات أن علماء البحرين لم يكونوا فحسب يأخذون دروس التحصيل عن مشايخهم من الكتب والمتون العلمية، بل كانوا أيضاً يقومون بأدوارٍ علمية خارج نطاق المنهج الدراسي؛ كاستنساخ مصنفات مشايخهم، فالشيخ علي بن عبد الله بن راشد المقابي ينسخ كتابي أستاذه السيد هاشم البحراني «حلية الأبرار في أحوال محمد وآله الأطهار» و»حلية النظر في فضل الأئمة الإثني عشر»، عن نسخة خط المؤلف (1688م/ 1099هـ). وكذلك استنسخ الشيخ لطف الله بن محمد البحراني (سنة 1752م/ 1165هـ) كتاب الشيخ سليمان الماحوزي «بلغة المحدثين في علم الرجال».

كما استنسخ الشيخ محمد بن حرز بن سليمان البحراني كتاب «الهادي وضياء النادي» أو «مصباح النادي» للسيد هاشم البحراني، وهو تفسير للقرآن الكريم بالأحاديث المأثورة عن أهل البيت (ع)، وقد فرغ من تأليفه سنة 1665م/ 1076ه‍ـ، والنسخة التي بخط الشيخ محمد بن حرز بن سليمان البحراني مؤرخة بسنة 1670م/ 1081هـ، منقولة من خط المؤلف.

كما نسخ الشيخ مبارك بن علي بن عبدالله بن حميدان الجارودي رسالة في «علماء البحرين» للشيخ سليمان الماحوزي عن خط المؤلف العام 1754م/ 1167هـ.

كما نسخ الشيخ علي بن إبراهيم البوري (كان حياً 1786م/ 1200هـ) بخطه مجموعة كتب أكثرها من تأليف شيخه الشيخ حسين آل عصفور (ت 1801م/ 1216هـ). كما لازم الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله الشويكي (ت 1838م/ 1254هـ) وولده (الشيخ مرزوق) الشيخ حسين آل عصفور، وكانا متفرغين لكتابة ما يمليه عليهما من المصنفات، يقول الشيخ مرزوق: «... حيث كان والدي ملازماً له من قبل، وكنتُ إذا غبت حضر أبي». وتوجد بخطوطهما الكثير من مصنفات الشيخ حسين، والمتتبع في تراث الشيخ حسين يجد أن أكثر كتبه التي نُسخت في عصره قام باستنساخها طلابه.

وبفضل هذه المستنسخات وجد أغلب تراث علماء البحرين طريقه للانتشار في الحواضر العلمية في إيران والعراق، ونجا من محاولات الإتلاف والحرق والنهب المنظم الذي طال أغلب التراث العلمي البحراني.

إقرأ أيضا لـ "وسام السبع"

العدد 4560 - الإثنين 02 مارس 2015م الموافق 11 جمادى الأولى 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 7:57 ص

      بوركت ولك الشكر

      على مقالاتك الرائعة أتمنى ان تكتب عن حوزات البحرين الحالية

    • زائر 1 | 4:14 ص

      استاذ وسام

      شكرا على المقال بس انا اتعجب رغم كثرة العلماء والمراجع الا ان الشعب عاش الاميه فترة طويله من الزمن فقليل من العوام من كان يستطيع القراءه لماذا

    • زائر 3 زائر 1 | 8:30 ص

      الانحدار العلمي بدأ في القرن 13 الهجري

      الانحطاط العلمي بدأ في القرن 13 الهجري (19 م) لاسباب عديدة..
      شكرا لمرورك الجميل

اقرأ ايضاً